المنتجات الصينية الرديئة تغرق كردستان العراق

الأربعاء 31 مايو 201710:25 م

"لا يستطيع إقليم كردستان العراق الذي يعتمد بدرجة أساسية على استيراد السلع والمواد من دول عدّة، أهمّها الصين وتركيا، مواجهة رداءة هذه المواد التي يجلبها التجار والمستثمرون"، عبارة قالتها نرمين علي غاضبة من شدّة انزعاجها. ترى المعلّمة في إحدى مدارس إربيل أنّ أبرز مثال على هذه السلع هو منتجات الغسيل والشامبو والملابس الصينية الموجودة في الأسواق، لكنها تستدرك قائلة "في بعض الأحيان، أنت وحظّك فقد تكون جيدةّ". وتضرب مثالاً الشامبو الصيني الذي اشترته مقابل 13$ إلا أنّه لم ينفع شعرها بعدما تبيّن أن المنتج الفرنسي أفضل.

 وتتابع نرمين "أصحاب المتاجر بغالبيتهم مخادعون، أو لا يملكون أي معلومات عن المواد التي يبيعونها؛ جميعهم يبيعون على هواهم، ولا توجد متابعة أو مراقبة على المواد بشكل مستمر. على الدوام نتعرّض للغش في المنتجات التي نشتريها".

جولة في الأسواق

عندما تتجوّل في أسواق الإقليم ومعظم المدن العراقية بحثاً عن سلعة ما، تجد المئات منها مصنوعة في الصين التي تحتكر الأسواق، لا سيما في ما يتعلّق بالمواد الكهربائية والفنية والالكترونية والملابس والمستلزمات الشخصية ومواد البناء. تحتكر الصين والجارة الأولى للعراق تركيا، فضلاً عن  إيران ما يقارب 85% من السوق الكردستانية، ويستحوذ التنين الصيني وحده على أكثر من 35% منها. إذ نجد المئات من المتاجر التي تعرض سلعاً صينية بأسعار تقلّ أضعافاً عن مثيلاتها المصنعة في دول أخرى.

بحسب المنتدى الاقتصادي الإماراتي الذي عُقد عام 2014، تقدّر حجم الواردات إلى إقليم كردستان بـ14 مليار دولار، إذ بلغت حصة الصين التي تتوغّل يوماً بعد يوم في أسواق كردستان، عبر إغراقها ببضائع رديئة ورخيصة في الوقت ذاته، أربعة مليارات دولار.

روايات رجال الأعمال لا تنتهي

التاجر أمين بابكر يقول لرصيف22 إنّ المنتجات الصينية رديئة جداً ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، وإن معظم ما يتمّ استيراده مقلد وغالباً ما يصبح غير صالح للاستعمال بعد عام من شرائه، خصوصاً المنتجات الكهربائية والالكترونيات. ويضيف "عندما تبحث عن اسم المنشأ لا تجد على أغلب البضائع سوى ثلاث كلمات: "صنع في الصين". لا يُنكر بابكر وجود البضائع الجيدة في الأسواق الكردستانية، لكنّ "معظم التجار يفضّلون جلب بضائع رديئة النوعية لجني المزيد من الأرباح". ويقول "الهدف من جلب المواد الصينية هو جني الأرباح. ونحن التجار نقوم بذلك".

أما رجل الأعمال سوران علي، فيقول إنّ المواد الموجودة في الأسواق جميلة من حيث الشكل، ولكنّ معظمها غير فعّال. "نشتري بالجملة هذه المواد التي تتضمّن مستحضرات التجميل والملابس العادية والداخلية التي صُنعت في الصين. بصراحة، لا نحقق الأرباح إلا من هذه المنتجات". وهو مع ذلك يشجع الاعتماد على الإنتاج المحلي واليد العاملة المحلية.

من جهته، يقول رجل الأعمال هيوا مؤمن، الذي  يعمل في التجارة منذ 13 عاماً "توجد في أسواق إقليم كردستان أنواع كثيرة من المواد الأصلية والمزورة. تتمّ تفرقتها بفضل الرائحة والاستخدام". ويضيف أنّ الماركات الأوروبية هي الأفضل، ولكن هنالك بضائع سعودية لا بأس بها، إلا أنّ البضائع المصرية والإماراتية والصينية سيئة جداً".

ضبط أطنان من المواد الرديئة والفاسدة

تضبط حكومة إقليم كردستان سنوياً آلاف الأطنان من المواد والسلع والمنتجات الفاسدة والرديئة، إلا أنّ أزمة المواطن لا تنتهي. فالسلع الكهربائية وغيرها لا تفسد إلا بعد الاستعمال. يقول مدير عام تسجيل الشركات في وزارة التجارة والصناعة، دلزار اسماعيل إن "15323 شركة أجنبية ومحلية تعمل في إقليم كردستان، أكثر من 2000 منها من جنسيات مختلفة (تركية، إيرانية، أمريكية، أردنية، لبنانية، صينية)". ويلفت إلى أنه "بسبب عدم التزام بعضها تعليمات الوزارة، قمنا في الأعوام الثلاثة الماضية، بإدراج 40 شركة على القائمة السوداء".

يقول العضو السابق في برلمان إقليم كردستان عماد محمد حسين الذي كان يشغل رئيس لجنة حماية المستهلك، إنّ قانون حماية المستهلك يتضمّن فراغات متعددة، ولمعالجتها قدّمنا مشروع قانون معدلاً لحماية المستهلك مثل السيطرة النوعية والرقابة التجارية. ويتابع "نعترف بأنّ هذه مشكلة كبيرة والسوق تُغرق بالمواد الرديئة، ولدينا مخاوف اقتصادية، لا سيما أنّ كل هذه الأموال التي تُصرف من أجل إدخال مواد سيئة تعتبر هدراً حتى إذا كانت عبر القطاع الخاص. ويبقى الحلّ في توجيه هذا القطاع وحل المشاكل القانونية من خلال التشريع".

اتّهام بالتقصير

ويرى عضو لجنة التجارة والصناعة في برلمان الإقليم عبدالله نوري "أن غرفة تجارة الإقليم مهتمّة بعمل التجار لا بالمواد التي يجلبونها، كما لا تدرك مدى أهمية الاهتمام بالنوعية والمنشأ، أي أنّ أغلب التجّار يعملون بشكل عشوائي دون تخصص، فضلاً عن أنّ واجب وزارة التجارة متابعتهم أيضاً. ولكن للأسف الوزارة عنوان فقط".

أما الباحث والناشط في مجال الصحة محمد مصطفى، فيخلص إلى أنّ مشكلة وجود المواد الرديئة وغير الفعالة تكمن في عجز الحكومة عن السيطرة على المعابر، وعدم قدرتها على فحص هذه المواد، كي لا تضرّ بمصالح التجار الكبار. ويضيف "الكثير من المواد تدخل الإقليم على أنها ماركات عالمية، إلا أنّها أصلاً مزوّرة. وهنا تبدأ المشكلة، لأنّ هذه المنتجات تدخل الأسواق وتباع كأنّها مواد ذات جودة فاخرة وعالية من دون أن ننسى أنّ الهيئة المعنية لا تقوم بفحص النوعية والجودة بل الصلاحية لا غير".  ويشدّد مصطفى على أنّ "الانتاج المحلي معدوم والغلاء مستشرٍ ولا أحد يثق بتحديد سعر المنتجات ولا أحد يعرف نوعيتها".

وكانت حكومة إقليم كردستان العراق قد وقّعت قبل أربع سنوات عقداً مع شركتين عالميتين للتدقيق بالسلع والمنتجات، وهما "أس جاي أس"  السويسرية و"بيوديرتاسي" الفرنسية. وبحسب رئيس اتحاد المستوردين والمصدرين في إقليم كردستان، الشيخ مصطفى عبدالرحمن، تصل قيمة العقدَين سنوياً إلى مليار دولار. تقوم الشركتان بفحص المواد الغذائية والأدوية التي تدخل الإقليم ولا تدققان في الأجهزة الكهربائية ومواد البناء والملابس. وقد أسهمت هذه العقود في خفض نسبة الأدوية وبعض المواد المزوّرة بحسب وزارة الصحة في إقليم كردستان، وإن يكن الإقليم لا يزال في حاجة إلى هيئات لضبط السلع الأخرى من أجل حماية حقوق المستهلك!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard