بعد الهدنة الأمريكية الإيرانية…. من هم الرابحون والخاسرون في الأسواق العالمية؟

بعد الهدنة الأمريكية الإيرانية…. من هم الرابحون والخاسرون في الأسواق العالمية؟

اقتصاد نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 10 أبريل 202610 دقائق للقراءة

لم يكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يُعلِن عن هدنة مؤقّتة مع إيران مساء الثلاثاء السابع من نيسان/ أبريل 2026، بوساطة باكستانية جاءت قبل ساعات من انتهاء مهلته التي توعّد فور انتهائها بـ"إنهاء الحضارة الإيرانية"، حتى اجتاحت موجة ارتياح واسعة الأسواق المالية العالمية. تراجع خام برنت بنسبة 16% إلى ما دون 95 دولاراً للبرميل، وقفزت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 2.5%، وارتفع مؤشر نيكي الياباني بنسبة 5.4%، وكوسبي الكوري بنسبة 6.9%، فيما صعد مؤشر داكس الألماني 5.1%، وكاك 40 الفرنسي 4.5%.

لكن هذا الارتياح، برغم اتساعه وسرعته، يُخفي خلفه واقعاً أكثر تعقيداً؛ فستة أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران خلّفت أضراراً هيكليةً لا يمحوها إعلان وقف إطلاق نار مشروط ومحدود بأسبوعين، وما أفرزته الأسواق من فائزين وخاسرين خلال هذه الفترة لن يتبدل بين ليلة وضحاها.

في هذا التقرير، قراءة في تداعيات الهدنة على الاقتصاد العالمي؛ بدءاً بتشريح الندوب العميقة التي خلّفتها ستة أسابيع من الحرب على إيران في أسواق الطاقة، مروراً برصد المكاسب الانتقائية السريعة التي حققتها أسواق الأسهم والقطاعات المستفيدة، وصولاً إلى تسليط الضوء على الخسائر الهيكلية المستعصية في الأمن الغذائي وسلاسل التوريد، وانتهاءً بتقييم الآفاق المستقبلية لأسواق مُعلّقة بين مطرقة التصعيد وسندان التسوية.

ندوب عميقة

تنصّ الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، على تعليق العمليات العسكرية الأمريكية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، بالتنسيق مع القوات المسلّحة الإيرانية، لعقد مفاوضات مباشرة بين الجانبين تبدأ في إسلام آباد اليوم الجمعة 10 نيسان/ أبريل 2026.

تراجع أسعار النفط في أعقاب الهدنة الأمريكية الإيرانية، برغم ما يحمله من خسارة إيرادية محتملة، يظلّ أقل كلفةً من سيناريو الارتفاع المصحوب باضطراب جيوسياسي يُهدّد الإنتاج والبنية التحتية

لكن الفجوة بين مطالب الطرفين لا تزال واسعةً؛ فطهران تطرح خطةً من عشر نقاط تشمل رفع العقوبات والاعتراف ببرنامجها النووي، فيما يُصرّ الطرف الأمريكي على عدم امتلاك إيران السلاح النووي؛ وهو الهدف الذي قامت الحرب من أجله بعد فشل دبلوماسية البوارج.

وهذا يعني أنّ الأسواق تُسعّر اليوم خطوةً أولى نحو التهدئة، لا نهايةً للصراع.

لا يمكن فهم ما حدث في الأسواق صبيحة إعلان الهدنة، من دون استعراض حجم الضرر الذي ألحقته ستة أسابيع من الحرب بالاقتصاد العالمي.

فمنذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير 2026، أعلنت طهران عن إغلاق مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وأدّى ذلك إلى انهيار صادرات النفط عبر المضيق بنحو 13 مليون برميل يومياً خلال شهر آذار/ مارس الماضي، أي ما يُعادل نحو 13% من الاستهلاك العالمي، فيما اضطرّ المنتجون الإقليميون إلى إيقاف ما يُقدّر بـ7.5 ملايين برميل يومياً من الإنتاج، بينها 2.8 ملايين برميل في العراق، و1.9 ملايين في السعودية حسب وكالة رويترز.

وبرغم أنّ هذه الخسائر تعكس هشاشة الاعتماد على قطاع الطاقة، إلا أنها تكشف في الوقت ذاته عن مفارقة إستراتيجية أعمق، فبالنسبة لدول الخليج، لا يُقاس العائد النفطي فقط بمستوى الأسعار، بل بدرجة استقرار الإمدادات واستمرارية التدفقات.

وعليه، فإنّ تراجع أسعار النفط في أعقاب الهدنة، برغم ما يحمله من خسارة إيرادية محتملة، يظلّ أقل كلفةً من سيناريو الارتفاع المصحوب باضطراب جيوسياسي يُهدّد الإنتاج والبنية التحتية.

أيضاً، تجاوزت التداعيات أسواق النفط لتطال قطاعات حيويةً أخرى، إذ قفزت عقود خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 69% خلال فترة الصراع، بينما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة 61%.

في هذا السياق، لم تقتصر المكاسب على ارتفاع الأسعار فحسب، بل امتدت إلى أسواق الأسهم المرتبطة بقطاع الطاقة، فقد ارتفعت أسهم شركات النفط الأمريكية بأكثر من 12%، مع صعود لافت لأسهم Marathon Petroleum بنسبة 27%، وValero Energy بنسبة 24%، مستفيدةً من اضطراب الإمدادات العالمية وارتفاع هوامش التكرير.

وعلى صعيد أسواق الأسهم، سجّل مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي أقصى تراجعله بلغ 19%، فيما انهارت عملات الأسواق الناشئة الآسيوية إلى مستويات تاريخية أمام الدولار، حيث هبطت الروبية الهندية والروبية الإندونيسية والبيزو الفلبيني إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وتراجع الوون الكوري الجنوبي إلى أدنى مستوى في 17 عاماً. كما أنّ قطاع الشحن البحري تضرّر بشدّة، إذ قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بأكثر من 1،000%، فارتفعت تكلفة تأمين ناقلة نفط واحدة من نحو 625 ألف دولار إلى 7.5 ملايين دولار.

وأشارت وكالة بلومبرغ إلى أنّ الحرب أدّت إلى تصفية متسارعة للمراكز الاستثمارية الشائعة التي كانت تُراهن على سياسات ترامب الجمركية، مع تبخّر نحو 14 تريليون دولار من القيمة السوقية الإجمالية للأسهم عالمياً؛ وهو ما يعكس كيف أدّى تقلّب الخطاب السياسي حول الحرب إلى تقويض الثقة، ليس في إدارة الصراع فحسب، بل في الاستقرار الاقتصادي العام لنهج الإدارة الأمريكية.

مكاسب انتقائية

أفرزت موجة الارتياح التي أعقبت الهدنة رابحين واضحين، لكن مكاسبهم تظلّ مشروطةً بمآلات التفاوض بين واشنطن وطهران ومدى فاعلية وساطة إسلام آباد.

فقد كانت أسهم السفر والسياحة في مقدمة المستفيدين في أوروبا، بصعود بلغ 7.1%، تلاها قطاع التعدين بارتفاع بلغ نحو 6.6%، ثمّ قطاع السيارات بنسبة 5.6%. وحدها مخاوف ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام التي كانت تخنق هذه القطاعات، تراجعت. وقفزت أسهم شركات بعينها مثل "لوفتهانزا" و"إيزي جت" و"أنتوفاغاستا" بأكثر من 10% في تداولات صباح الأربعاء 8 نيسان/ أبريل الجاري.

غير أنّ هذه المكاسب لم تكن أوروبيةً فحسب، بل جاءت ضمن موجة صعود عالمية، حيث ارتفعت المؤشرات الأمريكية والآسيوية بقوة، في ما يُعرف بالارتداد الارتياحي (Relief Rally)، مدفوعةً بتراجع أسعار النفط بعد الهدنة. كما امتدت المكاسب إلى قطاعات أخرى مثل البنوك والتكنولوجيا والصناعة، والتي استفادت من تحسّن شهية المخاطرة وتوقعات النمو.

ثمّة قطاعات ألحقت بها الحرب أضراراً يصعب تعويضها بمجرد حتى إعلان هدنة مؤقتة، في مقدمتها قطاع الأمن الغذائي العالمي، حيث أدّى إغلاق مضيق هرمز إلى قطع نحو ثُلث الأسمدة المنقولة بحراً في العالم، وفقاً للأمم المتحدة

فعلى المستوى الإقليمي، برزت أسواق الخليج كأحد أبرز المستفيدين المباشرين من الهدنة، حيث سجّل مؤشر سوق دبي الرئيسي قفزةً بلغت 6.9% في أكبر مكاسب يومية له منذ أكثر من 11 عاماً، بينما ارتفع مؤشر أبو ظبي الرئيسي بنحو 2.9% في أكبر صعود له منذ ست سنوات.

جاءت هذه المكاسب مدفوعةً بارتفاع أسهم الشركات القيادية مثل إعمار العقارية وبنوك كبرى كإمارات NBD، وبنك أبو ظبي الأوّل، إلى جانب صعود قطاعَي العقارات والخدمات المالية.

كما شهدت السوق القطرية ارتفاعاً جماعياً بقيادة قطاع الطاقة والبتروكيماويات، في حين سجّلت السوق السعودية مكاسب أكثر توازناً، مدعومةً بارتفاع البنوك، بينما ضغط تراجع أسعار النفط على سهم أرامكو وقطاع الطاقة.

وارتفع مؤشر بورصة الكويت بنحو 1,8% مدفوعاً بتحسّن شهية المخاطرة في أسهم البنوك والقياديات، في حين سجّلت بورصة البحرين صعوداً بنحو 1,2% مدعومةً بتحركات انتقائية في قطاعي المال والخدمات.

تعكس هذه الارتفاعات، وإن كانت محدودةً مقارنةً بدبي وأبوظبي، أنّ موجة الارتداد الارتياحي شملت النظام المالي الخليجي عموماً، مع تفاوت في درجة الاستجابة تبعاً لعمق السوق وتركيبته القطاعية.

كذلك، شهدت العملات المرتبطة بالمخاطرة تحسّناً مع تراجع الطلب على الدولار كملاذ آمن، بينما تحركت أسواق السندات بشكل معقّد، حيث تحسنت الأسعار مؤقتاً، لكنّ التوقعات باستمرار التضخم أبقت الضغوط قائمةً على السياسات النقدية، ما يحدّ من أيّ انتعاش كامل في أسواق الدين.

أما الذهب، فقد ارتفع بنسبة 2.5% إلى مستوى 4،820 دولاراً للأونصة، ما يشير إلى أنّ المستثمرين لم يتخلّوا بالكامل عن أدوات التحوّط، وأنّ ثقتهم في ديمومة الهدنة لا تزال محدودةً.

خسائر مستعصية

في المقابل، ثمّة قطاعات ألحقت بها الحرب أضراراً يصعب تعويضها بمجرد حتى إعلان هدنة مؤقتة. يأتي في مقدمتها قطاع الأمن الغذائي العالمي، حيث أدّى إغلاق مضيق هرمز إلى قطع نحو ثُلث الأسمدة المنقولة بحراً في العالم، وفقاً للأمم المتحدة، فقفزت أسعار الأسمدة في الولايات المتحدة بنسبة 30%، وارتفع سعر طنّ اليوريا من 350 دولاراً إلى أكثر من 600 دولار لأوّل مرة منذ عام 2022.

والأمر الأخطر، أنّ هذا الاضطراب جاء في ذروة موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، ما يعني أنّ "الموسم الضائع" بحسب تعبير كبيرة محللي الأسواق في ستون إكس، كاثرين روني فيرا، سيُترجم إلى ارتفاع في أسعار الغذاء بنحو نقطتين إلى أربع نقاط مئوية في مؤشر أسعار المستهلكين، وهو تأثير سيستغرق ظهوره بالكامل ما بين تسعة وثمانية عشر شهراً.

وبالقدر ذاته، يُعاني قطاع الطيران من أزمة وقود الطائرات التي حذّر الاتحاد الدولي للنقل الجوي من أنّ تطبيعها قد يستغرق أشهراً حتى مع إعادة فتح المضيق، فيما قدّرت وكالة يورو نيوز خسائر قطاع السياحة في الشرق الأوسط بنحو 515 مليون يورو يومياً خلال فترة الصراع.

أما اقتصادات دول الخليج العربي، فقد خفّضت مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس توقّعاتها لنمو ناتجها المحلي الإجمالي المجمّع لعام 2026 بمقدار 4.6 نقاط مئوية إلى سالب 0,2%، كما تقدّر أنّ الناتج المحلي العراقي قد ينكمش بنسبة 3.5% نتيجة تراجع الإنتاج النفطي.

وتضرر أيضاً مجمّع رأس لفان في قطر، أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث خرج 17% من طاقته التصديرية عن الخدمة، وتُقدّر فترة إصلاحه بثلاث إلى خمس سنوات.

آفاق مُعلّقة

في المحصّلة، يستوجب التأكيد أنّ ما تشهده الأسواق من صعود لا يعني نهاية الأزمة، بل هو تسعير لخطوة أولى قد لا تتبعها بالضرورة خطوات مماثلة. فلا يزال أكثر من 800 سفينة ونحو 20 ألف بحّار عالقين داخل الخليج العربي، بحسب فوربس، ولا تزال شركات الشحن مُحجمةً عن إرسال ناقلاتها عبر المضيق، خشية عودة الأعمال العدائية.

الندوب الهيكلية التي خلّفتها ستة أسابيع من الحرب ستظلّ ماثلةً في الأسعار والإمدادات والاقتصاد العالمي عموماً لفترة طويلة مقبلة، ما يستوجب من الحكومات والمؤسسات الاقتصادية التعامل مع الهدنة بحذر بالغ، وعدم الرهان على ارتياح قد يتبخّر في أيّ لحظة

كما أنّ إعادة تشغيل حقول النفط بالحجم الذي يعمل به المنتجون في الشرق الأوسط عملية معقدة تستغرق أسابيع في أحسن الأحوال، ناهيك عن أنّ البنية التحتية للتصدير تضررت بفعل الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، وستحتاج إلى أشهر وربما سنوات لإصلاحها.

يرى رئيس أبحاث الطاقة في مؤسسة إم إس تي ماركي، سول كافونيتش، أنّ سوق النفط قد يظلّ أكثر ضيقاً بمقدار 3 إلى 5 ملايين برميل يومياً خلال السنوات المقبلة، مقارنةً بتوقعات ما قبل الحرب.

وعليه، فإنّ ما يحدث الآن هو استراحة تكتيكية وليس سلاماً شاملاً، والأسواق التي فهمت نمط ترامب في اتخاذ مواقف حادّة ثم التراجع عنها، أو ما باتت تُعرف بظاهرة "TACO"، تُدرك أنّ الأسبوعَين المقبلَين سيكونان حاسمين؛ فإما أن تتحوّل هذه الهدنة إلى مسار تفاوضي حقيقي يُعيد الاستقرار تدريجياً إلى أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والأمن الغذائي العالمي، أو تتبدّد كما تبدّدت هدن سابقة، ليجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام صدمة أشدّ وأعمق.

في كلتا الحالتين، فإنّ الندوب الهيكلية التي خلّفتها ستة أسابيع من الحرب ستظلّ ماثلةً في الأسعار والإمدادات والاقتصاد العالمي عموماً لفترة طويلة مقبلة، ما يستوجب من الحكومات والمؤسسات الاقتصادية التعامل مع الهدنة بحذر بالغ، وعدم الرهان على ارتياح قد يتبخّر في أيّ لحظة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile