ليس الخليج وحده من يدفع الثمن… زلزال في أسواق النفط

ليس الخليج وحده من يدفع الثمن… زلزال في أسواق النفط

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 12 مارس 20267 دقائق للقراءة

الاقتصاد العالمي سلاح إيران الأقوى في الحرب، لا الصواريخ. هذه الإستراتيجية تقوم على توزيع حمل الضغط على صانع القرار بين لوبيات وأصحاب مصالح مختلفين، ليقوموا هم بدلاً من طهران بالاصطفاف لوقف الحرب نتيجة خسائرهم.

تؤثّر الحرب الدائرة في الشرق الأوسط على أسعار النفط بشكل كبير. ففي غضون أيام، اخترق خام برنت حاجز المئة وعشرين دولاراً للبرميل، ثم انهار، ليعود إلى الارتفاع من جديد. ما يحصل هو انعكاس مباشر للحرب التي تُشنّ بالزوارق المفخّخة والطائرات المسيّرة على أكثر الشرايين النفطية حيويةً في العالم.

بالأرقام

ارتفعت أسعار النفط مطلع هذا الأسبوع إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل، قبل أن تستقرّ عند نحو 90 دولاراً في أعقاب الإعلان عن الضخ من الاحتياطيات الإستراتيجية الدولية. لكن أمس الأربعاء عاد السعر للقفز بنحو 5% وسط مخاوف متجددة من اضطراب الإمدادات، في الوقت الذي انخفضت فيه مؤشرات الأسهم الرئيسية في وول ستريت، بينما توعدت إيران بأنّ سعر البرميل سيصل إلى 200 دولار قريباً.

الأسباب؟

هجمات متتالية على البنية التحتية النفطية في ثلاث دول خليجية في يوم واحد، وإعلانات متلاحقة عن توقّف الإنتاج في حقول كانت تضخّ ملايين البراميل يومياً منذ عقود، بالإضافة إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

خريطة الهجمات... من البحرين إلى عُمان

في البحرين، استهدف هجوم إيراني خزّانات وقود في منشأة في المحرق.

في المياه العراقية، كشف تحقيق أوّلي للسلطات الأمنية العراقية أنّ زوارق إيرانيةً محمّلةً بالمتفجرات اصطدمت بناقلتين. وبحسب وكالة أنباء رسمية نقلاً عن مسؤول عراقي، توقفت الموانئ النفطية تماماً في أعقاب الاستهداف، فيما استمرّ العمل في الموانئ التجارية.

في عُمان، أصابت طائرات مسيّرة خزانات وقود في ميناء صلالة، الميناء الذي كانت تعتمده السفن كبديل للعبور عبر مضيق هرمز، ما يعني أنّ المنافذ البديلة باتت هي الأخرى تحت النار.

توقف الإنتاج... كيف تتأثر الأسواق؟

الأخطر من الهجمات على الناقلات، ما يجري على الأرض داخل دول الخليج نفسها، حيث بدأت الحقول والمصافي بالتوقّف واحدةً تلو الأخرى، لا بسبب الهجمات فحسب، بل لأنّ النفط المستخرَج لم يعُد له طريق للخروج نتيجة ما يحصل في مضيق هرمز:

العراق أوقف الإنتاج كلياً في حقل الرميلة، أكبر حقوله وثاني أكبر حقل في العالم، اعتباراً من الثالث من آذار/ مارس 2026، بسبب امتلاء خزانات التخزين مع تعطل منافذ التصدير عبر موانئ البصرة.

في محاولة للتخفيف من حدّة الأزمة، أوصت وكالة الطاقة الدولية بسحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية العالمية، في أكبر تدخّل من هذا النوع في تاريخ الوكالة منذ تأسيسها في السبعينيات، وهو القرار السادس من نوعه على الإطلاق

الكويت أعلنت خفض إنتاج النفط والتكرير مع إعلان حالة قوة قاهرة، بعد أن باتت ناقلاتها عاجزةً عن العبور جرّاء التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز.

الإمارات تُدير، بحسب شركة "أدنوك"، "مستويات الإنتاج البحري لمعالجة متطلبات التخزين"، وهي صياغة تقنية تعني في جوهرها أنّ الخفض جارٍ فعلياً.

قطر علّقت إنتاج الغاز الطبيعي المسال كلياً، بعد أن استهدفت صواريخ ومسيّرات إيرانية بنيتها التحتية. وتمثّل قطر نحو 20% من إمدادات الغاز العالمية، مما يعني أنّ تداعيات هذا التوقف ستتجاوز أسواق النفط لتطال فواتير الطاقة في أوروبا وآسيا.

أما في السعودية، فاضطرت مصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر مجمّعات التكرير في العالم، إلى إيقاف عملياتها بعد أن تسبّب حطام مسيّرة إيرانية في اندلاع حريق فيها.

كُل هذا يُشير إلى أنّ الصورة الإجمالية قاتمة. فتخفيض الإنتاج في الشرق الأوسط تُقلّص بنحو 6% من الإنتاج النفطي العالمي، مع امتلاء مرافق التخزين في أرجاء المنطقة، في وقت حذّر فيه JPMorgan من أنّ دول الخليج ستستنفد طاقتها التخزينية وتوقف الإنتاج نهائياً إذا استمرت الحرب أكثر من ثلاثة أسابيع.

هل تكفي الاحتياطيات الإستراتيجية؟

في محاولة للتخفيف من حدّة الأزمة، أوصت وكالة الطاقة الدولية بسحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية العالمية، في أكبر تدخّل من هذا النوع في تاريخ الوكالة منذ تأسيسها في السبعينيات، وهو القرار السادس من نوعه على الإطلاق. ويهدف التحرك إلى منع المزيد من ارتفاع الأسعار خشية أن تستمرّ الهجمات في عرقلة وصول نفط الشرق الأوسط إلى الأسواق.

على الجانب الأمريكي، أعلنت وزارة الطاقة أنّ الولايات المتحدة ستُفرج بشكل تدريجي عن 172 مليون برميل من احتياطها الإستراتيجي ابتداءً من الأسبوع المقبل. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنّ بلاده ستستعين بـ"قليل" من احتياطياتها، فيما أعلنت كندا مشاركتها في جهد متعدد الأطراف لتحقيق أمن الطاقة العالمي.

في الواقع، هذه الإجراءات غير المسبوقة لا تُطمئن الأسواق كثيراً. إذ توضح أمريتا سن، وهي مؤسسة ومديرة أبحاث الطاقة في شركة Energy Aspects العالمية، أنّ أربعمئة مليون برميل لن تعوّض سوى ستةٍ وعشرين يوماً من الإمدادات المحجوبة، مما يُبقي "خيارات ترويض الأسعار شحيحةً".

كلما امتلأت خزانات التخزين في الخليج وضاقت منافذ التصدير، توقّف الإنتاج. وكلما توقّف الإنتاج، ارتفعت الأسعار. وكلما ارتفعت الأسعار، تضرّرت الاقتصادات المستوردة للنفط -ومن بينها معظم الدول العربية غير النفطية- أكثر مما تضرّر أيّ طرف في هذا الصراع

التحليلات تُشير إلى أنّ هذه القرارات ستُكسب الولايات المتحدة أياماً إضافيةً في حربها على إيران، لكنها لن توقف انهيار أسعار النفط على المدى المتوسط.

تحذيرات من الجولة القادمة

حذرت السفارة الأمريكية في بغداد من تخطيط إيران لاستهداف منشآت أمريكية للطاقة في العراق، في مؤشر على أنّ الأسوأ ربما لم يقع بعد. وإذا تحقّق ذلك، فإنّ مشهد توقّف الإنتاج الذي يبدو اليوم استثنائياً قد يتحوّل إلى حالة دائمة.

في نظرة سريعة إلى ما يحصل، تنفّذ إيران سياسة القضم خطوةً خطوة. فهي تستخدم إمكاناتها العسكرية ونفوذها في الخليج ومضيق هرمز لكي تؤثر على مسارات النفط والغاز، وتحوّل الحرب عليها إلى أزمة تطال كُل دول الجوار وتؤثر على الاقتصاد العالمي، وقد نجحت إلى الآن في ذلك. إلا أنّ الأهم من كُلّ هذا، أنّ إيران نفسها لم تستخدم إلى الآن كُلّ أسلحتها وأذرعها، وأهمها الحوثيون في اليمن والحشد الشعبي في العراق.

فإلى أين تتجه الأسعار؟

توقّعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يظلّ برنت فوق 95 دولاراً خلال الشهرين المقبلين، قبل أن يتراجع إلى 80 دولاراً في الصيف، وهو سيناريو يفترض هدوءاً نسبياً يبدو بعيداً في ضوء المعطيات الراهنة.

أما المتشائمون فيذهبون أبعد من ذلك بكثير، إذ يُقدّر نائب رئيس أسواق النفط في Rystad Energy، يانيف شاه، أنّ استمرار الوضع هكذا لأربعة أشهر قد يدفع برنت إلى نحو 135 دولاراً للبرميل. وحتى في سيناريو التهدئة، يستبعد معظم المحللين عودة الأسعار إلى نطاق الستين والسبعين دولاراً الذي كان سائداً قبيل الحرب.

ما تكشفه هذه الأزمة هو أنّ أسواق الطاقة العالمية باتت رهينةً لمعادلة بسيطة: كلما امتلأت خزانات التخزين في الخليج وضاقت منافذ التصدير، توقّف الإنتاج. وكلما توقّف الإنتاج، ارتفعت الأسعار. وكلما ارتفعت الأسعار، تضرّرت الاقتصادات المستوردة للنفط -ومن بينها معظم الدول العربية غير النفطية- أكثر مما تضرّر أيّ طرف في هذا الصراع.

يقول بيكرينغ من Pickering Energy Partners: "الكلمات لن تُعيد أسعار النفط إلى طبيعتها؛ مضيق هرمز هو مفتاح العودة إلى الوضع الطبيعي".

الواضح إلى الآن، أن لا أحد من كل الدول المنخرطة في الصراع يملك منفرداً مفتاح الحل. الصراع مع تقدّم الوقت يُصبح أكثر تعقيداً، والخروج منه بأقلّ الأضرار صار صعباً، خاصةً مع الحسابات السياسية في الولايات المتحدة، وما تدفع إليه إسرائيل، وما تخطط له إيران للمرحلة المقبلة.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

وراء كل تحقيق، قصة بحث طويلة، وفريق يراهن على الدقة، لا السرعة.

نحن لا نبيع محتوى... نحن نحكي الواقع بمسؤولية.

ولأنّ الجودة والاستقلال مكلفان، فإنّ الشراكة تعني البقاء.

Website by WhiteBeard
Popup Image