لم يقتصر الغضب في تل أبيب من ترامب بعد توقيع الهدنة الباكستانية مع طهران على الأروقة المغلقة، بل تفجر سخريةً علنية كشفت حجم الشرخ الاستراتيجي؛ ففي لحظة انفعالية، غرّد رئيس لجنة الأمن القومي الإسرائيلي تسفيكا فوغل واصفاً الرئيس الأمريكي بـ "البطة"، في إشارة تهكمية توحي بالضعف والسذاجة أمام الدهاء الإيراني، ورغم مسارعته لحذف التغريدة، إلا أنها كانت قد أصبحت "مانشيت" يعبر عن أحاديث الصالونات السياسية التي ترى في ترامب "زعيماً خذل حليفه في منتصف الطريق".
هذا الاحتقان وجد صدىً أكثر حدة في القناة 14 الإسرائيلية -الذراع الإعلامي الأكثر قرباً من نتنياهو - التي شنت هجوماً غير مسبوق على الإدارة الأمريكية. واعتبر محللو القناة أن ترامب "باغت إسرائيل بطعنة ديبلوماسية" عبر هدنة إسلام آباد، مجهضاً ما وصفوه بـ "فرصة الجيل" لتوجيه ضربة كانت كفيلة بـ "القضاء على حضارة كاملة" (في إشارة للمشروع الإيراني)، واستبدالها باتفاق هش يمنح طهران طوق نجاة في اللحظة التي كانت فيها إسرائيل تتهيأ للحسم الشامل وفتح زجاجات الشمبانيا احتفالاً بنهاية النظام الإيراني.
هذا التحول الإعلامي يعكس قناعة متزايدة في الأوساط اليمينية بأن المصالح الشخصية والانتخابية لترامب باتت تتقدم على الالتزامات الوجودية تجاه أمن إسرائيل، ومع توقيع الهدنة الأمريكية الإيرانية بالوساطة الباكستانية، بدأت الأخبار تتسرب عن تصدع في العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية نتيجة غضب إسرائيلي من توقيع الاتفاق من قبل واشنطن دون "تنسيق كاف مع إسرائيل"، بعد أن كانت تل أبيب قد حصلت على تأكيدات بأن "الضربة الكبرى" الأمريكية قادمة، ولن يتم توقيع أي اتفاق.
خلافات داخلية يواجهها ترامب ونتنياهو
مع توقيع الهدنة الأمريكية - الإيرانية بوساطة باكستانية، بدأت الأخبار تتسرب عن تصدع في العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية نتيجة غضب إسرائيلي من واشنطن بعد توقيع الاتفاق من دون "تنسيق كاف مع إسرائيل"، بعدما كانت تل أبيب قد حصلت على تأكيدات بأن "الضربة الكبرى" الأمريكية قادمة، ولن يتم توقيع أي اتفاق.
غرّد رئيس لجنة الأمن القومي الإسرائيلي واصفاً ترامب بـ "البطة" بعد توقيع الهدنة مع طهران، في إشارة تهكمية توحي بالضعف والسذاجة، ورغم مسارعته لحذف التغريدة، إلا أنها كانت قد أصبحت "مانشيت" يعبر عن الغضب الإسرائيلي تجاه ترامب
يواجه كل من ترامب ونتنياهو اليوم حالة من المعارضة الداخلية الشديدة، ومطالبات المحاسبة داخل المستويات السياسية كل في بلده، مع موجات غضب شعبي متصاعدة، فما المانع أن يلوم أحدهما منهما الآخر على جره لهذا المأزق، فقرار الحرب باليد لكن كيفية انتهائها ليس بيد أحد.
تسريبات أخرى تحدثت عن تراجع حالة شبه الإجماع الحزبي الداعم لإسرائيل داخل الأوساط السياسية في الولايات المتحدة إلى الخلاف السياسي العميق. اللافت أن هذا التآكل في أطراف العلاقة التي غالباً ما وصفت بأنها "طفرة في العلاقات الدولية" لم يعد مقتصراً على الأروقة السياسية، بل تغلغل بعمق في الوجدان الشعبي الأمريكي، حيث باتت إسرائيل عبئاً سياسياً واستراتيجياً في نظر قطاعات واسعة من الناخبين.
وقد جاءت الحرب مع إيران في عام 2026، وما تلاها من مفاجأة "هدنة إسلام آباد"، لتكون بمثابة مُسرّع لكشف التصدع الذي أصاب هذا التحالف، وتعميق الفجوة بين مصالح واشنطن وتل أبيب.
فهل استهلكت تل أبيب رصيدها لدى واشنطن بسرعة بجر ترامب إلى هذه الحرب؟
زلزال سياسي إسرائيلي نتيجة الهدنة
يرى الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في مقاله في صحيفة "هآرتس" أننا نقف أمام "نهاية التحالف غير المشروط" بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، محذراً من أن إسرائيل قد تستيقظ قريباً على واقع غير مألوف يتمثل في "عزلة خانقة أقرب إلى نموذج كوريا الشمالية"، بدون المظلة الأمريكية الواقية.
ويقول بأن فك الارتباط الأمريكي الناعم عبر صفقات كـ "هدنة إسلام آباد"، وما يصاحبه من تململ أمريكي شعبي ورسمي من سياسات إسرائيل المتهورة، يضع إسرائيل أمام خيار قاسٍ: إما إحداث تغيير جذري في سياساتها تجاه الفلسطينيين والمنطقة، أو مواجهة انهيار استراتيجي لا رجعة فيه لتحالفها الأهم.
فعلياً، تفجر الغضب المكتوم في تل أبيب في الثامن من نيسان/ أبريل 2026، حين أُعلن بشكل مفاجئ في العاصمة الباكستانية إسلام آباد عن وقف فوري لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بعد 40 يوماً من التصعيد العسكري. كما سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاحتفاء بالاتفاق ووصفه بأنه "يوم عظيم للسلام"، بينما اعتبره البيت الأبيض "نصراً عسكرياً".
حذر إسرائيليون أن تل أبيب تقف أمام "نهاية التحالف غير المشروط" مع الولايات المتحدة، وأنهم قد يستيقظون على واقع غير مألوف يتمثل في "عزلة خانقة أقرب إلى نموذج كوريا الشمالية"، بدون المظلة الأمريكية.
أحدثت هذه الهدنة المفاجئة صدمة استراتيجية في تل أبيب؛ فعلى الرغم من إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دعمه لقرار ترامب بوقف الهجمات، إلا أن غضبه المكتوم تجلى في تأكيده الفوري على أن "وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان"، وفي اعتداءات وحشية متتالية على أماكن مدنية من دون سابق إنذار.
هذا التباين يعكس إدراكاً إسرائيلياً مريراً بأن واشنطن، تحت ضغط الأزمات الداخلية وارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد الرفض الشعبي، اختارت مصالحها الخاصة وتراجعت عن هدف تدمير قدرات طهران بالكامل.
واليوم، يتخوف إسرائيليون في المستوى السياسي من أن واشنطن قد تبحث عن "شماعة" لتحميلها مسؤولية الانزلاق إلى هذه الحرب المكلفة، وستجد هذه الشماعة في إسرائيل.
في هذا السياق، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في بداية الحملة العسكرية بأن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة للتدخل، وأن واشنطن اضطرت لتوجيه ضربة استباقية لحماية قواتها من رد إيراني كان يُتوقع أن يستهدف إسرائيل في المقام الأول. هذا السرد يغذي النقمة الأمريكية ويجعل إسرائيل تبدو كطرف يورط أمريكا في حروب لا تخدم مصالحها.
انقلاب التعاطف التاريخي الأمريكي تجاه إسرائيل
في "هآرتس" كتب عاموس هارئيل ما يمكن وصفه بأكبر المخاوف الإسرائيلية، المتمثلة بخسارة مكانة تل أبيب لدى واشنطن: "تضررت مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، ومن المتوقع أن تواجه اتهامات بجرّ الرئيس دونالد ترامب إلى حرب غير ضرورية".
وكذلك: "اعتقد ترامب ونتنياهو أن الضغط الخارجي قد يشعل هذه الاحتجاجات ويؤدي إلى إسقاط النظام. لكن هنا ظهرت مشاكل مشتركة بين الإدارة الأمريكية الحالية والحكومة الإسرائيلية، من خلال الاعتماد على تقديرات متفائلة غير واقعية، خطط غير مكتملة، وتجاهل الخبراء أو الضغط عليهم لتبني مواقف القيادة".
لعل واحداً من أبرز التداعيات لهذه المرحلة هو السقوط المظلي لصورة إسرائيل في أوساط الشعب الأمريكي، وهو ما تؤكده أحدث تقارير مراكز الأبحاث المرموقة لعام 2026، ففي تحول غير مسبوق في تاريخ قياسات مؤسسة غالوب، ولأول مرة منذ عام 2001، تفوق التعاطف الأمريكي مع الفلسطينيين على التعاطف مع الإسرائيليين؛ حيث أعرب 41% من الأمريكيين عن تعاطفهم مع الفلسطينيين مقابل 36% فقط للإسرائيليين.
كما أظهرت البيانات أن 57% من الأمريكيين باتوا يؤيدون إقامة دولة فلسطينية مستقلة. هذا التحول قاده بشكل أساسي المستقلون سياسياً (41% للفلسطينيين مقابل 30% للإسرائيليين)، والشباب من الفئة العمرية 18-34 عاماً الذين بلغت نسبة تعاطفهم مع الفلسطينيين 53% مقابل 23% لإسرائيل.
وفي دراسة حديثة جداً، تعكس تصاعد النظرة السلبية وانعدام الثقة، كشف تقرير مركز بيو للأبحاث الصادر في نيسان/ أبريل 2026 أن 60% من البالغين الأمريكيين يحملون الآن نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بزيادة قدرها 7 نقاط عن العام السابق. كما أن 59% من الأمريكيين أعربوا عن انعدام ثقتهم في بنيامين نتنياهو على الساحة الدولية.
استنزاف المبرر الأخلاقي والدور الإقليمي
أظهر استطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية أن إسرائيل حصلت على تقييم فاتر بلغ 50/100، وهو الأدنى منذ بدء استطلاعات المجلس عام 1978. والأخطر هو أن 61% من الأمريكيين يعتقدون الآن أن إسرائيل تلعب "دوراً سلبياً" في الشرق الأوسط.
في أرقام تُرى للمرة الأولى رأى 56% من الناخبين الأمريكيين أن الحرب مع إيران تخدم مصالح إسرائيل أكثر من أمريكا. ما يفسر تنامي التيار الانعزالي "أمريكا أولاً" داخل الحزب الجمهوري، والذي بات يرى في الدعم الاستثنائي لإسرائيل تناقضاً صارخاً مع المصالح الوطنية الأمريكية
يضاف إلى ذلك تفكك الدعم الحزبي التاريخي لتل أبيب، من هجر الديمقراطيين إلى تمرد الجمهوريين، بهذا لم يعد تراجع الدعم لإسرائيل مقتصراً على اليسار أو الحزب الديمقراطي، بل أصبح ظاهرة عابرة للحزبين.
فبحسب هذه الدراسات بلغت النظرة السلبية تجاه إسرائيل بين الديمقراطيين نسبة 80%، وأعرب 76% منهم عن انعدام الثقة في نتنياهو. وشخصيات ديمقراطية وازنة مثل حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم وصفوا إسرائيل بـ "دولة الفصل العنصري (أبارتايد)"، وأعلنوا رفضهم القاطع لتلقي أي تمويل من لوبي الأيباك (AIPAC)، الذي بات يعتبر "علامة تجارية سامة" في السياسة الأمريكية.
أما جمهورياً، ورغم الدعم القيادي في الحزب الجمهوري، إلا أن القواعد الشابة تشهد تمرداً واضحاً؛ حيث أظهرت بيانات مركز بيو أن 57% من الجمهوريين تحت سن 50 عاماً يحملون الآن آراء سلبية تجاه إسرائيل.
أما في استطلاع مشروع سياسة الشرق الأوسط الذي أعلنت نتيجته في آذار/ مارس 2026، فقد رأى 56% من الناخبين أن الحرب مع إيران تخدم مصالح إسرائيل أكثر من أمريكا. هذا الأمر يغذي ويفسر تنامي التيار الانعزالي "أمريكا أولاً" داخل الحزب الجمهوري، والذي بات يرى في الدعم الاستثنائي لإسرائيل تناقضاً صارخاً مع المصالح الوطنية الأمريكية، لدرجة دفعت بعض المعلقين المنتمين لليمين المتطرف مثل "نيك فوينتيس" للهجوم المباشر على النفوذ الإسرائيلي.
مفاجآت ترامب
وفي تقرير نشر في "النيويورك تايمز"، تحدث عن وجود فجوة في الأهداف بين واشنطن وتل أبيب؛ فبينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط من أجل توجيه ضربات عسكرية شاملة وحاسمة تهدف إلى تغيير النظام أو تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، كان الرئيس ترامب يميل نحو استخدام القوة العسكرية كأداة ضغط لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات وتجنب التورط في "حرب أبدية" جديدة.
كما يوضح التقرير أن مواصلة إسرائيل لعملياتها الاستخباراتية والعسكرية (مثل استهداف قيادات إيرانية) قد يتقاطع أو يتعارض أحياناً مع المسار الدبلوماسي الذي بدأه ترامب بقبول الهدنة الباكستانية، مما يوجد حالة من التوتر "تحت السطح" بشأن التنسيق الميداني والسياسي.
ثمّة ما قد تغير في العلاقة منذ بداية 28 شباط/ فبراير الماضي، حين حاول ترامب في بداية الحرب الدائرة في الشرق الأوسط إرضاء إسرائيل بتوجيه ضربات قاسية لإيران، مبرراً ذلك بحماية الأمن القومي الأمريكي ومواجهة النفوذ الإيراني الساعي لصناعة قنبلة نووية. إلا أن استمرار الحرب لفترة أطول من المتوقع، أدى إلى قفزة في أسعار الطاقة العالمية، مما هدد الحزب الجمهوري بخسائر فادحة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عام 2026.
شكل هذا الضغط الداخلي، إضافة إلى رفض حلفاء واشنطن في أوروبا والخليج الدخول في التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، خوفاً من توسعه إلى حرب إقليمية واسعة، هذا الأمر ربما شجع ترامب على التقاط أول مبادرة إقليمية حقيقية لإبرام "هدنة إسلام آباد" والانسحاب من المواجهة المفتوحة بعدما أدرك أن إرضاء نتنياهو سياسياً وعسكرياً بات يحمل "تكلفة سياسية باهظة" لا يمكن تحملها داخلياً.
لذا يحذر تقرير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي من أن تسارع وتيرة تسييس العلاقة قد يؤدي مستقبلاً إلى قطع المساعدات العسكرية والدعم الدبلوماسي (الفيتو).
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
