بين ثلاجة الغربة وفرن الوطن… ما الذي يغيّرنا فعلاً؟

بين ثلاجة الغربة وفرن الوطن… ما الذي يغيّرنا فعلاً؟

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الجمعة 20 فبراير 20268 دقائق للقراءة

"ستتغرّب وتتغير"، "في الغربة سترى أشكالاً وألواناً وتتعرف إلى ثقافات وحضارات وعادات مختلفة"، مثل هذه الجمل تربينا عليها وهي راسخة في معتقدات العامة إذ تتغير العدسة التي ينظر بها المجتمع إلى المغترِب بعد عودته إلى وطنه: "عدسة الاغتراب" تقيّم كل سلوكياته وأفكاره، أخطائه وعثراته.

خطورة الغربة على الديكتاتورية

شعرت الديكتاتوريات بخطورة الغربة وتخطي حدود الوطن، ولا أدلّ عليها من تلك "الدراسة الأمنية" التي يجب أن تكتبها بنفسك عن نفسك (حقيقة وليس مجازاً) عند التقدم إلى وظيفة أو غيرها، صفحات من الأسئلة التحريرية، فيها أسئلة من قبيل: "هل لديك صديق في المغترب؟ في أي دولة؟ هل تتواصل معه؟ كم مرة في السنة؟".

والإيفاد الخارجي للطلاب يقوم على ربط الموفدين بالبلاد ووجود كفيل يضمن من خلال "رهن أرزاقه" عودة الموفد وخدمة بلده ضعف مدة الإيفاد غالباً، هنا يضمن النظام السياسي عودة المغترب وإلزامه فترة زمنية أطول، فهل هي لتصفية دماغه من عوامل التغيير في الغربة وكبح جماح السفر مجدداً، حين يعيش المقارنات والمفارقات كل يوم في بلاده المتعبة؟

كذلك فحوصات فيروس "نقص المناعة المكتسب" التي كان يُجريها الموفدون بعد العودة، هي تذكير بأنك "مُشتبه فيه" لمجرد عبورك حدود الوطن "الطاهر المقدس"، فهل تخاف السلطة من تغير منظومة القيم التي بنتها داخل أفرادها؟

ثلاجة الغربة

ما بدا لي بعدها وأنا العالق في هذه البلاد أودع الأصدقاء والصديقات واحداً/ةً تلو الآخر، ثم أعود لاستقبالهم في عطلتهم السنوية بعد سنتين أو ثلاث، وكأنني قد غلفتهم ووضعتهم في "الثلاجة"، وعند اللقاء أعود لأزيل الثلج عنهم، هؤلاء لم يتغيروا، سوى أنّ بشرة الشباب باتت أكثر نضارة، فهم لا يعملون تحت الشمس، كما في سوريا.

تلك تركت زوجها بعد السفر، ليس لأنّها تغيرت وإنما لأنه أصبح مسموحاً لها أن تقول "لا"، فهي تعرف أنها تعيش في أوروبا حيث لا عشيرة تهدر دمها، ولا ذكور يجرؤون على استغلالها، ولا نساء يتهامسن عليها في اللقاءات الاجتماعية بأنها "مطلقة"

أخبرني أحد الأصدقاء المغتربين في أوروبا أنه يريد الزواج من فتاة سورية، لكنه يريدها أن تكون داخل البلاد حصراً، "يوجد الكثير من السوريات العازبات في ألمانيا، يمكنكم الخروج والمواعدة والتعرف إلى بعضكم، أليس أفضل من الزواج عن بعد؟" تساءلت بفضول، فأجابني بأن معظمهنّ يتغيرن في أوروبا: "تلك تترك زوجها، والفتيات يتغير نمط حياتهن ولباسهن، يرتدن البارات، يسكنّ مع أصدقاء ذكور"، وختم صديقي بالقول: "إذا تزوجتها من سوريا وجبتها على ألمانيا بتحسك شغلة كبيرة".

أعتقد أنّ ما تحدث عنه صديقي ليس تغييراً في العمق، فتلك تركت زوجها بعد السفر، ليس لأنّها تغيرت وإنما لأنه أصبح مسموحاً لها أن تقول "لا"، فهي تعرف أنها تعيش في أوروبا حيث لا عشيرة تهدر دمها، ولا ذكور يجرؤون على استغلالها، ولا نساء يتهامسن عليها في اللقاءات الاجتماعية بأنها "مطلقة".

أما صديقتي المغتربة ما زالت كما هي، إنما باتت تخاف عبور الطريق في بلدها الأم، حيث لا وجود لإشارات مرور حقيقية أو تنظيم فعلي للسير، ومرد ذلك في اعتقادي هو شعورها بقيمتها الحقيقية، فقد باتت تخاف على نفسها، لأنها أدركت أن لحياتها قيمة.

بين الخبر والعقلية

في العمق، يعود الحديث ذاته الذي كان على طاولاتنا لسنوات خلت، الآراء ذاتها والردود نفسها يرددها المغترب العائد، لكننا نحن ممن لم يكتب لنا القفز فوق هذه البلاد إلى أخرى، تغيرنا وتغير الرأي والكلام والتفكير، بدلنا مبادئنا وأحياناً "خلعناها".

فقد عاد رامي من ألمانيا وهو يحمل القدر ذاته من الهوموفوبيا، فيما تخليت أنا عنها منذ سنوات، وشادي ازداد إيمانه الديني في هولندا، لكن صديقنا عمران الذي بقي في سوريا تخلى عن جميع المبادئ الدينية في حياته بعد سنوات من الالتزام والقراءة والمحاججة.

لقد حكى عمران أنه عاش كل ظروفه الصعبة في ذروة التزامه الديني، لكنه كان يرى أن وضعه يسوء أكثر، فشعر بأنّ لجوءه للطقوس الدينية تُلهيه عن التفكير في حل منطقي للمشكلة، وتوالي الصدمات والفشل في البلاد كلها أمور جعلته يُعيد التفكير في كل مبادئه وأفكاره ومعتقداته.

ما بدا لي بعدها وأنا العالق في هذه البلاد أودع الأصدقاء والصديقات واحداً/ةً تلو الآخر، ثم أعود لاستقبالهم في عطلتهم السنوية بعد سنتين أو ثلاث، وكأنني قد غلفتهم ووضعتهم في "الثلاجة"، وعند اللقاء أعود لأزيل الثلج عنهم، هؤلاء لم يتغيروا، سوى أنّ بشرة الشباب باتت أكثر نضارة، فهم لا يعملون تحت الشمس، كما في سوريا

أمّا شادي فقد ذهب إلى هولندا حين كان في العشرين من عمره، وأصبح يعيش في منزل دافئ ليس بحاجة إلى إمضاء أشهر في جمع الحطب وتقطيعه والانتظار على طوابير الخبز والمحروقات، لا يمشي في الشارع وهو خائف من الاعتقال بسبب رأيه، ولا من القتل بسبب انتمائه الطائفي، ولا من التشليح والخطف بسبب طبقته الاجتماعية، فلماذا يغيّر أفكاره؟ لماذا يخلع جلده؟ لقد تربى على ما تربى، وكل نفس بشرية بفطرتها تهوى الاستقرار والثبات والوضوح وأن تنام في فراش تعرفه وتألفه.

بات يتابع الحرب في بلده على أنه خبر قد يصل إليه بعد ساعات وربما أيام، فيما يمر الخبر ذاته على القابعين في الوطن بصيغة أخرى وهم يسمعون صوت الجيران: "وصلوا لعنا…اهربوا"، ليصبح الهروب عقلية بحد ذاته: ماذا نأخذ؟ من نترك؟ من وماذا نحمل؟ كيف نهرب؟ إلى أين؟ ما هي الخطة عند فشل الهروب؟

فرن الوطن

لا يعيش شادي حياةً مثالية في غربته، لكنّها في المجمل تعطي لكل مجتهد نصيبه وتؤمن للإنسان الحقوق الأساسية: حق الحياة، والحق في الملبس والمسكن… أما في سوريا، فتتحول هذه الحقوق إلى رفاهيات وتتطلب المرور بطرق وعرة وخطرة، تستنزف طاقة الإنسان الجسدية والنفسية والعقلية والروحية للحصول على "البديهيات".

هذه البلاد فرنٌ يصهرنا فنذوب لنعود ونتشكل في قوالب، غالباً ما تكون عشوائية، تُعيد تشكيل ذوات جديدة مشوهة، قد نتغير بطريقة نتقبل فيها أفكاراً إيجابية وربما أكثر سلبية، في أغلب الحالات، لا نكون فقط مجبرين على التغيير، إنما نُصهر ونذوب ونتشكل من جديد: إما التغيير أو الجنون أو ذلك السواء البارد الذي يشبه مشاعر الموتى.

أتذكر عبد الهادي صباغ، في المسلسل السوري الشهير "أحلام كبيرة"، مخاطباً تلميذه عُمر (باسل خياط) بالقول: "انت قاعد هون عم تحكم على حالك بالموت البطيء.. يوم ورا يوم سنة ورا سنة، وانت قاعد ناطر تصير معجزة وتبدأ حياتك من جديد".

الموت البطيء الذي تحدث عنه الصباغ، يمكن إسقاطه اليوم بثقة بعد أكثر من عشرين عاماً: في لحظة الموت، يمر شريط الحياة أمامنا سريعاً، نكتشف تفاهة الكثير من الأشياء التي تمسكنا بها وحاربنا لأجلها وكأنها مراجعة سريعة وقراءة نقدية أهم ما فيها التحرر من كل ما هو ممنوع.

هذه اللحظة التي لا تتكرر سوى مرة واحدة في حياة عادية ولا يكون غالباً بعدها فرصة للتغيير، تحدث مع السوريين عشرات وربما مئات المرات في الحياة، وتجعلهم في صراع مع ذواتهم، لينتج عنها إما تكسير حاد لتلك الهياكل أو تقويتها وتصليبها بشدة وما بينهما من طيف متنوع الدرجات.

وفي نهاية رائعة حاتم علي، يصل عمر إلى المرحلة التي طالما حذره منها أستاذه ومديره في المدرسة، فيقول: "لما بتطلع على حالي، بلاقي حالي فاضي، صفر اليدين… لا الآمال تحققت ولا الدنيا مشيت متل ما بدنا".

المنفى وإدوارد سعيد

ما تفعله الغربة أبعد من تغيرات اقتصادية فردية، فنحن في البلد ذاته قد نمتلك المال لكن لن يكون أثره واضحاً على نظرتنا لذاتنا، وعندما يسافر الذين يعيشون بنوع من "البحبوحة الاقتصادية" يكتشفون بعد خروجهم كيف كانت هذه البلاد تأكل لحمهم لترمي لهم الفتات.

هذه البلاد فرنٌ يصهرنا فنذوب لنعود ونتشكل في قوالب، غالباً ما تكون عشوائية، تُعيد تشكيل ذوات جديدة مشوهة، قد نتغير بطريقة نتقبل فيها أفكاراً إيجابية وربما أكثر سلبية، في أغلب الحالات، لا نكون فقط مجبرين على التغيير، إنما نُصهر ونذوب ونتشكل من جديد: إما التغيير أو الجنون أو ذلك السواء البارد الذي يشبه مشاعر الموتى

امتلاك المال في بلاد غير مستقرة وغير آمنة يعيش معظم سكانها تحت خط الفقر، قد يصبح عبئاً بشكل أو بآخر على صاحبه، كما هي المعرفة والثقافة في الوطن تغدو عبئاً على حاملها، كما قال تيودور أدورنو: "كل أثر راحة في مواطننا مدفوع ثمنه بخيانة ما للمعرفة، وكل بقية ملاذ ضئيلة ثمنها الميثاق العفن للمصالح العائلية".

هذا وقد ربط إدوارد سعيد بين مفهوم المثقف ومفهوم المنفى، وجعل من النفي شرطاً لوجود المثقف، فالمثقف ليس محمياً في وطنه سواء من ديكتاتوريات أو المجتمع بحد ذاته، وما يتولد عنهما من ظروف عامة وخاصة تطحنه، هو بحاجة إلى المنفى لتأمين حقوقه الأساسية وحمايتها، لكنه لن يكون مثقفاً لولا فرن الوطن الذي مرّ به ومطحنته التي رسمت جينات تمرده.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image