"ليش ما سافرت لهلا؟"... سؤال كلما سألنيه أحدهم شعرت وكأنه يصفعني

مدونة نحن والحقوق الأساسية نحن والحرية

الاثنين 30 مارس 20266 دقائق للقراءة

"ليش ما سافرت لهلا؟"، سؤال كثيراً ما يتردّد على الأسماع في بلد لا يتوقّف فيه الناس عن طرح الأسئلة. يبرز هذا السؤال عادةً عند اللقاء مع شخص قديم أو جديد، كأنه قدر حتمي… وأن عليك أن تسافر. لكن ماذا لو اخترت أن تبقى داخل أسوار هذه المدينة، هل هناك تهمة أو حرج في الأمر؟

بعد إسقاط نظام الأسد، برز سؤال واحد: "أين كنت من 14 عاماً؟"، وبدأ التعامل مع الكثير من أهالي دمشق كما لو أنهم متهمون فقط بسبب "بقائهم" في البلد. وكم يشكّل هكذا اتهام عبئاً على الإنسان أن يجد نفسه متهماً لأنه اختار -أو أُجبر على- البقاء في بلده.

لكن السؤال الأكبر هو: كيف يمكن لك أن تسافر؟ هل فكّر هؤلاء الأشخاص الذين يطرحون هذا السؤال على غيرهم أن يتبادلوا أدوارهم، أم أن حب الفضول والتنظير في هذه المجتمعات سيبقى يعيش بها؟

أفضل أن أكون إنسانة عادية في مجتمع صعب مثل سوريا، على أن أكون على الهامش في البلدان الممتلئة التي لا تعرفني ولا أعرفها. فلماذا يصرّ البعض على تصوير الأمر وكأن بقائي "تهمة" أو "ذنب"؟

لا يمكن لي أن أقطع "تيكت" (تذكرة) طيران مباشرةً إلى خارج دمشق. فهناك ثمن كبير للتذكرة، هذا الثمن هو شعور الفراق، والافتقاد، و"مراكب قد تحترق من خلفك". لا أقول إني ألعب دور البطولة هنا، ولكن شيئاً من التوازن سيختل في غيابي. هذا ولم أذكر بعد "الثمن المادي"... فهل لديّ ما يكفي كي أغادر حتى أعيش على الهامش في إحدى البلدان الممتلئة؟

حمّى السفر

لم تكن فكرة السفرة تروق لي. وكلما سألني أحدهم عن ذلك، شعرت وكأنه يصفعني كفّاً قوياً مع انقباضة في قلبي. دون قصد، ربما، يأتي هذا السؤال عادةً بنبرة استغراب ودهشة، وأحياناً لوم. وكأنه من المعيب أن ترغب أن تبقى في المكان الذي ولدت فيه، أو أن قرّرت -وإن لم يكن بحرية تامة- البقاء فيه، وخوض التجربة كاملةً هنا.

ربما ومن وجهة نظري، كانت كثير من الأشياء في سوريا تستحق البقاء، كانت أثمن حتّى من العيش وسط المولات والأبراج في أي بلد آخر، من الحياة الفارهة والسيارات العالية. كانت كثير من اللحظات بين أحضان أمي وعلى سفرة واحدة مع أهلي أثمن بكثير من كل أموال العالم.

ولا أقصد أن كل من رحلوا عاشوا حياةً مرفهة، بل أعلم عن رحلات كانت صعبةً جداً على أبناء جيلي، منهم من ترك خلفه عائلته ويعيش الحنين في كل يوم. وهنا قد يأتي من يقول: "كله كليشيه"، لكن الأمر بالنسبة لي على الأقل لم يكن كذلك، فكلما نظرت إلى الذين أحبهم حولي شعرت بامتنان منقطع النظير. ومع التقدّم بالعمر، تثبت لي التجربة أني كنت على حق، وكل مخاوفي التي لمستها يوماً، من أن أعيش ذنب مرور الوقت دون عائلة حقيقية كانت تتشخّص أمامي.

لم أتكلّم بعد عن الأصدقاء. لم أحلم يوماً، ببلد كامل، دونهم، كنت كلما فقدت أحدهم أحاول أن انتشله وأبقيه بقربي، في رغبتي الأولى والأخيرة من أكوِّن عالمي الخاص بعيداً عن كل ما يدور في الخلفية.

قد يطلق عليّ البعض أني "واهمة" أو "خائنة" أو "أنانية". لكن في رحلة البقاء بعيداً عن فكرة السفر لم تكن سهلة. أن تعيش دون أن تنفصل عن الواقع، كأنك في عالمك الخاص، تدخل وتخرج منه متى شئت، مع انخراط كامل في المجتمع والحفاظ على تقبّل الآخر.

ضغوط البقاء

البقاء في سوريا يعني أنك تعلم أن الكثيرين قد سبقوك في شتى ميادين الحياة، وعلى مختلف الأصعدة، التكنولوجيا، والصحة، والتعليم، والحياة اليومية. وكل تلك الأشياء الأساسية تجعلك تركض في اليوم الواحد -دون أن تقصد- آلاف المرات لترضي ذاتك، وتشبه من سبقك فقط لاختلاف الظروف، وليس بفضل مهارة أعلى.

من ناحية الجانب المادي، تبدو ضغوط البقاء طوقاً يخنق رقبتك، وأرنباً يلاحقك في يومك، يسبقك في كثير من اللحظات، تختبئ منه في تأجيل الأشياء، وتحديد الأولويات، ولا ينتهي أبداً، في حال كنت تنتظر مني أن أخبرك متى ينتهي.

أما عن "المراكب التي قد تحترق خلفك"، فلا شك أنه في منزل كل عائلة على الأقل، شخص واحد قادر على ضبط الإيقاع، وحل كل المشاكل، يعلم أنه ببقائه ربما تكون الحياة أخف وطأة على "أهله"، وهل يخطئ المرء إن أحب أهله، أو أراد أن يبقى بقربهم، في عالم لم يتوقّف عن الجنون للحظة واحدة.

مع ذلك، القرار ليس بالسهولة التي قد يبدو بها دائماً فهناك ما يقال عنه "ظروف أقوى منا"، لكنني كنت أقوى منها، على طريقتي الخاصة التي نأيت بها بنفسي عن عذابات أمي، وفقدي، وكثير من خساراتي، على أن أبقى رابحةً لكرت واحد هو "نفسي".

فضّلت الركض خلف حكايات معروفة، ولم أحب الركض خلف الأبنية الشاهقة، والأماكن الغريبة، اخترت البقاء، رغبةً لا مجبرةً، فلا أشعر بأن ذلك ذنباً، ولم أندم يوماً، أفضل أن أكون إنسانة عادية في مجتمع صعب، على أن أكون على الهامش في البلدان الممتلئة التي لا تعرفني ولا أعرفها.

ثمن التذكرة

حين نرغب في السفر إلى مكان ما، أول ما نفكر به ثمن "التيكت"، تذكرة الطائرة التي ستقلّنا إلى بلاد جديدة. في أغلب الأحيان، من يسافر بحثاً عن العمل، أو حتى هرباً وهجرةً، يستدين ثمن هذه التذكرة لحين حصوله على راتبه الأول. وفي بعض الحالات، يلجأ لبيع قطعة أرض أو بعض المصاغ الذهبية لدى الأهل. أما نفسياً، فالثمن حتماً عالي جداً، من ألم فراق ووحدة واشتياق.

فضّلت الركض خلف حكايات معروفة، ولم أحب الركض خلف الأبنية الشاهقة، والأماكن الغريبة، اخترت البقاء، رغبةً لا مجبرةً، فلا أشعر بأن ذلك ذنباً، ولم أندم يوماً

لكن تذكرة البقاء كلفتها مختلفة كثيراً. هنا الدفع يكون على حساب العمر، ومن بنك الإنسان الخاص، أن تقضي عمرك وأنت تعلم عز المعرفة أنه لن يتغير الكثير، وأنك ستدفع قسماً من الثمن من صحتك النفسية، وآخر يتجسّد في غلاء المعيشة، والركض خلف وسائل النقل، وبطء الإنترنت، وساعات تقنين الكهرباء والخدمات الأساسية، والحسابات والأولويات، وشارع "الثورة"، ومعاكسات الشبّان، ووقوف السيارات ليلاً في أثناء العودة إلى المنزل، وتوبيخ الأمهات وخوفهن المستمر، ونظرات الناس في "السيرفيس" (سيارة أجرة جماعية)، واتساخ الشوارع، وضيق الأفق.

لم تكن كل تلك الأشياء عادية -ومن عاشها، يعلم تماماً كم تصبح الحياة رتيبة، وروتينية، لكنها لا تشبه غيرها- تشبهنا حين اعتدنا الألم، والقلق، وأصبحنا قادرين على التكيّف مع كل ذلك وأكثر، كفكرة تقولها لي صديقتي، أشعر حتى الآن أنه كلما حصل لي شيئاً فإنه ما يزال هناك أكثر ينتظرنا بما يُدعى "Level الوحش".

كل ذلك دفعني لأن أجيب عمّا يجول في رأس من يسألني: "ليش ما سافرتِ لهلا؟"، ببساطة لأن كل تلك الأشياء حصلت، وكل تلك الظروف والدوافع، والتبدّلات التي تجري على سطح هذا الكوكب، لا تملك إجابة، أحياناً تؤخذ أقدارنا من أفواهنا، وأحياناً لا نستطيع أن نأخذ أقدارنا سوى كما هي، وفي بعض الحالات، نختارها نحن، رغبةً منّا بأن نكون في المكان الذي أحببنا العيش فيه… وألّا نسافر.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile