اللاجئون السودانيون في لبنان تحت الحرب…

اللاجئون السودانيون في لبنان تحت الحرب… "أطباء بلا حدود" تكشف معاناة النزوح والتمييز

حياة نحن والمشرّدون نحن والفئات المهمشة

الجمعة 3 أبريل 20269 دقائق للقراءة

مع تصاعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، وتفاقم وضع النزوح الداخلي وتكرار توجيهات الجيش الإسرائيلي بإخلاء مناطق جديدة، وغيرها من تبعات اقتصادية واجتماعية وأمنية، تبقى بعض الفئات غير مرئية حيث تعاني بشكل مضاعف وبلا أمل أحياناً في من يقدّم لها يد العون، لا لشيء سوى تخفيف هذه المعاناة. في قلب هذه المعاناة، يوجد العمال والمهاجرون الأجانب.

ويسلّط تقرير جديد من منظمة أطباء بلا حدود الضوء على معاناة "الفئات الأشد حاجةً؛ العمال المهاجرين من مختلف البلدان الإفريقية وبلدان جنوب شرق آسيا والأقليات الأخرى، ممن يتعاظم حرمانهم من المساعدات الإنسانية"، حيث ترى المنظمة أنّ "العمال المهاجرين الذين نزحوا يعانون لسدّ نفقات الرعاية الطبية والتعامل مع الأنظمة القانونية التقييدية، وهم الآن عالقون بين تبعات الحرب واستجابة إنسانية في أغلبها لا تحسب لهم حساباً". وتقدّم أطباء بلا حدود رعايةً متخصّصةً للعمال المهاجرين في لبنان منذ عام 2019.

بين 2 و31 آذار/ مارس 2026، نزح أكثر من مليون شخص داخلياً في لبنان، فضلاً عن عبور 318،167 شخصاً الحدود إلى سوريا (87% منهم سوريون، و11% لبنانيون، و2% من دول أخرى)، بحسب منظمة الهجرة الدولية.

ووفق "الهجرة الدولية" أيضاً، وبحسب تقرير منشور يوم 26 آذار/ مارس الماضي، 48،000 من النازحين أو الذين يعيشون في مناطق شديدة الخطورة هم من المهاجرين، ويمثّلون نحو 30% من السكان المهاجرين المحصيّين في لبنان عام 2025.

"لا أحد يسلّط الضوء على وضعنا بصفتنا لاجئين سودانيين وعمالاً مهاجرين. نشعر وكأننا غير موجودين فعلياً. نحن غير مرئيين، ونعاني من التنمّر والتمييز، وكأنّ الحرب بحد ذاتها لا تكفي"... تقرير لـ"أطباء بلا حدود" ينبّه إلى معاناة العمال المهاجرين واللاجئين السودانيين تحديداً في لبنان في ظل الحرب الإسرائيلية

رفيدة وقصّة تلخّص معنى الحروب

معاناة رفيدة جابر (أمّ سودانية لطفلين مهاجرة في لبنان، 35 عاماً)، من تبعات الحروب والصراعات قديمة للغاية إذ هرب والدها إلى العراق قبل عقود أملاً في حياة أفضل، قبل أن ينتقل وعائلته إلى سوريا ومن ثمَّ إلى لبنان.

خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، كانت رفيدة تعيش في منطقة "آمنة نسبياً"، لكن خلال هذه الحرب اضطرت إلى النزوح مرات عدة وصولاً إلى بلدة غوسطا في جبل لبنان.

"عانينا كثيراً لمجرد الوصول إلى هذا السكن المشترك… هناك خمس عشرة عائلةً تعيش في الغرفة نفسها. خمس عشرة عائلةً... جميعها تتشارك مكاناً واحداً، وحياةً واحدةً من انعدام اليقين. في العام الماضي، حاولنا الذهاب إلى ملجأ رسمي، على أمل الحصول على المساعدة والكرامة، لكن لم يرحّب بنا أحد"، تقول لأطباء بلا حدود.

تشكو رفيدة من انقطاع المياه والنقص الشديد للاحتياجات الأساسية مثل الملابس، لكنها تعاني صحياً بشدّة أيضاً. "أعاني من مرض كرون. قبل بضع سنوات، خضعت لعملية جراحية وأُزيل جزء من معدتي. منذ ذلك الحين، كان من المفترض أن أتّبع نظاماً غذائياً صارماً، وأن أذهب لإجراء فحوصات كل ستة أشهر، وأن أتناول الأدوية بانتظام"، مضيفةً أنّ لديها مشكلات في امتصاص الحديد ولا تملك كلفة العلاج والفحوص.

تتحسّر رفيدة على فقدانها الكثير من الوزن في الأشهر الأخيرة، وعلى شعورها بالتعب طوال الوقت، مستدركةً: "ليس لدي خيار، عليّ الاستمرار من أجل أطفالي". وتختم بأنها لا ترجو سوى "ألا يتعرّض أطفالي للتهميش مثلنا، وأن يكون لهم مستقبل أكثر إشراقاً من مستقبلنا، وألا تحدّد الحرب والتهجير والمعاناة مسار حياتهم".

عديلة التي لم تعرف سوى الحرب

"وُلدت في الحرب. نشأت في الحرب. لم أعرف شيئاً آخر قطّ… خلال 22 عاماً من عمري، لم أعِش سوى الهروب من حرب إلى أخرى، ومحاولة البقاء على قيد الحياة"، هكذا تلخّص المهاجرة السودانية عديلة (22 عاماً)، وهي أمّ لطفلة واحدة لا يتجاوز عمرها السنة، حياتها في حديث إلى أطباء بلا حدود.

وعن معاناتها في لبنان، تضيف: "في العام الماضي، هربنا من الغبيري في ضاحية بيروت الجنوبية وأقمنا في وسط بيروت. هذا العام، تكرّر الأمر. هربنا مرةً أخرى من الضاحية عائدين إلى وسط المدينة. أرشدتني امرأة سودانية إلى مركز الإيواء هذا (في غوسطا في جبل لبنان)، بعدما حاولنا الالتجاء إلى كنيسة في الأشرفية، لكن لم يكن لنا متّسع هناك".

وتضيف عديلة أنّ زوجها انفصل عنها وعن طفلتهما، وبقي في بيروت للبحث عن عمل حيث كان يعمل حارس عقار في الضاحية الجنوبية وخسر عمله السابق بعد إخلاء البناية لخطورة موقعها. "أنا الآن هنا وحيدة مع طفلتي، أحمل عبء كل شيء بمفردي"، تتابع.

وتشرح: "نحن هنا عشر عائلات في غرفة واحدة. كل عائلة لديها ثلاثة أو أربعة أطفال. المكان مكتظ وخانق. في الليل، نشعر بالبرد في عظامنا، وما من شيء يدفئنا". وتأسف لأنّ طفلتها تعيش الآن ما عاشته هي طوال حياتها من "خوف، وعدم استقرار، وانعدام أمن"، وتتمنى: "لا أريد لها ذلك. لا أريد سوى أن أعيش في مكان أشعر فيه بالأمان حيث لا حرب، ولا قصف. لا أريد سماع تلك الأصوات مرةً أخرى أبداً. لا أريد أن أهرب بعد الآن".

"حتى قبل التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في لبنان، كان حصول المهاجرين على الرعاية الصحية محدوداً للغاية بسبب الحواجز اللغوية، والتمييز الممنهج، وتكلفة الخدمات الصحية، ووضع الإقامة. الآن، مع نزوح نحو خُمس سكان البلاد بشكل قسري، ازداد المهاجرون تهميشاً، وباتوا يواجهون عواقب مدمّرةً لصحتهم ونجاتهم"

أحمد ومعاناة "غير مرئية"... وندم

اضطر أحمد، وهو عامل سوداني فلسطيني مهاجر، إلى النزوح برفقة زوجته وأطفالهما الخمسة دون أخذ أي شيء معهم. يقول إنه فقد الأمل لأن "لا أحد يسلّط الضوء على وضعنا بصفتنا لاجئين سودانيين وعمالاً مهاجرين. نشعر وكأننا غير موجودين فعلياً. نحن غير مرئيين، ونعاني من التنمّر والتمييز، وكأنّ الحرب بحدّ ذاتها لا تكفي"، حسبما يقول لأطباء بلا حدود.

ويتابع: "نحن لاجئون، لاجئون نازحون. قاسينا الأمرّيَن… ليس لدينا وطن نعود إليه. ما من مكان نذهب إليه. وبصراحة، لم يعد لدي أيّ أمل. فقدته على طول الطريق".

أكثر ما يؤلم أحمد هو أنه في بعض الأحيان بات "يندم على إنجاب الأطفال. لا لأنني لا أحبهم، بل لأنني لا أستطيع حمايتهم من هذه الحياة. لا أريدهم أن يكبروا وسط هذا البؤس والخوف وانعدام اليقين. ليس لديهم شيء؛ لا استقرار، ولا مستقبل ينتظرهم".

أوضاع غير محتملة

قبل الحرب، كان العمال المهاجرون في لبنان يواجهون عوائق اقتصاديةً وقانونيةً واجتماعيةً كبيرةً تحول دون حصولهم على الخدمات الأساسية. يلجأ كثر في الوقت الحالي إلى أماكن مكتظة للمبيت يديرها ناشطون مجتمعيون، أو ينامون في الشوارع، وأفاد بعضهم بأنهم طُردوا بشكل مباشر أو تعرّضوا للتمييز أو استُبعدوا من مراكز الإيواء الرسمية لصالح مواطنين لبنانيين.

ويعاني العمّال المهاجرون من تهميش ممنهج في ظل نظام الكفالة اللبناني الذي يمنحهم حقوقاً ضئيلةً، بما في ذلك التغطية الصحية، فضلاً عن استبعادهم من موجات الاستجابة الإنسانية السابقة للأزمات التي مرّت بها البلاد.

تعقيباً على هذا، يقول منسّق مشروع أطباء بلا حدود في بيروت، عبد الحليم عبد الله: "حتى قبل التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في لبنان، كان حصول المهاجرين على الرعاية الصحية محدوداً للغاية بسبب الحواجز اللغوية، والتمييز الممنهج، وتكلفة الخدمات الصحية، ووضع الإقامة. الآن، مع نزوح نحو خُمس سكان البلاد بشكل قسري، ازداد المهاجرون تهميشاً، وباتوا يواجهون عواقب مدمّرةً لصحتهم ونجاتهم".

في بيروت، كانت أطباء بلا حدود تقدِّم الرعاية من خلال عيادتها في برج حمود، ضمن ضواحي بيروت الشمالية. كانت تقدّم شهرياً نحو 1،500 استشارة طبية ودعماً للصحة النفسية وخدمات اجتماعية. واستجابةً للاحتياجات المتزايدة في أعقاب تصعيد إسرائيل هجماتها، وسعّت المنظمة نطاق عملها من خلال عيادتها المتنقلة لتصل إلى السكان الذين نزحوا قسراً في مختلف أنحاء المدينة والمناطق المحيطة بها. تقدِّم العيادة الثابتة للمنظمة وعيادتان متنقلتان حالياً قرابة 3،000 استشارة أسبوعياً، وتوزّع مواد الإغاثة الأساسية والدعم الغذائي على المطابخ المجتمعية التي يديرها مهاجرون.

يُذكر أنّ العيادة تدعم ثمانية مطابخ مجتمعية بالمواد الأساسية اللازمة لإعداد نحو 1،000 وجبة يومياً، تُوزّع على العمال المهاجرين النازحين وكذلك من يعيشون منهم في مناطق شديدة الخطورة. كما وزّعت المنظمة أكثر من 2،000 حصة من المواد الإغاثية الأساسية، بما في ذلك البطانيات والفرشات ومجموعات النظافة الصحية على أكثر من 100 منزل ومركز إيواء للعمال المهاجرين.

ومطلع آذار/ مارس الماضي، تضاعفت الإحالات الطبية من عيادة أطباء بلا حدود في برج حمود حيث يحتاج مرضى كثر إلى نقل دم أو الدخول إلى العناية المركزة أو إجراء جراحة. وترتبط هذه الزيادة بتصعيد الحرب وانقطاع برنامج الإحالة التابع للمنظمة الدولية للهجرة في كانون الثاني/ يناير 2026، ومعاناة جهات فاعلة أخرى بسبب نقص التمويل، ما يترك كثيرين من المرضى من دون الرعاية المنقذة للحياة.

10 أو 15 عائلةً نازحةً في غرفة واحدة بلا أبسط الاحتياجات الأساسية مع استبعاد كامل من خطط الدولة واستجابتها الإنسانية… عن حياة اللاجئين السودانيين في لبنان في ظل الحرب الإسرائيلية

وتحذّر أطباء بلا حدود من أنه "في الوقت الذي تُترك فيه العائلات نازحةً بلا مأوى، تتفاقم احتياجاتها الصحية كذلك بسبب انقطاع الرعاية، وارتفاع تكاليف الأدوية، ونقص الوصول إلى الرعاية بسبب وضع الإقامة غير النظامي. وعلى الرغم من أنّ الحصول على الرعاية كان مقيّداً بشدّة للعمّال المهاجرين في الماضي، فقد ازداد صعوبةً مع تضاعف الاحتياجات بشكل هائل في مختلف أنحاء البلاد".

وفيما تمثّل الأعراض المزمنة ربع الاستشارات الطبية التي تقدّمها عيادات المنظمة المتنقلة التي تعالج العمّال المهاجرين، سجّلت فرقها فجوات كبيرةً في حصول السكّان على خدمات الرعاية الصحية النسائية وخدمات الصحة النفسية على نحو خاص.

وعلى الرغم من أنّ أطباء بلا حدود عزّزت استجابتها لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان النازحين قسراً في لبنان، بمن فيهم العمال المهاجرين والأقليات الأخرى، إلا أن هذه الفئات السكانية لا تزال غير ممثّلة بشكل كافٍ ضمن الاستجابة الإنسانية على الصعيد الوطني، والتي تقودها الحكومة والجهات الفاعلة الدولية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile