حقيبة السفر صارت حقيبة الهروب وامرأة شكرت ترامب… تناقضات إيرانية

حقيبة السفر صارت حقيبة الهروب وامرأة شكرت ترامب… تناقضات إيرانية

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 13 مارس 202611 دقيقة للقراءة

صباح يوم السبت 28 شباط/ فبراير، في الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة، كنت في مكان عملي واقفاً في طابور فحص الدم. أنا أعمل عن بعد عبر منصة إلكترونية، وقد مضى وقت طويل منذ رأيت زملائي. بينما كنت واقفاً في الطابور، قالت إحدى الزميلات التي كانت واقفة خلفي لأخرى: هل بدأتم بتنظيف البيت استعداداً للعيد؟

أجابت: لا، إن كان يُفترض أن تندلع حرب، فما فائدة تنظيف البيت؟ سيغطي الغبار بيتنا من جديد.

قلت مازحاً لمدير القسم: لا أظن أنهم سيضربون قبل العيد، أليس كذلك؟

قال المدير بثقة: لماذا يا رجل؟ بالتأكيد سيضربون، لا شك في ذلك.

قال زميل كان يقف بجانبي: أنا آمل أن يضربوا، ليريحونا من هؤلاء الجناة، رغم أن الأمر ليس بيدنا.

قال آخر: انظروا ماذا حلّ بنا نحن الشعب؛ رضينا حتى بالحرب والخراب، بشرط أن نتخلص من هؤلاء.

ذكر آخر مثلاً فارسياً: الموت مرة واحدة والعويل مرة واحدة، لقد دمّرونا. قبل شهرين فقط، بسبب أبسط مطالبنا، من أجل حق حياة بسيطة، قتلوا منا الكثير من الأطفال والشباب.

قال المدير: المنقذ الوحيد لنا هو ذلك الأشقر المقامر الذي تكرهه كثيراً، وضحك.

قلت: إذا أنقذنا فسأكون مديناً له، لكني ما زلت أكرهه.

قال المدير: العالم ملك للمجانين. هذه الأيام المجانين هم أصحاب الدنيا، سواءً أعجبنا ذلك أم لا.

كان الجو في الشركة كئيباً ومليئاً بالشك، وكذلك في كل إيران. كنا ننتظر حدثاً كبيراً، ولم نعد قادرين على العودة إلى ما كان عليه الحال مع هذا النظام. كنا نحمل ضغينة ثقيلة في قلوبنا تجاه الحكومة، والحكومة بدورها تحمل ضغينة تجاهنا. حكومة كانت تريد رعايا لا شعباً. رعايا يخفضون رؤوسهم ويقبلون بكل ما يحدث. أما نحن فكنا شعباً حيّاً يريد حياة عادية، ونتوق إليها بشدة، وكنا حيثما استطعنا نعبّر عن استيائنا من عجز الحكومة وأيديولوجياتها.

كنا نعلم أن شيئاً لن يعود كما كان. لم يعد ممكناً أن نعود إلى حياة عادية مع حكومة أطلقت رصاصة الرحمة على جرحى الانتفاضة في المستشفيات



ودّعتهم وخرجت من الشركة. بعد انتفاضة الناس في الأول والثاني من كانون الثاني/ يناير 2026 التي قُمعت بسفك الدماء، كان كثير من الإيرانيين الغاضبين واليائسين يتمنون أن يقوم ترامب بما لم يستطيعوا هم القيام به بأيديهم العارية ومن دون قوة، وهو إسقاط النظام. كان غضب الشعب الإيراني تجاه الحكومة قد بلغ حداً جعلنا نتمنى، حتى بثمن فقدان كل شيء، أن يأتي من يلقنهم درساً ويدمرهم انتقاماً لما فعلوه بالشعب وبالبلاد. كان الكره والغضب هو الشعور الغالب، وسوق التنبؤات والتكهنات مزدهراً. مضى أكثر من أربعين يوماً على تلك الأيام السوداء في إيران، وكان الشعور بضبابية الأيام المقبلة حاضراً في الهواء. كنا نعلم جميعاً أن لا شيء سيعود كما كان. لم نعد قادرين على العودة إلى حياة عادية والتعايش مع حكومة هاجمت جرحى انتفاضة الأول والثاني من كانون الثاني/ يناير 2026 في المستشفيات وأطلقت عليهم رصاص الرحمة. كانت موجة الكراهية هذه المرة أقوى من أي وقت مضى.

كنت ركبت الحافلة وأسندت رأسي إلى النافذة وأفكر في المستقبل، في عيد النوروز الذي سيأتي بعد ثلاثة أسابيع، في زفاف ابن خالتي، في موعد قرار دونالد ترامب بشأن الهجوم أو التفاوض، وفي منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تخرج بعد من حالة الحداد.

نظرت إلى السماء وشعرت كأنها أصدرت هديراً. كنت آمل أن تمطر، فالجو كان غائماً. كنت غارقاً في التفكير حين انتبهت فجأة إلى أن بعض الناس في الشارع يحدقون في السماء، وآخرين يركضون في اتجاه ما، وجميعهم يرفعون هواتفهم نحو السماء. غيّرت مقعدي في الحافلة وانزلقت نحو الجهة الأخرى ونظرت من النافذة إلى النقطة التي يتجه إليها الجميع. كان دخان أسود يتصاعد في السماء. سألتُ سيدةً: ضربوا؟

قالت بحماس وفرح: نعم! يبدو أنهم ضربوا!

سألت: أين؟

قال آخر: وزارة الاستخبارات.

عدت إلى مقعدي وأخبرت عدة أشخاص. اتصلت بمديرنا وقلت: يبدو أنهم ضربوا!

قال: نعم! ضربوا!

كان الناس يركضون جميعاً في اتجاه واحد، وأصبحت حركة الحافلة بطيئة جداً بسبب الازدحام المفاجئ، وما إن وصل خبر هجوم الولايات المتحدة على عدة مواقع استراتيجية في طهران حتى أُغلقت جميع الإدارات والمدارس. اقتربنا من مكان سقوط الصاروخ. هنا كان الناس أكثر اضطراباً. كان المشهد خليطاً غريباً من أشخاص يبتسمون بسخرية وهم يحدقون في موقع الحادث، وآخرين يبكون. أطفال خرجوا مبكراً من مدارسهم كانوا يمسكون أيدي بعضهم بعضاً ويركضون في الشارع.

بدأ الناس يركضون خلف الحافلة ويطرقون الباب. أصبحت الحافلة أبطأ، وبدأ الازدحام يشتد. كان معظم الناس يرون حتى هذه الحرب نتيجةً لسياسات الحكومة. منذ أسابيع كانت الولايات المتحدة قد نشرت سفنها ومعداتها العسكرية في مياه الدول المجاورة وتهدد حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية باستمرار بأنها إذا ماطلت في المفاوضات ولم تمض بها كما تريد أمريكا فستهاجم البلاد.

نظرت إليّ سيدة كانت تحمل طفلها المدرسي وتحاول تهدئته، ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: يا للمساكين نحن الشعب، عالقون بين هؤلاء المجانين، هؤلاء مجانين وأولئك مجانين أيضاً.

قالت فتاة شابة أخرى: لم تبق مصيبة إلا وأنزلها هذا النظام بنا.

وقال شاب من الطرف الآخر: رائحتهم النتنة بدأت تنتشر، لا تقلقوا.

قال رجل في منتصف العمر: أنا مستعد أن أموت في هذه الحرب، المهم أن يذهبوا.

قالت امرأة مسنة تمسك بعمود الحافلة بكلتا يديها: لم يتركوا لنا شيئاً يا بني، لا شيء. دمّروا هذا البلد، وحتى لو رحلوا الآن ماذا يمكننا أن نفعل بهذا الخراب؟

قلت: سنفعل الكثير، لدينا عمل كثير، سنبني من جديد، فقط دعينا نتخلص منهم. قلت ذلك وقررت أن أقطع بقية الطريق إلى المنزل سيراً؛ هكذا سأصل أسرع. كنت أريد أن آخذ حقيبة الهروب التي أعددتها في الليلة السابقة وأسرع إلى منزل خالتي، فعائلتي تسكن خارج طهران.

في الليلة السابقة، قبل النوم مباشرة، اتصلت بي خالتي مذعورة وقالت: جهّز حقيبة الهروب؛ بمجرد أن يبدأ الهجوم تعال إلى بيتنا لنغادر طهران معاً ونتجه إلى فيلانا.

قلت بتثاقل: لا يبدو أنهم سيفعلون شيئاً، ما زالوا في وسط المفاوضات. لكنها أصرت: بريطانيا طلبت من مواطنيها مغادرة إيران، وهذا يعني أن الأمر جدي.

بعد أن أنهت المكالمة نهضت وألقيت بسرعة أوراقي في حقيبة "north face" التي اشتريتها في "بلاك فرايدي" بحماس كبير وبالتقسيط، من أجل رحلاتي حول العالم، ولم أكن قد نزعت ملصقها بعد. بدأت حياتَها كحقيبة هروب وليس حقيبة سفر.

وصلت أخيراً إلى المنزل. نظرت إلى الصحون غير المغسولة في الحوض. رفعت أكمامي لأغسلها، لكن خالتي اتصلت مرة أخرى. كان صوتها مضطرباً: أين أنت؟

قلت: وصلت لتوي إلى البيت.

قالت بقلق: يا إلهي! ما زلت في البيت! تعال بسرعة، نريد مغادرة طهران قبل أن تزدحم الطرق.

تركت الصحون. كان عليّ أن أصل من شرق طهران إلى غربها. الإنترنت كان مقطوعاً، ولم يكن بالإمكان طلب سيارة عبر التطبيقات. كان عليّ الوصول إلى المترو. وضعت وثيقة البيت وجواز سفري وبطاقتي الشخصية وحاسوبي المحمول وخمسة أو ستة أقراص صلبة خارجية وبعض الملابس وكتاباً ومذكّراتي اليومية وبعض الأغراض الشخصية الأخرى في الحقيبة وخرجت. قبل أن أقفل الباب نظرت إلى البيت وهمست: ابقَ سليماً حتى أعود.

قبل أشهر فقط كانت الحرب ذات الاثني عشر يوماً قد بدأت وكنت عالقاً في إسطنبول. دخلت الزقاق وحمدت الله أنني هذه المرة في إيران. أي شيء يحدث لإيران يحدث لي أيضاً. هذا البلد جزء مني وأنا جزء منه، وفي أسوأ أيامه أريد أن أكون هنا، بجانب أبناء بلدي.

وصلت بسرعة إلى مترو "سُهروردي". كان الشارع مزدحماً والمترو يعج بالناس. كثير من الناس كانوا يخرجون منه. سألت: المترو شغال؟

ردّ عدة أشخاص: المترو يأتي متأخراً جداً و المحطة مكتظة للغاية.

نزلت السلم الكهربائي. كانت الجموع تغلي في المترو، والازدحام شديداً، فلم أستطع الوصول إلى الرصيف. بعد وقت طويل وصل قطار إلى المحطة، واندفع الناس نحوه حتى إن الأبواب لم تعد تُغلق. لم يحالفني الحظ للصعود، فقد كنت لا أزال على بعد موجتين أو ثلاث من الوصول إلى الباب. كان مكبر الصوت يكرر: "أيها الركاب الكرام، الرجاء عدم عرقلة إغلاق أبواب القطار"، لكن دون جدوى. وعندما خرجت من المحطة كان قد كرر الجملة نفسها عشر مرات على الأقل.

اتصلت خالتي مرة أخرى. لم يكن المترو خياراً. قلت لها: اذهبوا أنتم، سأصل إلى الفيلا بطريقة ما. لكنها رفضت وقالت: تعال بأي طريقة وبسرعة.

في الشارع أوقفت سيارة. كانت السائقة امرأة تتحدث عبر الهاتف. سألتها: أنا ذاهب إلى الغرب، إلى صادقية، هل يمكنك أن توصليني جزءاً من الطريق؟

قالت: سأذهب إلى نهاية هذا الشارع فقط. قفزت إلى الداخل.

كانت المرأة تتحدث باستمرار عبر الهاتف. كان مكبر الصوت مفتوحاً فكنت أسمع المحادثة. كانت تتصل بهذا وذاك وتضحك بصوت عالٍ وتشكر نتنياهو. من تتحدث معهم كانوا متحمسين أيضاً ويشكرون ترامب. الازدحام شديد والمرأة متوترة وتضحك بعصبية وتضرب المقود. قلت: انظر كيف أصبح الوضع! هؤلاء المجانين يتقاتلون. أتمنى فقط ألا يتضرر الناس العاديون.

نظرت إليّ في المرآة وقالت: لا يهم، إنها حرب. دعهم يدمرون كل شيء. مثل الأورام السرطانية التي تصيب الجسد وتنتشر في بقية أعضائه. الجمهورية الإسلامية مثل ذلك الورم السرطاني.

قلت بصوت منخفض: لكنني رغم كل شيء أريد أن أبقى حياً وأرى سقوط هذا النظام. لقد حاربنا وانتظرنا كثيراً.

قالت: بالنسبة لي لا يهم، حتى لو متُّ. لقد جعلوا الحياة بلا طعم. بعد كل ذلك القتل في يومين، كيف يمكننا أن نستمتع بأي شيء؟

صمتُّ ونظرت إلى الخارج. كان الشارع مغلقاً تماماً. السيارات تطلق الأبواق بلا جدوى. بعض الناس نزلوا من سياراتهم وراحوا يركضون بينها.

كنا في الازدحام منذ ساعة ولم نتقدم سوى نحو خمسمئة متر. اتصلت خالتي مرة أخرى وسألت: أين أنت؟ نحن ننتظرك. قلت: ما زلت في بداية الطريق؛ لن ألحق بكم. اذهبوا أنتم وسألتحق لاحقاً.

هذا البلد جزء مني وأنا جزء منه؛ وفي أسوأ أيامه أريد أن أكون هنا، بجانب أبناء بلدي

ودعت المرأة ونزلت من السيارة. كانت حقيبتي ثقيلة جداً. قررت أن أذهب إلى بيت صديقي المقرب لأبقى هناك، حتى لا أكون وحدي وحتى لا يقلق والداي كثيراً. كان عليّ أن أصل إليهم سيراً.

كنا نركض في الشارع بينما أصوات الطائرات الحربية والانفجارات تتردد. فجأة قال طفل صغير كان يركض بجانب أمه: ماما تعبت، دعينا نجلس قليلاً. نظرت إليه. اضطرت الأم إلى إبطاء خطواتها. جلس الطفل على حافة الشارع ووقفت أمّه جنبه حائرة.

بعد نصف ساعة من الركض المتواصل وصلت إلى منزل صديقي. كان جسدي منهكاً. تمددت على الأريكة وحدقت في السقف.

مساء ذلك اليوم بدأ خبر مقتل سيد علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الهجوم الأمريكي على بيت القيادة، مع أربعين من قادته وعدد من أفراد عائلته، يتردد تدريجياً. لم نكن نعرف هل نصدق أم لا. كان الخبر في صدارة وسائل الإعلام الأجنبية، بينما كانت وسائل الإعلام الداخلية تنفيه بإصرار.

في الليل، عندما أعلن نتنياهو في خطابه أن لدينا أخباراً موثوقة عن مقتل خامنئي، فجأة ارتفعت أصوات الهتاف والفرح والزغاريد الطويلة من نوافذ البيوت. فتحنا النافذة وكانت امرأة من أحد البيوت تصرخ: يا الله شكراً لك، الحمد لله.

امتلأ الحي بالهتافات، لكن الشارع كان مليئاً بقوات أمن ملثمة، ولم يجرؤ أحد على النزول إلى الشارع والرقص كما تخيلنا مراراً في أذهاننا.

كان ذلك الشيخ الذي حكم إيران أكثر من أربعين عاماً، والذي قادها في العشرين سنة الأخيرة إلى منحدر السقوط، قد قُتل في هجوم نفذته أمريكا وإسرائيل.

ربما كان ذلك بداية النهاية. ولكن نهاية ماذا؟ تقول صديقتي: لا خير يرجى مما تفعله إسرائيل. تقول: أفضل العيش مع الظلم ومقاومته على أن يهجموا على بلدي. أفكر بحديثها، بالمرأة بالسيارة. كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف؟

اليوم السبت 7 أذار/ مارس. مضى أسبوع كامل على بدء الحرب. لا نملك وصولاً إلى الإنترنت الحر والعالمي ولا نعرف ما الذي يحدث بالضبط. نعلم فقط أن هجمات أمريكا وإسرائيل اشتدت واتسعت. لجأنا إلى فيلا في شمال إيران، وسط الجبال والغابات، ونحن قلقون على الناس الذين بقوا في طهران والمدن الأخرى. قلقون على إيران. لا نعرف كم ستستمر هذه الحرب، ولا نعرف كم سيبقى من إيران ومن شعبها في النهاية. كل شيء يلفه الغموض، مثل هذا المشهد أمامي: منظر ضبابي لغابات "هيركاني" المسجلة ضمن التراث العالمي، والتي كانت قبل أشهر قليلة تحترق وفقد جزء كبير منها حياته وذهب مع الريح.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image