اتجاه متزايد لإنصاف ذوي الإعاقة في الدراما العربية… هل يؤتي ثماره؟

اتجاه متزايد لإنصاف ذوي الإعاقة في الدراما العربية… هل يؤتي ثماره؟

حياة نحن والفئات المهمشة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 3 أبريل 20268 دقائق للقراءة

بعد انتهاء الموسم الرمضاني، لم يحصل مسلسل "وصية جدو" على حظه من المتابعة في "زحمة" مسلسلات هذا العام. العمل الذي تدور أحداثه حول وصية يتركها الجد لأحفاده لتنفيذها بعد وفاته، ويُطلب من كل فرد إنجاز مهام محددة ليحصل على نصيبه من الميراث، ما يكشف أسراراً ومفاجآت عن العائلة في قالب كوميدي جمع مجموعةً من الممثلين من ذوي الإعاقات المختلفة، ومنحهم أدوار البطولة، في ثاني عمل من نوعه لمبادرة "مشروع حلم"، الهادفة إلى دمج الأشخاص من ذوي الإعاقة في الفن، بعد "القضية 404" الذي عُرض في العام 2021.

لطالما سقطت العديد من الأعمال الدرامية العربية التي تناولت ذوي الإعاقة في فخ التنميط والتنمّر، بل التشويه والإساءة أحياناً. لكن هناك اتجاهاً متزايداً عمد إليه عدد من صنّاع الدراما، في السنوات الأخيرة، لمحاولة الدمج والتمكين وكسر الصور النمطية لأفراد هذه الفئات وإظهار الجوانب الملهمة والنجاحات في قصصهم.

وفي كثير من الأحيان، مُنح أشخاص من ذوي الإعاقة الفرصة لرواية قصصهم بأنفسهم وتجسيدها على الشاشات أو المسرح، وهو ما يرصده رصيف22 في هذا التقرير في محاولة للوقوف على أهمية هذه النماذج ومدى تأثيرها في نشر الوعي بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقهم.

برغم القالب الكوميدي، لم يقع صنّاع مسلسل "وصية جدو" في فخ استغلال ذوي الإعاقة لأجل الضحك أو التسلية بآلامهم، كما ابتعد العمل عن استدرار مشاعر الشفقة والعطف، مركّزاً على مواهب هؤلاء الممثلين. لكنّ العمل لم يحقق نجاحاً ملحوظاً. فما الذي تحتاجه مثل هذه الأعمال لحصد الشعبية؟

جلب الشفقة والتعاطف

قبل الحديث عن الأعمال الفنية الجديدة التي تحاول تناول قضايا ذوي الإعاقة من منظور يحترم الكرامة الإنسانية والحقوق، يمكن بنظرة سريعة على أبرز الأعمال التي تناولتهم سلفاً اكتشاف كيف انحصرت غالبيتها ضمن إحدى ثلاث ثيمات رئيسية، هي: التجاهل التام، والحضور غير المرئي، والتناول السلبي المسيء، وهذا بدوره ينقسم إلى تصنيفات عدة نوردها لاحقاً.

أما عن التجاهل التام، فيمكننا من خلاله رؤية مجتمع بلا إعاقات حيث أفلام ومسلسلات ومسرحيات عديدة لا يظهر فيها أي شكل من أشكال الإعاقة العقلية والذهنية أو الحركية أو الحسية. وهذا الشكل من التعامل ربما نابع من النظرة المجحفة إليهم كأشخاص غير مرغوب فيهم، حيث دأبت أسر على إخفاء أفرادها ذوي الإعاقة قديماً وكأنما هم وصمة.

أما الحضور غير المرئي، فيكون في الأدوار الهامشية التي يوجد فيها شخص معوّق في أي عمل فني بلا أي تأثير أو أهمية للدور الذي يلعبه، بل من دون مناقشة أي قضية تخصه أو حبكة تتعلق به كما بقية الشخصيات، مثل فيلم "كلمني شكراً" (إنتاج عام 2010). وهذا النوع من التناول يمكن اعتباره "رفع عتب".

وفي الثيمة الثالثة، وما أكثرها، نجد الشخص المعوّق إما مصدراً لجلب الشفقة والتعاطف في محاولة لتكريسه كمثال للضعف والعجز وقلة الحيلة، ناهيك عن اقتران الإعاقة بالتسوّل أو الجريمة (مثل سطيف الكفيف الذي يتضح أنه جاسوس في "باب الحارة")، أو نفور الناس وخوفهم من أصحاب هذه الإعاقة، أو يوضع في قالب مضحك للتسلية في أشكال صارخة من التنمّر مثل فيلم "الرجل الأبيض المتوسط"، أو وضعه في صورة غير حقيقية لا تتناسب مع الإعاقة أو تروّج أفكاراً مغلوطةً وخياليةً عنها كما حدث في"طيور الظلام"، حيث البطل الكفيف (جسّده عادل إمام)، يقود طائرةً ببراعة ويخرج منها سالماً.

أما عادل إمام نفسه، ففي كثير من أعماله سخر من أصحاب الإعاقات المختلفة وقلّدهم في سياق إضحاك الجمهور.

وكثيراً ما شوّهت أعمال فنية حقيقة بعض الإعاقات، لا سيّما الإعاقات الذهنية، وروّجت إلى اعتبارها درباً من الجنون أو "العبط" مثل فيلم "ديك البرابر" لفاروق الفيشاوي ونبيلة عبيد، وفيلم "الحرامي والعبيط" لخالد صالح وخالد الصاوي.

لكن هذا لا ينفي وجود أعمال تناولت ذوي الإعاقة بإيجابية ومنحت قضاياهم البطولة مثل فيلم "الصرخة" لنور الشريف عام 1991، والذي يتناول مسألة استغلال ذوي الإعاقة والتمييز ضدهم وعدم اعتبارهم أشخاصاً ذوي أهلية. وهناك أيضاً فيلم "توت توت" عام 1993، الذي سلّط الضوء على واحد من أسوأ أشكال الاستغلال الجنسي بحق النساء اللواتي يعانين من إعاقات ذهنية، وذلك من خلال شخصية كريمة، وهي فتاة تعاني من مرض ذهني وتعيش في حي شعبي، لعبت دورها نبيلة عبيد.

وفي مسلسل "أشواك ناعمة" عام 2005، لعب الممثل السوري قصي خولي دور شابّ لديه إعاقة حركية، ويتميز بحس الفكاهة، ويتزوج فتاة أحلامه ويعيش معها قصة حب رائعة ويحظى بدعم أهله.

وكذلك مسلسل "وراء الشمس" عام 2010، الذي لعب بسام كوسا دور بدر فيه والذي كان يعاني من طيف التوحّد ويُعدّ نقلةً نوعيةً في مقاربة المواضيع المتعلقة بذوي الإعاقة، كما شارك فيه علاء الدين الزيبق وهو مصاب بمتلازمة داون.

لعقود، حصرت غالبية الأعمال الفنية العربية ذوي الإعاقة ضمن إحدى ثلاث ثيمات رئيسية، هي: التجاهل التام، والحضور غير المرئي، والتناول السلبي المسيء. الجديد الآن أنّ ذوي الإعاقة باتوا يحتلون أدوار البطولة ويروون قصصهم بأنفسهم

تحوّل نوعي… ذوو الإعاقة وقضاياهم في دور البطولة

إلى ذلك، بقي إسناد الأدوار إلى ممثلين/ ات من ذوي الإعاقة أمراً نادراً. وفي هذا الصدد، منح "القضية 404"، المكوّن من 15 حلقةً، البطولة لأكثر من 23 ممثلاً من ذوي الإعاقة، ومنحهم المساحة لعرض قضاياهم والحديث عن آمالهم وتحديات حياتهم في مصر.

وبالمثل، يضمّ المسلسل الإماراتي القصير "أحلام يرسمها الغبار" عام 2022، فريقاً كاملاً من ذوي الإعاقة، وهو من إخراج عبد الباري أبو الخير ويتناول مواضيع اجتماعيةً عميقة. والعمل جزء من مشروع إماراتي لدمج ذوي الإعاقة يتضمّن ثلاثة مسلسلات، هي: "أحلام يرسمها الغبار" و"حواجز مبعثرة" و"دار الحياة".

لكن بوجه عام، يمكن القول إنّ الدراما العربية باتت أكثر ميلاً إلى التناول الإيجابي أو على أقل تقدير غير المسيء لذوي الإعاقات المختلفة، ربما في ظل تزايد وعي الجمهور ورفضه استغلالهم أو الإساءة إليهم، علماً أنّ بعض الأعمال لا تزال بعيدةً عن هذا التناول الإيجابي والمسؤول.

فبالعودة إلى أحداث مسلسل "وصية جدو" -على سبيل المثال لا الحصر- وبرغم القالب الكوميدي، لم يقع صنّاع العمل في فخ استغلال هؤلاء الأشخاص لأجل الضحك أو التسلية بآلامهم كما ابتعد العمل عن استدرار مشاعر الشفقة والعطف مركّزاً على مواهب هؤلاء الممثلين من ذوي الإعاقة.

وفي 2025، عُرض فيلم "هي" المصري الذي يوثّق قصة نجاح وإرادة حقيقية لبطلة من ذوات الإعاقة، هي المشرفة العامة للمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في مصر د. إيمان كريم، كرسالة أمل تبرهن على أنّ الإرادة تصنع المستحيل.

ويُعدّ مسلسل "1:45"، من أوائل أعمال "المايكرو دراما" -الدراما القصيرة جداً- وشارك في بطولته ممثلون من ذوي الإعاقة إلى جانب الفنان حمزة العيلي، كنموذج حقيقي لدمج ذوي الإعاقة في الدراما.

في العام نفسه، عُرض الفيلم الروائي السوري القصير "النداء الأخرس" الذي يسلّط الضوء على إبداعات ذوي الإعاقة، وقدرتهم على تجاوز معاناتهم وظروفهم الاجتماعية، وركّز على تحويل النظرة السلبية إلى المعوّق في المجتمع إلى تحدٍّ لإبراز القوة والجدارة من خلال العلاقات الإنسانية وتحديداً الأخوة.

في عام 2022، عُرض فيلم "أخويا" للفنان أحمد عز، ويستعرض علاقة شقيق بشقيقه من ذوي الإعاقة، ويركّز على أهمية العلاقات الإنسانية والدعم الإنساني لذوي الإعاقة.

هذه الأعمال لا تزال محدودةً، وغالباً ما تخرج بجهود فردية أو مبادرات من منطلق حقوقي أو بتمويل حكومي لتداولها في مناسبات تخص ذوي الإعاقة. كما تنحصر عادةً في "القالب التوعوي"، وهي تالياً لا تحظى بالشعبية نفسها التي تحقّقها الأعمال الفنية الأخرى

هل تنجح هذه الأعمال في تحقيق الأثر المرجو منها؟

الإجابة عن السؤال أعلاه ليست بسيطةً كما قد يتخيّل البعض. فهذه الأعمال لا تزال محدودةً وغالباً ما تخرج بجهود فردية أو مبادرات من منطلق حقوقي أو بتمويل رسمي لتداولها في مناسبات تخص ذوي الإعاقة. كما تنحصر عادةً في "القالب التوعوي"، وهي تالياً لا تحظى بالشعبية نفسها التي تحققها الأعمال الفنية الأخرى.

ولا يمكن استبعاد الاعتبارات الأخرى المتعلقة بتوقيت العرض حيث ربما ظلم العرض في الموسم الرمضاني "وصية جدو"، وهناك الإنتاج وأسماء النجوم المشاركين في العمل، وحجم الدعاية التي تسبق وترافق عرضه، وجميعها عوامل ربما تفتقر إليها الأعمال التي تكون أغلبية الأبطال والبطلات فيها من ذوي الإعاقة.

مع ذلك، تبقى هذه التجارب مؤثرةً، ويعوّل عليها كخطوة مهمة مطلوبة في سبيل تصحيح النظرة إلى ذوي الإعاقة على أقل تقدير أو توظيفهم في الأعمال الدرامية كما ينبغي، كأشخاص عاديين يعيشون معنا في أسرنا ومن حولنا ونلتقي بهم في أشغالنا، إذ لم يعُد مقبولاً أن تواصل الأعمال الفنية تجاهلهم واستبعادهم من "الصورة" أو حين تُظهرهم تقصر ذلك على النظرة إليهم كـ"عبء" لأنّ الواقع مغاير كثيراً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile