ستكون هناك جائحة أخرى خلال حياتك بعد جائحة كوفيد-19، وسوف تكون أخطر من سابقتها بكثير. والسبب… مناصرو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
حتى لا تقول إني أبالغ، عزيزي القارئ، فالهدف من هذا المقال أن أشرح لك وجهة نظري بعد متابعة حثيثة لهذا الموضوع في أمريكا خلال السنوات الماضية، وحجّتي التي تقوم على أسس عدة.
أولاً، ستكون هناك جائحة جديدة خلال حياتك في العقود القادمة، ووتيرة انتشار أمراض جديدة تتزايد، وقد اتفق كثير من العلماء على ذلك بعد دراسة وتيرة هذه الجوائح، وازدياد معدلات تطوّر الفيروسات، والانتشار العمراني في مناطق جديدة تعج بحيوانات برية. هذه بعض من العوامل التي تزيد احتمالات انتشار جائحة جديدة في العقود القليلة المقبلة. هذا أسهل الشقين في فرضيتي إثباتاً من غيره.
الجائحة المنتظرة ستكون أخطر من سابقاتها، والسبب في ذلك هم مناصرو دونالد ترامب، وهذا يحتاج شرحاً حول "العِلم" ومعناه في أمريكا اليوم وتبعاته على العالم بأسره
أما ثانياً، وثالثاً، فإن هذه الجائحة المنتظرة ستكون أخطر من سابقتها، والسبب في ذلك هم مناصرو دونالد ترامب، وهذا يحتاج شرحاً، وقصة حول "العِلم" ومعناه في أمريكا اليوم تحت إدارة وزارة الصحة الجديدة.
وزير الصحة الأمريكي ومعتقداته
المسؤول عن النظام الصحي في أمريكا اليوم هو روبرت كينيدي جونيور، وهو من أغرب الشخصيات في الإدارة الحالية، وأكثرها تورّطاً في الفضائح، وافتعال المشاكل. بعيداً من تاريخه المشبوه، فهو يؤمن بمعتقدات متعلّقة بالصحة لا أساس علمياً لها، وتقوم على البحث، والبرهان.
من بين هذه المعتقدات شرب الحليب غير المبستر، وتفضيل فوائد الدهن الحيواني على الدهن النباتي، وأكل جيف الحيوانات، كما يؤمن بمضار غير مثبتة لمادة الفلورايد في الماء. لكن أحد أخطر معتقداته قد تكون اعتقاده بـ"أضرار اللقاحات كلها"، بل وقناعته بالخرافة التي تزعم أنها تسبّب زيادة أعداد من يعانون طيف التوحد من المواليد، والتي دحضتها الأبحاث مراراً وتكراراً.
وبدلاً من أن يستقل كينيدي بمعتقداته عن الآخرين، فقد اختار أن يجعلها جزءاً أساسياً من حملته الانتخابية عندما أراد الترشّح لرئاسة أمريكا. امتياز عائلته لم يساعده في التغلّب على سمعته السيئة، فهو ابن المرشح الديمقراطي المعروف روبرت كينيدي الذي قُتل في أمريكا في ستينيات القرن الماضي، وعمه الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي الذي قتل أيضاً.
كل ما سبق يجعل منه سليل عائلة تكاد تكون "ملكيّة" في أمريكا، وقد اعتمد تماماً على اسم عائلته في مسيرته المهنية، وفي محاولاته الانخراط في الحياة السياسية. لكنه سرعان ما أدرك أنه لن يستطيع أن يجاري ترامب في شعبيته. كما أن اختياراته السياسية والأخلاقية وضعته في مواجهة معظم أفراد عائلته التي ينتمي أغلب أفرادها إلى الحزب الديمقراطي. لذلك اختارت عائلته الممتدة، وأبناء عمومته، أن تدعم الرئيس السابق جو بايدن، على أن تدعمه في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
وجد ترامب في معتقدات كينيدي المتعلقة بالصحة فرصةً لإرضاء جمهوره من المحافظين. هؤلاء المناصرون لا يريدون أخذ التطعيمات ضد الأمراض بسبب تصديقهم للخرافات عن مضاعفاتها الوهمية، ويرفضون سبل الوقاية من الأمراض المعدية كالحجر الصحي، ولا يؤمنون بفوائد البقاء في المنزل لحماية الآخرين، بل يعدّون ذلك تعدّياً على الحرية الشخصية. ويؤمنون في المقابل بسبل علاج بديلة لم يثبت العلم صحتها. فأنتج اتحاد ترامب وكينيدي شعار "لنجعل أمريكا صحّية مرة أخرى" أو MAHA في محاكاة لشعار حملة ترامب الانتخابية "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" أو MAGA.
بينما ينشر وزير الصحة الأمريكي، كينيدي، فيديوهات دعائية على أنغام موسيقى الروك وهو يشرب الحليب غير المبستر، ويمارس الرياضة في الساونا، تحت شعار وزارة الصحة، أجرى أيضاً تغييرات كبيرة في النظام الصحي الأمريكي. قد لا يهمنا تأثير هذه التغييرات كثيراً في الدول العربية، إلا أن أحد أخطر هذه التغييرات على المدى الطويل، يكمن في سحبه تمويل البحوث الخاصة بلقاحات mRNA المطوَّرة في عام 2025، وإيقافه لدعم أبحاث الجامعات في حقول لا تهتم شركات الأدوية عادة بها كثيراً مثل الإيدز والألزهايمر.
يأتي هذا التغيير في السياسة بعد عقود أنفقت فيها الحكومة الأمريكية بسخاء أكثر من 30 بليون دولار على تطوير لقاحات mRNA منذ عام 1985. يعني ذلك أن الحكومة أسهمت بنحو عشرة أضعاف ما أنفقته شركات الأدوية الكبرى على تطوير هذه اللقاحات، والتي أثبتت فاعلية خاصة في مكافحة جائحة كوفيد-19.
لقاحات mRNA تحديداً أثبتت أفضليتها بسبب سهولة تعديل الشيفرة الجينية للّقاح بسرعة وكلفة أقل من اللقاحات التقليدية، مما يسمح بتطوير اللقاح بشكل مستمر أمام تحوّرات أو طفرات الفيروسات المعدية. وقد يقول قائل إن العالم كان قد يستطيع الاعتماد على الصين، وروسيا، وأوروبا لسد هذه الحاجة. لكن الواقع ليس بهذه البساطة إذ ساهمت حكومة الولايات المتحدة على مدى عقود بنحو نصف الميزانية العالمية للبحوث الطبية بغرض تطوير اللقاحات والأدوية.
الهيمنة الأمريكية
جاء تطوير لقاحات الـmRNA ليكون لها الأثر الأكبر في حماية الملايين من جائحة كوفيد-19. هذا الاختراق لم يأت إلا بعد عقود من العمل والتجربة بدعم أمريكي. الصين وروسيا لم تستثمرا بهذا القدر في تطوير تكنولوجيا العقارات، واعتمدت لقاحاتها كورونا فاك (أو سينوفاك) الصيني، وسبوتنيك الروسي على طرق تقليدية.
إذا ما اختفى هذا الدور الأمريكي، فستواجه شبكات تصنيع وتوزيع اللقاحات في أوروبا، والصين، وروسيا تأخّراً حقيقياً في محاولة تصنيع لقاحات الـmRNA وخسائر أكبر في الأرواح. وستكون الصين في هذه الحالة الدولة الأقدر على رفع مستوى الإنتاج لإرضاء الطلب العالمي.
خلال جائحة كورونا قدّر علماء أن اللقاحات أنقذت ما بين 14 إلى 20 مليون إنسان حول العالم من الموت. وإذا ما أخذنا بالاعتبار بأن أكثر من 7 ملايين إنسان ماتوا بسبب فيروس كورونا حتى عام 2026 بحسب منظمة الصحة العالمية، تعطينا فكرة عن ضرورة توفير اللقاح بسرعة، وخصوصاً بتقنية mRNA التي كان بإمكانها الاستجابة بسرعة لمتحوّرات كورونا. لكن هذه الحقيقة لم تكن في حسابات الرئيس ترامب.
القيادة في الاتجاه المعاكس
إذا ما نظرنا إلى تأثير سياسات ترامب على الحظر الصحي خلال ولايته الأولى، والممارسات المغلوطة الشائعة في أثناء فترة جائحة كورونا، فسنجد أن التأثيرات كانت في أغلبها سلبية. فقد وقف ترامب ضد اتِّباع التعليمات الطبية في خطاباته وتوجيهاته الفيدرالية. ترك لكل ولاية الحق في تنظيم شؤونها حول طريقة التعامل مع الجائحة. أدت هذه السياسات إلى تبنّي دول أخرى ذات تعداد سكاني كبير مثل البرازيل، والمكسيك، النموذج الأمريكي. كما ظهرت في نيجيريا حالات تسمّم كثيرة بدواء كلوروكين للملاريا بعد أن ادّعى ترامب - دون أي دليل علمي - أنه فاعل ضد فيروس كورونا.
وفي داخل أمريكا، بدأت ولايات ذات أغلبية محافظة بعد أسابيع قليلة من انتشار الوباء في تخفيف تعليمات الحظر، وتعميم الإرشادات حول الأقنعة الطبية، وسمحت بإعادة فتح المطاعم والخدمات غير الأساسية. وظهر ذلك جلياً أكثر مع نهاية عام 2020 وانتشار متحوّر دلتا قبل توافر اللقاحات. عندما عادت موجة جديدة من الجائحة مع متحوّر دلتا، استنفرت الولايات ذات الأغلبية اليسارية، بينما لم تقم ولايات محافظة بأي إجراء، بل وطلبت من المدارس أن تفتح أبوابها للطلاب وجاهياً.
إذا ما كنا نعرف شيئاً عن فيروسات مثل كورونا، فهو أن مفهوم "المناعة الجماعية" من دون مساعدة اللقاحات لا ينفع، وذلك لسببين، السبب الأول هو أن فيروس كورونا - على عكس الحصبة مثلاً - يتسارع بكثرة وينتقل بسهولة من شخص إلى آخر. هذا يجعل من تحقيق المناعة بشكل طبيعي مهمة شبه مستحيلة أمام الطفرات المتعدّدة للفيروس.
والسبب الآخر هو أن طبيعة فيروس كوفيد أنه يستقر في أجزاء كالأنف والحنجرة قبل أن يدخل إلى دم الإنسان، بما يصعِّب على الجسم "تذكّر" الفيروس وتوليد مناعة كافية ضده. لذلك، فبالإضافة إلى اللقاحات، فإن ضرورة الحجر الصحي مهمة جداً للحد من إمكانية تحوّرات الفيروس، فيما تبقى اللقاحات الضمان الأكبر لإعطاء فرصة للجسم البشري لتوليد مناعة طويلة الأمد.
الأزمة ليست في ثُلّة من المهووسين بـ"الصحة البديلة"، والممارسات التي تفتقر إلى الحجة والبرهان، بل في تفاقم تطرّف هذا الجمهور السياسي، والذي أصبح يريد أن يعيد تشكيل معنى "العِلم" ضمن المؤسسات البحثية والأكاديمية. ربما أكبر دليل على ذلك كتاب "في أثر كوفيد" الصادر عام 2025
لكن السياسات التي وضعتها أمريكا خلال ولاية ترامب الأولى، والتي قلّدتها دول أخرى، سمحت للفيروس بفرص أكبر للتحوّر والانتشار. بمقارنة سريعة، نجد أن الصين والهند، وهما تفوقان أمريكا من حيث عدد السكان، اتبعتا سياسات أكثر صرامة في الحجر الصحي. لكن في عالم متصل كعالمنا اليوم، تؤثّر السياسات الداخلية للدول العظمى على العالم كله، بما فيه الدول العربية فيما الفيروسات لا تعرف الحدود ولا المسافات أمام حركة المسافرين.
سياسات ترامب خلال الجائحة، ثم اختياره لوزير الصحة الحالي روبرت كينيدي جونيور خلال ولايته الثانية، سبّبا أضراراً كان يمكن تفاديها بسهولة، بل ومن شأنهما أن تسبّبا مشاكل جمة ممتدة الأثر في تطوير اللقاحات للتعامل مع أي جائحة في المستقبل. لكن المشكلة ليست في ترامب وكينيدي فقط، بل في التيار الذي انتخبهما. هذا التيار لن يختفي بعد انقضاء ولاية ترامب وكينيدي، بل إن خطره يتزايد.
فالأزمة ليست في ثُلّة من المهووسين بـ"الصحة البديلة"، والممارسات التي تفتقر إلى الحجة والبرهان، بل في تفاقم تطرّف هذا الجمهور السياسي، والذي أصبح يريد أن يعيد تشكيل معنى "العِلم" ضمن المؤسسات البحثية والأكاديمية. وربما يكون أكبر دليل على تبعات هذا التغيير كتاب صدر عام 2025، وعنوانه In Covid's Wake، أو "في أثر كوفيد".
"في أثر كوفيد"
مؤلفا هذا الكتاب هما أستاذا العلوم السياسية في جامعة برنستون الشهيرة في أمريكا، إحدى الجامعات الثماني المعروفة بالـIvy League لتميّزها الأكاديمي. وتقوم فكرة الكتاب على تقييم الإجراءات التي قامت بها أمريكا خلال فترة الجائحة، وعلى أن إجراءات الحجر الصحي، وارتداء الأقنعة، وإغلاق المدارس أتت بسلبيات على الاقتصاد والمجتمع أكثر من إيجابياتها، وأن الأفضل في جائحة مستقبلية عدم اتِّباع إجراءات السلامة الصحية.
لن أقوم بعرض شامل للكتاب فهذا يحتاج مقالة كاملة، لكن الكتاب يخدم خطاباً سياسياً بعينه. يتّبع هذا الخطاب توجّه "الوسطيين" في أمريكا الذين ينظرون بعين الشك أمام أي محاولة للتحكّم بسلوك الأفراد، ويُحَمّلون اليسار في أمريكا - والذي يزيد نفوذه لدى الشباب دون الأربعين - مسؤولية الاستقطاب السياسي، وأنهم مسؤولون عن ردة فعل المحافظين في التطرف نحو اليمين. أمام هذا الخوف من المجهول، يتحوّل الباحث هنا إلى بوق سياسي. بدلاً من أن يقترح فرضية ما، ويكون منفتحاً أمام النتائج حتى وإن لم تتوافق مع أهوائه السياسية، يحاول برأيي إثبات أطروحته بتغيير الحقائق، ونزعها من سياقها الطبي.
على سبيل المثال، يحاول الكتاب أن يقنعنا بأن بعض الدول مثل السويد لم تتخذ إجراءات الحجر الصحي، وأن هذا لم يؤثّر عليها. لكن هذا غير صحيح، لأنه يقارن بين السويد وأمريكا. عندما نقارن أرقام السويد بجيرانها مثل النرويج، وفنلندا، والدنمارك، نكتشف أن قرار السويد كان كارثياً.
مثال آخر، يحاول الكتاب أن يقنع القارئ بأن معدلات الوفيات في الولايات المحافظة لم تختلف عنه في الولايات والمدن الليبرالية، لكن انتقاء هذه الأرقام لا يأخذ بعين الاعتبار مثلاً أن المدن المهمة والتي تكتظ بالسكان مثل نيويورك وسياتل، وصل إليها الوباء أولاً، ومن ثمَّ انتشر فيها بسبب الاكتظاظ. وجرى انتقاء معظم "الأدلة" في الكتاب لإقناع القارئ الذي على الأرجح لن يقوم ببحث خاص للتحقّق من أن الإجراءات الصحية للحد من خطر الفيروس لم تكن مجدية.
تبنّت الصحافة الأمريكية الكتاب بقوة، وتغاضت عن المشاكل الجسيمة في محتواه. بل واعتبرته "وول ستريت جورنال" أحد أهم 10 كتب لعام 2025، وخصّصت "النيويورك تايمز" و"سي أن أن" أهم برامجها لمناقشة محتوى الكتاب مع مؤلفيهِ، وكان الحوار احتفالياً يتعامل معهما كأستاذين يقدّمان للجمهور خلاصة بحثهما، بدلاً من أن تكون مناقشة علمية ونقدية كما ينبغي.
فضلاً عن الإشكال الطبي، فهناك مشكلة أخلاقية في هذا الكتاب حيث أنه يتبنّى وجهة نظر تقلّل من أهمية البقاء في المنزل، والابتعاد عن الاختلاط في أثناء الجائحة، وتضع بدلاً من ذلك المصلحة الاقتصادية في الدرجة الأولى. ليس المهم هنا الحفاظ على حياة والديك، أو أقربائك المسنين، أو أحبائك الذين يعانون من أمراض مزمنة، والذين يهدّدهم الفيروس دون لقاح يحميهم. هؤلاء ضحايا يمكن الفداء بهم من أجل المصلحة الاقتصادية، لأن حياتهم لا تعني الكثير إذا ما قارنها الكاتبان بالتراجع الاقتصادي الذي سبّبته الجائحة.
إرضاء الطرف الآخر
كان تبنّي هذا الكتاب، رغم أنه يدرس طريقة التعامل مع الجائحة من جانب واحد دون نظرة شاملة، أمراً سهلاً بالنسبة إلى المحافظين في أمريكا حيث وجد فيه موالو الحزب الحاكم عِلماً مغايراً أنتجته واحدة من أكبر الجامعات في البلاد، كي يبرّروا رغبتهم في رفض الخيار الطبي، وإنقاذ أرواح الناس. من ناحية أخرى، وجدت الصحافة الأمريكية التقليدية في الكتاب فرصة لتدّعي أنها قادرة على الاستماع إلى الطرف الآخر وإرضائه. فالعديد من المسؤولين عن هذه الصحف والشبكات الإخبارية - حالهم كحال مؤلفي الكتاب - يخافون من التغيير الذي ينادي به اليسار في أمريكا.
التيار الذي أنتج معتقدات وزير الصحة الأمريكي الحالي، وحضّ مناصريه على رفض اللقاحات، لا يهمه أن يضحّي بأرواح الناس لتحقيق منفعة فردية، وهذا ما يثير المخاوف في حال حدوث أي جائحة جديدة في ظل وصول الدعم المالي للقطاع الصحي، وخصوصاً تطوير اللقاحات، إلى أدنى مستوى له
تعاملت شبكات الإعلام التقليدية مع الكتاب على أنه "عِلمي"، و"مدروس"، و"يستحق الشهرة والمدح". أما الكاتبان، فإنني أدّعي أنهما كانا يعرفان "من أين تؤكل الكتف". يقولان في الكتاب صراحة إن السياسة التقدّمية اختارت الاستقطاب والتعامي عن وجهات نظر مشروعة لدى المحافظين، لأنهما يعرفان أن هذا هو الجمهور الذي سيتبنّى الكتاب ويدعمه.
ولن أستغرب أن يتم استخدام الأرقام والإحصاءات التي يعرضها الكتاب بشكل مشوَّه كأداة لرفض اتباع أي من تعليمات منظمة الصحة العالمية عندما تضرب جائحة جديدة العالم. لأن التيار الذي أنتج معتقدات روبرت كينيدي جونيور، وحضّ مناصريه على رفض اللقاحات، لا يهمه أن يضحّي بأرواح الناس لتحقيق منفعة فردية.
ومن المهم هنا أن أعترف بأن هناك مشاكل جدّية في الطب الحديث. بين التشخيص الذي لا ينظر إلى المريض بشكل متكامل، وضيق الوقت الذي يمضيه الأطباء في التشخيص، والتكلفة المتزايدة للعلاج، والتقليل من شأن الأعراض الجانبية للأدوية، وفقر الموارد المتوافرة لاستباق المرض. يتم استخدام هذه المشاكل اليوم من التيارات المحافظة في العالم، إما للكسب المادي في علاج بديل قد يضر أكثر ما ينفع، أو للتملّص من المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية.
وإذا لم تسعَ دول مثل الصين لسد هذه الثغرة في تطوير اللقاحات، وإنتاجها على مستوى يغطي الاحتياجات العالمية، فإننا أمام مستقبل سيكون أكثر خطورة عندما تندلع جائحة جديدة حيث خسر القطاع الطبي الكثير من الدعم المالي الذي وصل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، بينما ترفض حكومة مسؤولة عن قرابة 350 مليون مواطن التقيد بإجراءات السلامة العامة، وتختار الترويج لـ"عِلم بديل" على أنه "حقيقي" و"صحيح".
في الوقت نفسه، تُصدر مؤسسات أكاديمية معروفة أبحاثاً وكتباً مشبوهة، وتسعى وسائل إعلام تقليدية إلى إرضاء جمهور المحافظين على حساب الحقيقة. كل هذه العوامل مجتمعة توجد فرصة سانحة أمام أي فيروس أو جرثومة تصيب البشر لتضاعف أعداد ضحاياها قبل أن يطوَّر اللقاح اللازم لإنقاذ حياتهم.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
