كيف يمكن التصدّي لعدو مجرم وصديق مفصوم؟

كيف يمكن التصدّي لعدو مجرم وصديق مفصوم؟

رأي

السبت 21 فبراير 20267 دقائق للقراءة

في هذا المقال، قرّرت أن أذكّر بالوضع القائم في غزة والضفة الغربية المحتلة، ليس من أجل استدرار العواطف، ولا من أجل استخلاص الحِكَم، ولا حتى من أجل المقارنات المملة التي لم يحصل أن خدمت المتفوّق وطنياً وأخلاقياً، أو حجّمت المتهوّر أو المتقاعس. لا شيء من كل ذلك، بل إن محاولة التذكير هذه ليست أكثر من جردة حساب حيادية، هدفها الأول والأخير هو التنبيه إلى ما نحن فيه ومحاولة فهمه وفهم نتائجه، لعل هذا الفهم -إن حصل- يقودنا إلى طريق آخر، أو على الأقل يدفعنا للبحث عن طريق غير الذي نسلكه.

ولا شيء يمكنه أن يغرينا للبحث عن طريق آخر، أكثر من فهمنا لما فعله بنا هذا الصراع الطويل. الصراع الذي من ضمن نتائجه المسبِّبة لليأس هي انحيازنا لخيارات قصيرة النَفَس تُرضي انفعال اللحظة، أو اختيارنا دائماً للمتاح من المسالك التي تشفي الغليل، لكنها تتسبَّب بخسارات طويلة ومؤلمة على المدى البعيد. خسارات تصبح حقيقة قائمة، تضطرنا أن نبدأ من عندها، لا من عند ما كنا عليه قبلها.

في مواجهة عدو يمتاز بقدر كبير من الهمجية الذاتية، ومن قدرة فائقة على إقناع العالم برؤيته، وتالياً تجنيد القوى المؤثرة لدعمه حتى وهو في أشد أطواره إجراماً وانحطاطاً، وأمام صراع طويل تعددت محطاته وطريقة تعريفه عربياً وعالمياً، صار السقف السياسي ذاته لدى الفلسطينيين محل تساؤل وحيرة دائمين

الحقيقة القائمة الآن، والتي نُذكّر بها رغم أنها ماثلة وليست في حاجة إلى تذكير، هي أن غزة مُسحت عن الأرض، كثيراً؟ قليلاً؟ بنسبة 80% أو بنسبة 15%؟ لنعتبر أن الأرقام غير مهمة وليست منطلقاً للتقييم. لكننا شئنا أو أبينا سنبدأ من هذه النسبة لا مما قبلها، هذا إن استطعنا البدء قبل تفاقم الحال وتزايد الأرقام والنِسب. غزة الآن بلا كهرباء، وبلا ماء صالح للشرب، بلا جامعات وبلا مستشفيات قادرة على تقديم الخدمة لأناس مرضى وجرحى ومنهكين، وغير قادرين على بناء جامعات ومستشفيات جديدة. غزة حتى بلا مساحتها السابقة، وبلا نسبة لا يُستهان بها من سكانها السابقين.

والحقيقة القائمة في الضفة الغربية ليست أفضل كثيراً؛ مخيّمات الشمال جرفت أجزاء كبيرة منها، وهُجّر سكانها. البوابات الحديد والحواجز العسكرية تزيد على 900 حاجز ونقطة إعاقة لحركة الناس، وفق ما تؤكده هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. جُرّدت السلطة وبلدياتها من صلاحيات ترخيص البناء ونقله إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، ورفعت السرية عن سجل الأراضي، وتغيير قوانين البيع والشراء التي كان معمولاً بها لعقود طويلة.

انفلات تام للمستوطنين وتوسّع غير مسبوق للمستوطنات القائمة وزيادة في عدد البؤر الجديدة في كل مكان وعلى رأس كل تلة في الضفة الغربية. يضاف إلى كل هذا منع الفلسطينيين من الوصول إلى حقولهم وأماكن رعي مواشيهم، بما يحوّل الحاجز من مكان للتفتيش الأمني إلى منظومة متكاملة لإدارة حياة الناس ووقتهم واقتصادهم، كما ويحوّل المستوطنين من سارقي أرض طارئين ورأس حربة لمشروع استيطاني مرفوض دولياً، إلى شركاء في إدارة الفضاء العام، أو حتى إلى محتكرين لهذه الإدارة.

بمعنى أنهم يتحوّلون من رأس حربة إلى الحربة كاملة، وبدل أن يتمتعوا بحماية الجيش الإسرائيلي المحتل وحكومته، يصبحون هم الجيش الذي يفرض السيطرة، وهم الحكومة التي تعيد توزيع الحقوق والموارد.

هل سنبدأ من هذه النقطة في المستقبل القريب أو البعيد؟ يبدو ذلك. وليس لأن اختيار البداية ترف نمارسه من بين خيارات كثيرة، بل لأن لا خيار آخر أمامنا، ولا إمكانية متوافرة للعودة إلى الماضي والبدء من عنده. أي أننا، وفي كل مرة نجد فيها أنفسنا أمام حقائق مفروضة على الأرض، نعيد ضبط مطالبنا وطرحها على طاولة العالم.

مرة تلو أخرى من إعادة الضبط هذه، وفي مواجهة عدو يمتاز بقدر كبير من الهمجية الذاتية، ومن قدرة فائقة على إقناع العالم برؤيته، وتالياً تجنيد القوى المؤثرة لدعمه حتى وهو في أشد أطواره إجراماً وانحطاطاً، وأمام صراع طويل تعددت محطاته وطريقة تعريفه عربياً وعالمياً، صار السقف السياسي ذاته لدى الفلسطينيين محل تساؤل وحيرة دائمين.

ورغم الانقسام السياسي الذي يبدو مسيطراً على المشهد بين الفصيلين الكبيرين، وهو انقسام بين رؤيتين لهذا السقف كما يتم التعبير عنه إعلامياً على الأقل، أي بين من يريد دولة في حدود السابع من حزيران/ يونيو 1967، ويسعى لذلك عبر الأطر السياسية وأدوات القانون الدولي، وعبر المقاومة الشعبية التي يمكنها أن تكسب العالم إلى صفه، وبين من يريد، أو يقول إنه يريد فلسطين كاملة غير منقوصة، ويسعى لذلك عبر الدخول في حروب وتحالفات مدعومة أيديولوجياً، إلا أننا لو تمعّنا في ما تحت هذا المشهد العام لوجدنا عشرات البرامج التي يستطيع أصحابها الدفاع عنها وتبريرها.

فهناك كتلة لا يُستهان بها تسعى وتروّج لفكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية، وهناك من لا مشكلة لديه مع عودة روابط القرى، البعض مع حكم ذاتي طويل تحت الاحتلال كخيار اضطراري، وفئة من أصحاب المصالح المرتبطة بهذا الاحتلال تتمنى لو يعود كاملاً، البعض مع تدويل القضية برمتها، والبعض مع هدنة طويلة تتيح له الاستفراد بحكم غزة، ولا نعدم هنا من يفضلون الخيار الأردني، أو من يفضلون القتال حتى آخر طفل من دون أن يطرحوا أي أفق أو هدف… وهكذا.

القصد هنا أن ما يظهر على السطح ليس بالضرورة أن يمثل تماماً ما يعتمل تحت طبقات متعددة أسفل هذا السطح، وهذه ليست إدانة للبرامج أو الرؤى المتعددة والمتباينة، بقدر ما هي محاولة لتشريح الحالة وعدم الاكتفاء بالإنكار وإغماض العيون كوسائل للعلاج أثبتت فشلها وما زالت تثبته كل يوم.

في المسافة الواقعة بين الامتثال والتكيّف، يستطيع عدونا اللعب وتحقيق أهدافه؛ هو يحقق انتصاره علينا، فنبدأ من حيث انتهى بأن نعيد صياغة الشعارات بما يتلاءم مع البداية الجديدة، ونعيد التكيّف بحسب الإمكانات المتبقية. قليلون هم من يناقشون التراكمات التي توصلنا في كل مرة إلى الحافة

هذه البرامج المتناقضة لا تخضع إلى نقاشات علنية، بل ولا يتم تبنّيها من أطر وازنة أو فصائل بعينها، لكنها موجودة في نقاش الشارع والمقاهي وبين النخب السياسية والثقافية. أما الغريب فعلاً فهو أن أصحابها على اختلاف طروحاتهم، يصدّرون خطاباً واحداً لا يمكن وصفه إلا بعلوّ النبرة وارتفاع السقف، وكأن الفضاء العام عبارة عن ورقة لا بد من ملئها بالشعارات التعبوية، بينما القناعات والمصالح وحتى الحياة اليومية في مكان آخر.

وهذا في حد ذاته هو ما ينتج فرداً مفصوماً، فمن ناحية هو يشعر بانتمائه إلى قضية كبيرة لا بد من أن تكون شعاراتها كبيرة، ومن ناحية أخرى لا يستطيع تحمّل تبعات هذه الشعارات على حياته الشخصية والعائلية. لذا فهو يبحث عما يقلل من خسائره ويحفظ استقراره ومستقبله، وفي الوقت عينه يحافظ على شرعية انتمائه بالشعار لا بالفعل.

أي أننا أمام نوع من الامتثال الذي يهدف إلى حفظ المكانة الوطنية، والتكيّف الذي يسعى إلى حياة طبيعية مؤمّنة الراتب والتعليم والصحة والسفر. وفي المسافة الواقعة بين الامتثال والتكيّف، يستطيع عدونا اللعب وتحقيق أهدافه؛ هو يحقق انتصاره علينا، فنبدأ من حيث انتهى بأن نعيد صياغة الشعارات بما يتلاءم مع البداية الجديدة، ونعيد التكيّف بحسب الإمكانات المتبقية. قليلون هم من يناقشون التراكمات التي توصلنا في كل مرة إلى الحافة، ولا قدرة لديهم، حتى الآن، بالتصدي لا لعدو مجرم ولا لصديق مفصوم.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image