في صباح التاسع عشر من أيلول/ سبتمبر 1995، بدا كل شيء عادياً تماماً في مطار مِهرآباد بطهران. أقلعت طائرة تابعة لشركة "كيش إير" في رحلة داخلية رقم 707، متجهة إلى جزيرة كيش، كواحدة من عشرات الرحلات اليومية التي تعبر السماء الإيرانية بلا ضجيج. لم يكن في المشهد ما يوحي بالاستثناء: ركاب، طاقم، مسار مألوف. لكن تلك الرحلة الهادئة، التي بدأت كأي رحلة أخرى، كانت على وشك أن تنقلب خلال ساعات إلى واحدة من أكثر حوادث الطيران غرابةً وتعقيداً في تاريخ المنطقة.
كانت الطائرة من طراز بوينغ 707-3J9C، وهي واحدة من الطائرات النفاثة الكبيرة التي شكّلت عماد الرحلات المتوسطة والبعيدة في تلك السنوات. على متنها 161 راكباً و12 من أفراد الطاقم، مزيج من وجوه عادية: عائلات، أطفال، مسافرون بين زيارة وأخرى، وربما آخرون في طريقهم إلى عطلة هادئة على شواطئ جزيرة كيش الشهيرة بأجوائها المناسبة لقضاء العطل.
بداية الرحلة ووقوع الاختطاف
غادرت الطائرة طهران نحو الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت إيران. وبعد مرور ما يقارب ساعة ونصف من الإقلاع، وفي حين كان الركاب يتبادلون الأحاديث أو يستمتعون بالرحلة، سمعوا إعلاناً عبر مكبرات الصوت داخل قمرة الطائرة يفيد بأن الرحلة قد تعرضت لعملية اختطاف. لم تتضح في البداية تفاصيل ما يجري، لكن الرعب بدأ يتسرب إلى النفوس.
المثير أن الخاطف لم يكن شخصاً غريباً عن الطائرة، بل أحد أفراد الطاقم نفسه؛ المضيف رضا جباري، رجل إيراني في الثلاثينيات من عمره. وفق مصادر متعددة، كان جباري يحمل سلاحاً نارياً (مسدساً) وتمكن من السيطرة على الطائرة وأجبر الطيارين على تغيير مسار الرحلة.
على خلاف كثير من حوادث الاختطاف المعروفة التي تحمل أهدافاً سياسية أو أيديولوجية، بدا دافع جباري شخصياً في المقام الأول. فقد عبّر في تصريحات لاحقة عن استيائه من حياته في إيران ورغبته في الهروب وطلب اللجوء في الخارج، في خطوة كانت مفاجئة دون دعم تنظيمي أو خلفية سياسية واضحة.
من المطالب إلى الوقود
ما إن أُعلن عن عملية الاختطاف حتى وجد الطيارون أنفسهم أمام معضلة حقيقية: الخاطف طالب بالتوجّه إلى إحدى الدول الأوروبية طلباً للجوء، بينما الطائرة، التي كانت في رحلة داخلية قصيرة، لم تكن تحمل من الوقود ما يكفي لعبور هذه المسافة الطويلة. بين مطلب مستحيل وحدودٍ تقنية لا يمكن تجاوزها، بدأ التوتر يتصاعد داخل قمرة القيادة.
أجرت الطائرة سلسلة من الاتصالات مع مراقبي الحركة الجوية والقواعد الإقليمية طلباً للإذن بالهبوط في دول قريبة. طلب الطاقمُ الهبوطَ في السعودية والأردن، ووجه بالرفض.
وبينما استمر العد التنازلي لمستويات الوقود التي كانت في انخفاض حاد، أصبحت الخيارات المتاحة تقل بسرعة، ما وضع الطائرة وركابها في وضع حرج للغاية.
وفق روايات منشورة لاحقاً، حتى العاهل الأردني الملك حسين أبلغ بشكل مباشر القيادة الإسرائيلية بما يجري، محذراً من احتمال سقوط الطائرة في الصحراء إذا لم يُسمح لها بالهبوط.
خيار غير متوقع… إسرائيل
في تلك اللحظة الحرجة والحاسمة، وبعد أن أغلقت الدول المحيطة أبوابها في وجه الطائرة، برز خيار لم يكن مطروحاً أصلاً: التوجه إلى إسرائيل؛ بلد لا تربطه بإيران أي علاقات دبلوماسية، بل يقف معها في خصومة معلنة منذ 1979، عام انتصار الثورة الإسلامية في إيران. بدا القرار صادماً للجميع، من الركاب والطاقم، والإيرانيين عامة، وحتى للخاطف نفسه؛ كأن الرحلة انحرفت فجأة من مسارها الجغرافي إلى منطقة سياسية شديدة الحساسية.
رغم السياسة الإسرائيلية التقليدية القاضية بعدم التعامل مع مثل هذه الحوادث خارج نطاقها، اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إسحاق رابين، قراراً استثنائياً بالسماح للطائرة بالهبوط، تفادياً لكارثة إنسانية محتملة في حال توقف الوقود وانفجار الطائرة.
الهبوط في صحراء النقب
تم توجيه الطائرة إلى قاعدة "عوفدا" الجوية العسكرية في صحراء النقب، وهي منطقة نائية بعيدة عن التجمعات السكانية الكبيرة، تحسباً لأي تهديد أمني أو لوجستي، خاصة أن شكوكاً كانت هناك في إمكانية وجود متفجرات على متن الطائرة أو دوافع غير واضحة لدى الخاطف.
هبطت الطائرة في القاعدة بسلام، وتم إجلاء الركاب تدريجياً تحت إشراف القوات الإسرائيلية. وبعد نحو ساعة من الهبوط، استسلم الخاطف دون مقاومة، وتم اعتقاله من قبل الأمن الإسرائيلي.
ردود فعل الركاب ودخول السياسة
كان رد فعل الركاب تجاه اكتشاف أنهم في إسرائيل صادماً في حد ذاته. فقد جاء العديد منهم من خلفيات إعلامية وسياسية تتلقى خطاباً معادياً لإسرائيل. وكانت الصدمة مضاعفة عندما شاهدوا لافتات باللغة العبرية داخل القاعدة ووجوه الجنود الإسرائيليين الذين قدموا لهم الطعام والماء.
لم تتوقف الأحداث عند هذا الحد، فقد دخلت القضية بُعداً سياسياً واسع النطاق: في طهران، أصدرت وكالة الأنباء الرسمية اتهامات لإسرائيل بالضلوع في الحادث، ووصفت الحادث بأنه "مؤامرة إسرائيلية"، وتأكيد على طبيعة إسرائيل الإرهابية. ورغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بين إيران وإسرائيل، طالبت إيران باستعادة الطائرة وركابها، بالإضافة إلى تسليم الخاطفين. وانتقد صادق خرازي، مندوب إيران لدى الأمم المتحدة، إسرائيل لاحتجازها ركاب الطائرة كرهائن، واصفاً الحادث بأنه "مؤامرة صهيونية مدبرة". وأدان علي أكبر ناطق نوري، رئيس البرلمان، استجواب إسرائيل للركاب، وهتف النواب "الموت لإسرائيل".
أما في إسرائيل، فقد صرح إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بأنه رفض السماح للطائرة بالهبوط في العاصمة لاحتمال وجود قنبلة على متنها، وأنه نقلها إلى منطقة غير مأهولة، لكن سياسته لم تكن مساعدة الخاطفين. وفي ما يتعلق بسبب السماح بالهبوط، أضاف: "أُبلغتُ بأن الطائرة على وشك نفاد الوقود، ولم أُرِد أن أُحمَّل مسؤولية تحطم طائرة مليئة بالركاب".
بعد هبوط الطائرة، ضغط عدد من أعضاء البرلمان الإسرائيلي على الحكومة لإبقاء الطائرة وركابها في إسرائيل مقابل معلومات من إيران عن رون أراد، مساعد الطيار المفقود في الجيش الإسرائيلي، والذي أسقطت طائرته على يد مقاتلين إيرانيين في لبنان قبل تسع سنوات. صرّح الجنرال آمون شاحاك من الجيش الإسرائيلي بأن إسرائيل لن تُعيد الخاطف إلى إيران وستبقيه رهن الاحتجاز لديها.
أمّا عائلة رون أراد فقد استغلت الحدث للتذكير بقضية ابنها، حتى أنها قامت باستغلال الطائرة نفسها لوضع ملصقات وعبارات تطالب بالإفراج عنه وعرض مصيره على الساحة الإعلامية في إسرائيل.
العودة إلى طهران وما حدث للخاطف
في اليوم التالي، 20 أيلول/ سبتمبر 1995، قررت السلطات الإسرائيلية إعادة الطائرة وجميع الركاب وأفراد الطاقم إلى طهران، باستثناء الخاطف وجميع من كانوا قد طلبوا اللجوء السياسي داخل إسرائيل، وهو ما تقرر السماح به في حالات محدودة.
وصلت الطائرة إلى إيران برفقة أكثر من 160 راكباً، بينما بقي عدد محدود من الركاب الذين قدموا طلبات للجوء في إسرائيل.
بالنسبة لـ رضا جباري، فقد خضع للمحاكمة في إسرائيل وأدين بتهم متعددة منها الاختطاف غير القانوني للطائرة. وصدر بحقه حكم بالسجن ثماني سنوات، قضى منها نحو أربع سنوات قبل أن يُفرج عنه. بعد الإفراج نال جباري حق اللجوء في إسرائيل، وشرع في بناء حياة جديدة، وتحولت قصته لاحقاً إلى واحدة من القصص التي يتناولها الإعلام باعتبارها حالة فريدة من نوعها.
في عام 2006، أفادت وسائل إعلام إيرانية، نقلاً عن وزارة الاستخبارات، باعتقال "رضا جباري" على الحدود الإيرانية التركية، لكن لم يتم تأكيد هذا الخبر رسمياً.
في عام 2002، أُنتج فيلم "السجين 707" من إخراج الإيراني حبيب الله بهمني، استناداً إلى الحادثة. وفي مايو 2025، أنتجت مجموعة صناعة الأفلام الوثائقية الإيرانية المسماة Rim Film فيلماً وثائقياً عن عملية الاختطاف بالتعاون مع ركاب الرحلة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
