حكاية لم تُذكر في كتب الفقه… كيف تكونت علاقة المصريين بآل البيت؟

حكاية لم تُذكر في كتب الفقه… كيف تكونت علاقة المصريين بآل البيت؟

ثقافة

الاثنين 30 مارس 20268 دقائق للقراءة

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية حالة من الجدل بسبب دعاء خطبة عيد الفطر التي ألقاها رئيس القطاع الديني في وزارة الأوقاف في مسجد الفتاح العليم بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث جاء في هذا الدعاء "اللهم يا رب بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسر الكامن فيها لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك". أثار ذلك الجدل نقاشًا واسعًا حول مكانة آل البيت في المُتخيل الجمعي المصري.

في الحقيقة، قلّما نجد علاقة بين مجتمع بشري ورموز دينية اكتسبت هذا القدر من الاستمرارية والعمق، كما هو الحال في علاقة المصريين بآل البيت. فهي ليست علاقة مذهبية خالصة، ولا هي مجرد امتداد تقليدي لمحبة قرابة النبي، بل هي بناء مركب تشكّل عبر قرون من التفاعل بين السياسة والتدين الشعبي والذاكرة الجمعية. وإذا كانت مجتمعات أخرى، كالعراق وإيران، قد صاغت علاقتها بآل البيت في إطار حالة الصراع السياسي والمذهبي، فإن مصر قد أعادت إنتاج هذه العلاقة في إطار مختلف: إطار الاحتضان العاطفي والتديّن الشعبي. ومن هنا تنبع خصوصية التجربة المصرية، التي لم تُشيّع آل البيت، لكنها في الوقت ذاته لم تُفرغهم من حضورهم، بل جعلتهم جزءاً من روحها الثقافية.

لحظة الدخول… من الرواية التاريخية إلى التأسيس الوجداني

لا يمكن فهم علاقة المصريين بآل البيت دون العودة إلى لحظة التأسيس، حيث بدأت مصر تستقبل، واقعياً أو رمزياً، آل البيت. من أشهر النماذج الدالة على الخلط بين الواقعي والرمزي في استقبال المصريين لآل البيت قصة مرور السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب على مصر في 61هـ.

بحسب التقليد الشائع فإن زينب مرت على مصر بعد أن خرجت من الشام، حيث لملمت حفيدة النبي في أرض المحروسة جراحها بعد فاجعة كربلاء، قبل أن تتابع رحلتها الطويلة إلى العراق والحجاز. على الرغم من شهرة تلك القصة، فلا يمكن التأكد من موثوقيتها التاريخية. من المعروف أن زينب وابن أخيها، علي زين العابدين بن الحسين، قد تم أسرهم عقب كربلاء، وتم ترحيلهم إلى دمشق للعرض على الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، قبل أن يعودوا أدراجهم إلى كربلاء مرة أخرى لزيارة جثمان الحسين بن علي.


لم تكن علاقة المصريين بآل البيت علاقة مذهبية خالصة، بل تشكّلت عبر قرون من التفاعل بين السياسة والتديّن الشعبي والذاكرة الجمعية



الخلط بين الواقعي والرمزي تمثل بشكل أكثر وضوحاً في مراسيم نقل رأس الحسين بن علي إلى مصر زمن الفاطميين. أورد تقي الدين المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" حديثه عن مشهد الحسين في القاهرة، مشيراً إلى الاعتقاد بنقل رأسه إليها، وهو ما جعل القاهرة مركزاً رمزياً للحضور الحسيني؛ ما يعكس طبيعة الوعي الوسيط، حيث تتداخل العقيدة بالتقاليد الشعبية.

في السياق نفسه، يذكر ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" أن المصريين كانوا يعظمون مشاهد آل البيت، ويقصدونها للزيارة والدعاء والتبرك، وهو توصيف مباشر يكشف أن هذه العلاقة لم تكن نخبوية، بل كانت ممتدة في عمق المجتمع.

أما عبد الرحمن الجبرتي، فيقدم في "عجائب الآثار" وصفاً تفصيلياً لاحتفالات المصريين بموالد آل البيت، ويصف الاحتفالات العظيمة التي تُنظم بانتظام عند مشاهد الأولياء، خصوصاً مشهد الحسين والسيدة زينب. ما يكشف كيف تحولت هذه العلاقة إلى ممارسة جماعية واسعة.

في الحقيقة، لا تُفهم هذه النصوص فقط بوصفها تسجيلًا لوقائع، بل بوصفها تعبيراً عن بنية ذهنية. وهنا يقدّم جمال حمدان تفسيراً بالغ الأهمية في كتابه "شخصية مصر"، حين يصف المصري بأنه متدين تديناً وجدانياً، يميل إلى القداسة والبركة أكثر من ميله إلى الجدل العقلي والمذهبي. وهو ما يفسر لماذا تم استقبال آل البيت بوصفهم رموزاً روحية لا أطرافاً في صراع سياسي. وهكذا، فإن لحظة الدخول لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت لحظة تأسيس لوعي جديد، أصبح فيه آل البيت جزءاً من الذاكرة العاطفية للمصريين.

الفاطميون وإعادة تشكيل الذاكرة… من العقيدة إلى الثقافة

مع قيام الدولة الفاطمية، دخلت العلاقة بين المصريين وآل البيت مرحلة جديدة، اتسمت بمحاولة إعادة تشكيلها على مستوى الدولة والمجتمع. فقد اعتمد الفاطميون على الانتساب لآل البيت كركيزة لشرعيتهم، وهو ما أشار إليه العديد من المؤرخين من أمثال ابن الأثير في "الكامل في التاريخ"، وابن خلدون في "تاريخه". لكن الأثر الأعمق للفاطميين كان في المجال الثقافي؛ فقد أدخلوا منظومة واسعة من الاحتفالات والشعائر التي استمرت حتى بعد زوال دولتهم.

واللافت أن هذه الممارسات لم تختفِ مع سقوط الفاطميين، بل استمرت في شكل جديد. فقد أشار جلال الدين السيوطي في "حسن المحاضرة" إلى أن المصريين ظلوا يحتفلون بالمواسم المرتبطة بآل البيت، رغم عودة الإطار السني. في السياق نفسه، يشير علي مبارك في "الخطط التوفيقية" إلى انتشار أضرحة آل البيت في مصر حتى تكاد لا تخلو ناحية منها. وهنا تتجلى آلية التحول الكبرى: فقد تحولت العقيدة إلى ثقافة، والمذهب إلى ممارسة اجتماعية. فلم يعد الانتماء إلى آل البيت مسألة فقهية، بل أصبح تعبيراً عن التدين الشعبي.

من الملاحظات الجديرة بالذكر هنا، أن الوجدان المصري الباحث عن المخلص والمنقذ، قد وجد بغيته في بعض شخصيات آل البيت. من هنا، لم يكن من الغريب أن تُقحم تلك الشخصيات في الفلكلور والسيّر الشعبية. وأن تتجسد في قصصها بعض القيم المجتمعية السياسية. على سبيل المثال تبلورت تلك المعاني في قصة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والتي اشتُهرت في مصر باسم السيدة نفيسة.

بحسب ما تذكره الكثير من المصادر الإسلامية، فإن السيدة نفيسة قد قدمت إلى مصر بصحبة زوجها في 193هـ، وعاشت فيها لمدة خمسة عشر عاماً، حتى توفيت ودُفنت فيها في 208هـ، عن عمر يناهز الثلاثة وستين عاماً.

أخبار كرامات السيدة نفيسة وعطفها على أهل مصر، شاعت في التقاليد الشعبية المتوارثة جيل بعد جيل، ومن بين تلك الأخبار على سبيل المثال، أن النيل لما توقف في أوان الفيضان، وضجّ الناس بالشكوى، فإنها قد أعطتهم قناعها، وقالت لهم: "أرموه فيه"، فوفى النيل وفاضت مياهه. كذلك فإن بعض الكرامات المنسوبة للسيدة نفيسة قد عملت على إثبات أمومتها لجميع المصريين، سواءً كانوا من المسلمين أو الذمّيين، ومن ذلك أن جارة يهودية مشلولة أخذت بعضاً من ماء وضوء السيدة نفيسة، ومسحت به جسمها فشُفيت، وأسلم معها الكثير من يهود مصر.


استُقبل آل البيت في مصر بوصفهم رموزاً روحية جامعة، لا أطرافاً في نزاع سياسي أو مذهب




من جهة أخرى، عمل الوجدان الشعبي المصري على استغلال الزخم الكبير الذي تمتعت به صورة السيدة نفيسة كأم حنون، تحنو على أولادها، وتشفق عليهم، في إظهار بعض المواقف السياسية، والتي ظهرت فيها مظلومية المصريين على يد الولاة الظلمة، ومن هنا نجد أنه ورغم أن السيدة نفيسة قد توفيت بحسب أرجح الأقوال في 208هـ، قبل ما يزيد عن الأربعين عاماً من حكم أحمد بن طولون لمصر، إلا أن المخيال الشعبي قد اختارها لتظهر في صورة الأم الحنون التي تدفع الظلم عن المهمشين والمظلومين من أهل مصر، أولئك الذين تجرعوا مرارة الذلّ والجور في عهد ابن طولون، وظهر ذلك في وقائع اللقاء المُتخيل الذي جاء فيه أن السيدة نفيسة لما قابلت موكب أحمد بن طولون في أحد الطرقات، فإنها قد استوقفته وعاتبته، فندم ابن طولون وبكى، واعتذر لها وطلب منها المغفرة والصفح.

مصر وإيران… من التشيع السياسي إلى التديّن الوجداني

عند مقارنة الحالة المصرية بالنموذج الإيراني، تتضح الفروق البنيوية في العلاقة مع آل البيت. ففي إيران، كما يوضح الباحث الإيراني حميد دباشي في كتابه "السلطة في الإسلام الشيعي"، تمأسَسَ التشيع كهوية سياسية منذ العصر الصفوي، وأصبح إطاراً شاملاً للدولة والمجتمع. كذلك يؤكد الباحث الألماني ولفرد مادلونغ في كتابه "خلافة محمد" أن التشيع ارتبط تاريخياً بالصراع على السلطة، وهو ما جعل العلاقة مع آل البيت مشحونة بسردية المظلومية.

أما في مصر، فقد سارت الأمور في اتجاه مختلف؛ فكما يذكر السيوطي في كتابه سابق الذكر، عادت البلاد إلى المذهب السني بعد الفاطميين، لكن دون أن تختفي مظاهر محبة آل البيت. ويعلل جمال حمدان هذا التمايز بقوله: "إن مصر ليست مجرد ملتقى حضارات، بل هي بوتقة حضارية تذيب ما يرد إليها وتعيد صياغته في طابعها الخاص". فالشخصية المصرية إذن تميل إلى التوفيق لا الصراع، وإلى الامتصاص لا الإقصاء. ومن ثم، نشأ نموذج فريد يمكن وصفه بـ"التدين الوجداني"، حيث يجمع المصريون بين الانتماء السني الرسمي ومحبة آل البيت الشعبية، دون أن يتحول ذلك إلى انقسام مذهبي.

ويظهر هذا الفارق بوضوح في الطقوس، ففي حين تتركز الطقوس الإيرانية حول الحزن (عاشوراء)، تميل الطقوس المصرية إلى الفرح (الموالد). وهذا ليس مجرد اختلاف شكلي، بل يعكس اختلافاً عميقاً في بنية التدين.

من هنا، يمكن القول إن علاقة المصريين بآل البيت ليست مجرد امتداد ديني، بل هي بناء ثقافي عميق. قد دخل آل البيت إلى مصر في سياق تاريخي معقد، لكنهم تحولوا مع الزمن إلى رموز وجدانية جامعة. ومن هنا، فإن التجربة المصرية تقدم نموذجاً فريداً: كيف يمكن لذاكرة مثقلة بالصراع أن تتحول، في سياق مختلف، إلى مصدر للوحدة. وفي عالم عربي تتزايد فيه الانقسامات، تبدو هذه التجربة جديرة بالتأمل، لأنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن إعادة إنتاج الدين خارج منطق الصراع؟ والإجابة التي تقدمها مصر، ولو ضمنياً، هي: نعم، حين يتحول التاريخ إلى وجدان شعبي جمعي.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile