في أعقاب إطلاق "شات جي بي تي" بنهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، تجاوزت صناعة الذكاء الاصطناعي مرحلة السباق الكمي نحو بناء النماذج اللغوية الأضخم والأكثر عموميةً، لتشهد تحوّلاً بنيوياً نحو التنويع والتخصص الدقيق.
إعادة هندسة استراتيجية الهيمنة
لا يمكن قراءة هذا التحوّل باعتباره مجرد تطور عابر، بل هو إعادة هندسة لاستراتيجية الهيمنة لدى الشركات التكنولوجية الأمريكية، والتي يبدو أنها قد تخلت عن منطق "الفوردية"، وهو المبدأ الصناعي المرتبط بهنري فورد القائم على إنتاج نموذج واحد نمطي ضخم يُفرَض على الجميع لمصلحة منطق أكثر مرونة يتناسب مع ما أسماه عالم الاجتماع زيجمونت باومان الحداثة السائلة، أي تلك الحالة التي تتفكك فيها الكيانات الصلبة والثابتة إلى وحدات أصغر، سريعة التغير وقادرة على التشكُّل بحسب الحاجة والوظيفة.
وربما تُدرك الشركات التكنولوجية أن استدامة السيادة التكنولوجية الأمريكية تتطلب مغادرة فكرة النموذج الواحد الذي يفعل كل شيء، والانتقال إلى توظيف التقنية في سياقات وظيفية محددة.
بدلاً من الاعتماد على مركزية تقنية واحدة، يُعيد الذكاء الاصطناعي الأمريكي إنتاج نفسه عبر التخصص المرن، والذي يضمن له الوجود في كل قطاع على حدة، معززاً بذلك قدرته التنافسية ومرونته الاستراتيجية في آن واحد
فبينما تُبقي "أوبن إيه آي" على "شات جي بي تي" كنموذج أم، رائد عالمياً يتطور من فترة لأخرى، نجد غوغل تُعيد تنظيم بنيتها الإنتاجية وفق هذا المنطق السائل، فلا تكتفي بـ "جيميناي" مثلاً، بل تُفتته إلى نماذج فرعية متخصصة مثل (Veo 3) لقطاع الإنتاج المرئي، و(Nano Banana Pro) للمعالجة الصورية، و(NotebookLM) لإدارة المعرفة والمحتوى المسموع البودكاست أنموذجاً.
وفي خط موازٍ، طوّرت أنثروبيك نموذج (كلود)، الذي بالرغم من كونه نموذجاً عاماً يحاذي "تشات جي بي تي" و"جيميناي"، فإنه نجح في اكتساب هوية تخصصية عبر تفوقه النوعي في البيئة البرمجية، فيما دمجت "إكس إيه آي" نموذج غروك وظيفياً مع منصة إكس للتحليل الآني للبيانات. أما ميتا، فقد اعتمدت استراتيجية مزدوجة عبر نموذج للاما المفتوح المصدر، بالتزامن مع صعود كيانات تركز على المعرفة الخبيرة مثل "بيربلكسيتي إيه آي" في مجال البحث السريع عن المعلومات.
هذا التفتيت المنهجي للذكاء الاصطناعي يعكس وعياً متزايداً بأن منطق النموذج العام الشامل (One Model Fits All) ربما لم يَعُد صالحاً في سوق تتسم بالسيولة والتغير المستمر، فبدلاً من الاعتماد على مركزية تقنية واحدة، يُعيد الذكاء الاصطناعي الأمريكي إنتاج نفسه عبر التخصص المرن، والذي يضمن له الوجود في كل قطاع على حدة، معززاً بذلك قدرته التنافسية ومرونته الاستراتيجية في آن واحد.
دوافع التحوّل نحو النماذج المتخصصة
لم يأتِ التحوّل الأمريكي نحو النماذج المتخصصة من فراغ، بل يعكس تلاقي مجموعة من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية والسوقية التي جعلت التخصص خياراً أكثر عقلانية من المراهنة على نموذج شامل واحد.
1‐ الكفاءة وتقليص التكاليف التشغيلية: تُبرز النماذج المتخصصة ميزة الحجم الأصغر، حيث تعتمد غالباً على عدد أقل من المعاملات مقارنة بالنماذج العملاقة، مما يُقلِّل من الحاجة إلى وحدات معالجة الرسوميات باهظة الثمن.
ووفقاً لتقرير مشترك بين اليونسكو وجامعة كوليدج لندن في تموز/ يوليو 2025، فإن استخدام نماذج صغيرة متخصصة لمهام محددة، مثل الترجمة أو التلخيص، يمكن أن يقلل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 90% دون فقدان الأداء، مع سرعة استجابة أعلى واستهلاك أقل للطاقة، وهو ما يعني خفضاً مباشراً في تكاليف التشغيل والصيانة، كما أن النماذج الأصغر تُخفف من الأعباء المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية، بما يسمح للشركات الصغيرة والمتوسطة بالدخول إلى سوق الذكاء الاصطناعي من دون استثمارات ضخمة، في حين كان ذلك حِكراً على عمالقة التكنولوجيا.
وتتجاوز هذه الكفاءة البُعد المالي لتشمل البُعد البيئي أيضاً، إذ يُسهم تقليص استهلاك الطاقة في خفض البصمة الكربونية لمراكز البيانات، وهو ما يُلبي متطلبات الاستدامة المتزايدة من المستثمرين والجهات التنظيمية على حد سواء.
2‐ التحوّط الاستراتيجي وتنويع المسارات: تُمثِّل النماذج المتخصصة وسيلة للتحوّط ضد ما يُعرف بمخاطر التركيز (Concentration Risk)، وهو المفهوم الذي طرحه الباحث وليم مارسيلينو في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، مُحذِّراً من أن الاعتماد الأمريكي المُفرط على نموذج توسيع النماذج اللغوية الكبيرة قد يُشكّل مخاطرة استراتيجية في مواجهة المقاربة الصينية المتنوعة.
فبينما تُراهن الاستثمارات الأمريكية الكبرى على بناء نماذج أضخم بموارد حاسوبية أكبر، تتبنى بكين ما يُسمّيه مارسيلينو مقاربة المحفظة المتنوعة التي تشمل مسارات متعددة كالحوسبة العصبية (Neuromorphic Computing) والذكاء المستوحى من الدماغ (Brain-Inspired Intelligence) والذكاء المُجسَّد (Embodied AI).
ومن هذا المنطلق، قد تُوفّر النماذج المتخصصة للشركات الأمريكية بديلاً عملياً يُقلّل من الاعتماد على مسار تقني واحد.
3‐ الميزة التنافسية والتمايُز النموذجي: تُعزّز النماذج المتخصصة التفوق النوعي للشركات عبر تقديم أداء متميز في مجالات بعينها، وهو ما يُتيح لها اقتطاع حصص سوقية في قطاعات كانت تهيمن عليها الحلول العامة.
ففي هذا الإطار، تطوّر شركة Hippocratic AI الأمريكية نموذج الذكاء الاصطناعي Polaris، المكوَّن من مجموعة نماذج لغوية كبيرة مخصّصة للرعاية الصحية، والذي يركز على دعم اتخاذ القرار السريري والتفاعل مع المرضى في مهام غير تشخيصية، وقد اختبر آلاف الممارسين الصحيين هذا النموذج في سياقات سلامة وإرشاد سريري، مما ساهم في تحسين الكفاءة التشغيلية وجودة تجربة المرضى.
وفي القطاع المالي، حسَّن نموذج كلود من أنثروبيك فهمه لتقارير المحللين الماليين بدقة أعلى، حيث حقق Claude Sonnet 4.5 دقة 55,3% في معيار Vals AI Finance Agent benchmark. لكن التمايز الحقيقي لـ كلود لا يكمن في الأداء التقني فحسب، بل في قدرته على التحوّل الوظيفي عبر القطاعات الاستراتيجية الأكثر حساسية. ففي كانون الثاني/ يناير 2026، استُخدم كلود خلال العملية العسكرية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عبر عقد بـ200 مليون دولار مع البنتاغون، ليصبح أول نموذج ذكاء اصطناعي يُستخدم في عمليات مُصنفة. وبعد شهر واحد، أعلن غولدمان ساكس شراكة استراتيجية معه لإدارة الامتثال التنظيمي والمحاسبة، مما دفع "سي إن بي سي" للتأكيد أن هذا التحرك سيُسرّع من اعتماد الذكاء الاصطناعي عبر الصناعة المالية بأكملها.
هذا التخصص المرن يحوّل النموذج من مُنتَج تنافسي إلى بنية تحتية لا غنى عنها في قطاعي الأمن القومي والمال، مرسّخاً الهيمنة الأمريكية في القطاعات الأكثر حساسية.
ولا يقتصر هذا التمايز الاستراتيجي على تقليل المنافسة السعرية، بل يُتيح للشركات المتخصصة فرض أسعار أعلى مقابل قيمة مُضافة واضحة، مما يُعزّز استدامتها المالية على المدى الطويل.
4‐ تحسين جودة المخرجات وتقليل الأخطاء: تُرسِّخ النماذج المتخصصة ثقة المستخدمين عبر تقليص ظاهرة الهلوسة (Hallucinations) التي تُعَد من أبرز نقاط ضعف النماذج العامة، وتحقيق اتساق واقعي أكبر للمخرجات المنشودة.
ويظهر هذا الأثر خصوصاً في التطبيقات الطبية والتشريعية والمالية، إذ إن تقليل الأخطاء شرط محوري لفاعلية الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، إذ قد يُفضي خطأ واحد في تشخيص طبي أو استشارة قانونية إلى عواقب وخيمة.
وتُحقق النماذج المتخصصة هذه الدقة المُعززة عبر تدريبها على مجموعات بيانات قطاعية مُنقّحة ومُراجعة من خبراء المجال، بدلاً من الاعتماد على بيانات عامة واسعة النطاق قد تحتوي على تناقضات أو معلومات مُضللة، كما تُتيح البنية المُركّزة لهذه النماذج إمكانية اختبارها وتقييمها بشكل أكثر دقة ضمن نطاق تطبيقها المحدد، مما يُسهّل اكتشاف الأخطاء ومعالجتها قبل النشر. هذا التحسُّن في الموثوقية يُسهم في تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحساسة، ويُقلّل من المخاوف التنظيمية.
5‐ صعود المجمع التكنولوجي العسكري: لا يمكن قراءة الدعم السياسي المباشر من الإدارة الأمريكية لهذا التحوّل باعتباره مجرد تسهيلات اقتصادية أو تحفيزاً للسوق الحر، بل نحن أمام لحظة كاشفة يُعاد فيها تشكيل ما أسماه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور يوماً بالمجمع العسكري-الصناعي ليصبح مجمعاً تكنولوجياً عسكرياً بامتياز. وقد تجلت ملامحه في عشاء البيت الأبيض الذي استضافه الرئيس ترامب في 4 ايلول/ سبتمبر 2025، حيث تعهّد قادة وادي السيليكون، من بينهم مارك زوكربيرغ (Meta)، تيم كوك (Apple)، سام ألتمان (OpenAI)، سندار بيتشاي وسيرجي برين (Google)، ساتيا ناديلا وبيل غيتس (Microsoft)، بالإضافة إلى سافرا كاتز (Oracle) وليسا سو (AMD)، باستثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتجاوز 1,2 تريليون دولار، بحسب ما أوردت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز".
ولعل أبرز ما يُعزز هذا المشهد هو الصعود اللافت لجنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا (Nvidia)، فأصبح الحليف التقني الأكثر نفوذاً في واشنطن، متجاوزاً أدواراً تقليدية لعبها آخرون مثل إيلون ماسك وتيم كوك، إذ باتت رقائق إنفيديا تُستخدم كأداة مساومة في المفاوضات التجارية والدبلوماسية لضمان الريادة الأمريكية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم وعود ترامب بتسهيل التصاريح والإعفاءات الجمركية إلا باعتبارها إعادة هندسة للدولة لتصبح خادماً للبنية التحتية الرقمية، حيث تُلغى الحواجز البيروقراطية والبيئية، لضمان التفوق الردعي على الصين، ما يؤذن ببداية عصر يتم فيه تأميم أهداف وادي السيليكون لخدمة الأمن القومي الأمريكي.
تداعيات استراتيجية
إن هذا التحوّل النوعي في الاستراتيجية الأمريكية لا يقتصر تأثيره على السوق الداخلي، بل يمتد ليشكل تداعيات استراتيجية وجيوسياسية على المشهد التكنولوجي العالمي، ب خاصة في ما يتعلق بموازين القوى بين القوى الكبرى.
1- تعميق الفجوة التكنولوجية مع المنافسين: يُمثِّل التخصص الأمريكي تحدياً مضاعفاً للقوى المنافسة، وتحديداً الاتحاد الأوروبي والصين. فبينما يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات هيكلية في التمويل والبنية التحتية ويحاول بناء نماذج عامة للمنافسة، يأتي التحوّل إلى النماذج المتخصصة ليفرض على بروكسل وبكين ضرورة المنافسة على جبهات متعددة تتطلب استثمارات ضخمة في مجالات نوعية.
هذا التشتيت في جهود المنافسين يصب في مصلح الهيمنة النوعية الأمريكية، حيث تضمن الولايات المتحدة تفوقاً في النماذج العامة، عبر شركتي "أوبن إيه آي" وغوغل، وتفوقاً في النماذج المتخصصة، مما يعزز من التبعية التكنولوجية العالمية للحلول الأمريكية. ويزداد هذا التحدي تعقيداً في ظل القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة، مما يُجبر المنافسين على تطوير بدائل محلية بتكاليف أعلى وجداول زمنية أطول.
لكن الصين تتبع استراتيجية مختلفة، فبدلاً من محاكاة التخصص النوعي الأمريكي، تُراهن على التخصص الكمي عبر نماذج متعددة منخفضة التكلفة. في شباط/ فبراير 2026، أطلقت شركة بايت دانس نموذج Seedance 2.0 للفيديو، الذي قارنته وكالة "رويترز" بلحظة "ديب سيك" الثانية، مستهدفاً تعطيل صناعة المحتوى العالمية بنماذج تعمل بسدس إلى ربع تكلفة النماذج الأمريكية، وفق تقديرات مؤسسة راند. هذا الصراع ليس عن التفوق التقني، بل عن نموذجين متناقضين للهيمنة: أمريكا تسيطر على القمة (الجيش والمال)، الصين تستهدف القاعدة العريضة (الأسواق النامية وصناعة المحتوى) وكلاهما يستخدم التخصص المرن لكن بمنطقين اقتصاديين مختلفين.
2- صعود قوى تكنولوجية جديدة: يفتح انخفاض تكاليف النماذج المتخصصة الباب أمام ديمقراطية الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للشركات الناشئة المتخصصة أن تنافس عمالقة التكنولوجيا في مجالات محددة. هذا التطور يغير من موازين القوى الداخلية ويخلق طبقة جديدة من الشركات التي لا تعتمد على البنية التحتية الضخمة لعمالقة التكنولوجيا، بل على الابتكار النوعي في قطاعات محددة. هذا التمايز يضمن للولايات المتحدة مرونة استراتيجية أكبر، حيث تُوزع مخاطر الابتكار على عدد أكبر من الفاعلين، ما يعزز من قدرتها على استيعاب التطورات التكنولوجية السريعة. كما يُتيح هذا التنوع ظهور منظومة ابتكارية أكثر ديناميكية، تتغذى على التنافس البنّاء بين اللاعبين الكبار والصغار على حد سواء.
3- تحديات الأمن السيبراني والحوكمة: يفرض تنوع النماذج المتخصصة تحديات جديدة على أُطر الحوكمة والأمن السيبراني. فكل نموذج متخصص يُمثِّل نقطة ضعف محتملة جديدة، وتتطلب حوكمة هذه النماذج المتخصصة وضع أُطر تنظيمية دقيقة تختلف عن تلك المطبقة على النماذج العامة. هذا التحدي يضع ضغوطاً على المنظمات الدولية والحكومات لابتكار أُطر حوكمة مرنة قادرة على مواكبة سرعة التخصص، بخاصة في القطاعات الحساسة؛ مما يُمثِّل سباقاً بين الابتكار والتنظيم.
مآزق التخصص
برغم الدوافع الوجيهة والتداعيات الاستراتيجية الواسعة للتحوّل نحو النماذج المتخصصة، فإن هذا المسار يواجه مجموعة من المآزق، ويمكن إبرازها على النحو التالي:
1‐ محدودية النطاق وضيق التطبيق: تُصمَّم النماذج المتخصصة لأداء مهام محددة ضمن قطاع بعينه، مما يعني أنها قد تفشل في التعامل مع استفسارات خارج نطاق تدريبها. فعلى سبيل المثال، قد يُقدِّم نموذج طبي متخصص إجابات دقيقة حول تشخيص الأمراض، لكنه يعجز عن تقديم نصائح قانونية أو مالية ذات صلة بالحالة ذاتها. هذا القيد يفرض على الشركات الاعتماد على منظومة متعددة من النماذج المتخصصة، مما يُعقِّد عمليات التكامل ويرفع تكاليف الإدارة والصيانة.
2‐ تحديات جودة البيانات القطاعية: يتوقف أداء النماذج المتخصصة بشكل حاسم على جودة البيانات المُستخدمة في تدريبها. وفي قطاعات حساسة مثل الرعاية الصحية أو القانون، قد تكون البيانات المتاحة محدودة أو متحيزة أو خاضعة لقيود تنظيمية صارمة تحول دون استخدامها بحرية. كما أن تحديث هذه النماذج يتطلب الوصول المستمر إلى بيانات حديثة ومُراجعة، وهو ما قد لا يتوافر بالقدر الكافي في بعض المجالات المتخصصة، مما يُهدد بتقادُم النموذج وتراجع دقته بمرور الوقت.
3‐ مخاطر التجزئة والتشتت التقني: يُنذر الاتجاه نحو التخصص المُفرط بتجزئة منظومة الذكاء الاصطناعي إلى جُزر معزولة تفتقر إلى التكامل والتواصل. فكلما تعددت النماذج المتخصصة داخل المؤسسة الواحدة، زادت صعوبة تحقيق رؤية موحدة للبيانات والعمليات.
4‐ تعقيدات التكامل والتشغيل البيني: من المحتمل أن تواجه الشركات التكنولوجية التي تعتمد على نماذج متخصصة متعددة تحديات جوهرية في تحقيق التشغيل البيني بين هذه النماذج. فكل نموذج قد يعتمد على بنية مختلفة وواجهات برمجية متباينة وصيغ بيانات غير متوافقة؛ الأمر الذي يستلزم استثمارات إضافية في طبقات التكامل والوسائط البرمجية. هذا التعقيد التقني قد يُلغي جزءاً من المكاسب الاقتصادية المُتوقعة من التخصص، خاصةً بالنسبة للشركات الناشئة.
وعليه، يظهر التخصص المرن كاستراتيجية التفافية ذكية تضمن للريادة الأمريكية العبور من ضيق النموذج الواحد إلى سعة الهيمنة المتشعبة في مفاصل الدولة والأسواق. وهذا التحوّل ليس مجرد خيار تقني لتقليل التكلفة، بل هو إعادة تموضع سياسي يدمج وادي السيليكون في صُلب المجمع العسكري-المالي، محوّلاً الذكاء الاصطناعي من أداة معرفية إلى بنية تحتية سيادية.
وبرغم ما يفرضه هذا المسار من مآزق التجزئة وتحديات البيانات، إلا أنه يمنح واشنطن قدرة فائقة على تسييل تفوقها ودمجه في أدق تفاصيل القطاعات الحساسة. وبذلك، لا تفقد الهيمنة الأمريكية مركزيتها، بل تُعيد إنتاج نفسها في صورة وحدات وظيفية صلبة الأداء وسائلة الانتشار، تصعب ملاحقتها أو الفكاك من تبعيتها التقنية.
لا يمكن فهم وعود ترامب بتسهيل التصاريح والإعفاءات الجمركية إلا باعتبارها إعادة هندسة للدولة لتصبح خادماً للبنية التحتية الرقمية، حيث تُلغى الحواجز البيروقراطية والبيئية، لضمان التفوق الردعي على الصين، ما يؤذن ببداية عصر يتم فيه تأميم أهداف وادي السيليكون لخدمة الأمن القومي الأمريكي
ومن الجدير بالذكر أن التخصص المرن لا يقتصر على النماذج اللغوية، بل يمتد إلى الرقائق نفسها التي تُمثِّل مكوناً محورياً في عمل النماذج اللغوية ذاتها. ففي أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، خسرت إنفيديا 115 مليار دولار من قيمتها السوقية بعد كشف غوغل عن نجاح رقائق "تي بي يو" المتخصصة في تدريب نموذج جيميناي بالكامل، دون الاعتماد على رقائق إنفيديا.
هذا التحوّل من الرقائق العامة إلى الرقائق المتخصصة يعكس نفس منطق التخصص المرن، فبينما كانت إنفيديا تُراهن على رقاقة واحدة لكل شيء، نجحت غوغل في إثبات أن الكفاءة المتخصصة "تي بي يو" أرخص بمرتين، مصممة للذكاء الاصطناعي فقط، تتفوق على القوة العامة.
وعليه، تتشكّل تحالفات قطبية مما يمكن تسميته بالسيليكون السيادي داخل وادي السيليكون شيوع حالة من التنافس التعاوني بين الشركات، لتُهدد من هيمنة "إنفيديا" على 90% من سوق الرقائق، لنجد أن التخصص المرن يُعيد هندسة كل طبقات الصناعة، من النماذج اللغوية إلى السيليكون، وهو ما يعود بالفائدة على المجمع التكنولوجي العسكري الأمريكي والهيمنة التكنولوجية الأمريكية ككل.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
