بوليوود على النيل… هل ابتلعت الميلودراما الهندية واقعية الدراما المصرية؟

بوليوود على النيل… هل ابتلعت الميلودراما الهندية واقعية الدراما المصرية؟

ثقافة نحن والتنوّع

الثلاثاء 17 مارس 202610 دقائق للقراءة

على الرغم من الاستنكار والتعجّب من بعض المسلسلات خلال الموسم الرمضاني الحالي، تكرّر كما في أعوام سابقة لون غريب على الدراما المصرية التي اعتادت أن تخاطب جميع الطبقات بأسلوب ولغة حوار أقرب إلى الناس. تسلّل هذا النمط إلى المسلسلات ترافقه روح البلطجة والذكورية، مع المبالغة في الصراعات وردود الأفعال، وغرق في الميلودراما، متتبّعاً رحلةً تراجيديةً مأساويةً للأبطال، ولنا، كجمهور ونقاد، نتابع الأعمال بشغف.

هذه السمات تجعلنا نطلق على بعض الأعمال الدرامية صفة "دراما هندية"، ولكن الأعمال الهندية ليست غريبةً أو جديدةً على المشاهد المصري أو العربي. أذكر جيداً حكايات أمي عن تجمّع أسرتها يوم الخميس من كل أسبوع أمام التلفزيون لمشاهدة فيلم هندي. لم يكن مجرد فيلم أو حدث بسيط، ولكن في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، كانت قنوات التلفزيون المصري قليلةً، وكان الاطلاع على ثقافة مختلفة ومشاهدة أفلام مغايرة حدثاً لافتاً، بما في ذلك أفلام بوليوود وغيرها، التي فيها أغانٍ وميلودراما، يتأثّر معها المتفرج، تحديداً متفرج الطبقة المتوسطة الذي أصبح طبقةً دُنيا في ظل الأزمات الاقتصادية والتضخم المستمر. هذا المتفرج يشعر بمعاناة البطل، وكم هي مأساة تراجيدية تجعل إدرار الدموع سهلاً، حتى المبالغات التي كانت تجعل الجمهور المصري يضحك بدلاً من التأثّر.

فكم من بطل طُعن واستمر في ضرب الأشرار قبل أن تخرج روحه في النهاية، وكم من بطل تلقّى عدداً مهولاً من الرصاصات حتى أصبح جسده بمثابة مصفاة، لكن استمر في العراك والنيل من أعدائه. هذه المشاهد وغيرها، تجلب الضحك أكثر من التأثّر والبكاء والرثاء، وصولاً إلى مرحلة التحليل والوعي بأنّ ما كنا نتابعه قديماً من مبالغات هو أمر يدركه الشعب الهندي، وأسلوب أو لون مقصود للتخفيف عن المواطن.

محمد إمام وعمرو سعد ومصطفى شعبان من نجوم الصفّ الأوّل ولهم رصيد في قلوب المشاهدين، ولكن استمرارهم في اختيار الأعمال التي يمكن أن تنطبق عليها "الميلودراما الهندية" والتمسّك بدراما لا تشبه الناس، يهدّدانهم بفقدان هذا الرصيد

هل توقّف الهنود عند هذه المرحلة؟

لم يتوقّف الهنود في دراماهم عند هذه المرحلة. وكيف يتوقّفون وواقع الإنسان نفسه كتلة من المبالغات؟ وكيف لا تنتقل هذه المبالغات إلى الدراما التلفزيونية وتسلب عقول المشاهدين؟ المنافسة مع الدراما التركية محتدمة، وكلتاهما - الدراما الهندية والدراما التركية - تحملان من الميلودراما أطناناً، كأنه اتفاق ضمني أو منافسة على من سيجعل عيون المتفرجين تُصفّي ما لديها من دموع أكثر. بجانب المبالغة والصراعات المطولة في الحبكة وتتبّع رحلة البطل أو القصص الرومانسية المستحيلة، أضافت الدراما الهندية أسلوباً إخراجياً عجيباً، لن يجعلك تهتم أو تُميّز مخرجاً عن آخر.

فالأغلب إن لم يكن الجميع، يتّبع نفس الأسلوب الذي يقوم على وجود أزمة، ولكن المشهد لا يمر دون التوقّف أمام دهشة كل شخصية موجودة في الكادر أو خارجه. مبالغة في نقل الشعور وفي نقل المأساة، وهو أمر إما يجعل المشاهد يتأثّر ويندمج أكثر، أو يدفعه إلى ترك المسلسل في الخلفية فيما يقوم بمهام حياته دون اكتراث أو شعور بالذنب على إضاعة أي مشهد. فقد يقوم مشاهد بمهام منزلية عدة بينما البطل لا يزال يعافر ويهرول لإنقاذ حبيبته ومواجهة الأعداء والعائلة، وبعض الأشخاص الذين نطلق عليهم "مجاميع"، نرى نظرتهم جميعاً إلى الكارثة، واندهاشهم وفتحهم أفواههم. أو تشاهد بوعي زائد فتُسرع إلى قلب القناة عن المسلسل أو إطفاء التلفزيون تماماً.

هذا النمط الميلودرامي، الكوميدي أحياناً، إن كانت له فائدة منذ البداية، فهي الشعور بالطبقات المطحونة في المجتمع وسلب أذهان أفرادها وتفريغ شحنة الغضب بداخلهم، التي يرونها مجسَّدةً أمامهم على الشاشة. لكن على الشاشة أيضاً، يجري تعظيم شعور الدونية والظلم، بجانب أنّ الشخصيات أحادية الوصف، لا وجود للرمادي؛ إما شخص أبيض بريء، مغلوب على أمره، مطعون من جميع الحاقدين، أو شخصية سوداء شريرة تنغّص على البطل حياته. سمات تجدها في مسلسلات لممثلين أصبحت تتكرّر أسماؤهم كلّ موسم، فالمسلسل في حالاتهم يُكتب ويتم تسكين بقية طاقم العمل، وربما يتم التغيير في الكتابة بناءً على رغبة النجم الذي يُباع باسمه العمل. ومن هؤلاء النجوم أحمد العوضي، محمد رمضان، ومي عمر، ومصطفى شعبان، ومحمد إمام، وعمرو سعد.

ثلاثة في كفّة واحدة

يقدّم مصطفى شعبان هذا العام مسلسل "درش"، وهو عن شخص يعود إلى حارته بعد سنوات غياب، ولكنه يكتشف فقدان جزء من ذاكرته، ما يجعله متذبذباً بين حيوات عدة ويعاني صراع هوية، فلا يعلم من هو تحديداً وما ديانته. صراع فلسفي يُقدّم في المسلسل دون عمق حقيقي، بل يعاني المسلسل من المط والإطالة بلا داعٍ حيث بات طول البطل على مدار شهر رمضان، في ظل اتجاه نجوم مهمين إلى مسلسلات الـ15 حلقةً، بمثابة فخ. وباتت رغبة بعض النجوم في التواجد طوال شهر رمضان تتفوّق على الرغبة في تقديم عمل متقن يبقى في ذهن الجمهور بدلاً من إطالة تجعله يهرب.

عمرو سعد أيضاً حاضر بمسلسل "إفراج" الذي بدأ بحلقة أولى مشوِّقة ومثيرة، حيث زوج كان متهماً بقتل زوجته وأطفاله، يُفرَج عنه بعد 15 عاماً، ليكتشف بعد خروجه معلومات جديدةً تخصّ القتل وأنه بريء. ربما إذا أكمل المسلسل على نفس أسلوب الحلقة الأولى إخراجياً، ولم يقع في فخ الإطالة، لكان الآن من أعلى المسلسلات مشاهدة. ولكن هل ينجو "ملوك الجدعنة" - سعد وشعبان - من فخ تكرار نفسيهما؟

وملوك الجدعنة هو اسم المسلسل الذي قدمه البطلان معاً في رمضان عام 2021، وهو عمل آخر يمكن تصنيفه تحت "الميلودراما الشعبية" بكل مواصفاتها.

هذا العام أيضاً، يطلّ محمد إمام عبر مسلسل "الكينج" حيث يقدّم نسخةً "ماسخة" من كوميديا و"ريأكشنات" أحببناها من والده عادل إمام، وربما يمكن أن نحب شخصاً يقلّد الزعيم بهدف الإضحاك، حيث تحتمل الكوميديا تقليد شخصيات مميزة، ولكن إعادة تدوير شخصية الأب في أدواره في أعمال رثة سواء سينمائياً أو تلفزيونياً، أمر يجب أن يعيد محمد إمام التفكير فيه. فإن كان يحب التمثيل بصدق، سيعرف الطريق السليم سواء للأداء أو اختيار الأعمال المناسبة له.

الثلاثة، إمام وسعد وشعبان، نجوم صف أول ولهم رصيد في قلوب المشاهدين، ولكن بهذه الاختيارات والتمسّك بدراما "شعبية" لا تشبه الناس، وبوجود الكثير من الصوت العالي والعيون الجاحظة، سوف يفقدون رصيدهم لدى الجمهور.

خلال الموسم الرمضاني، لم نعُد نتابع المسلسلات التي تُعرض على شاشة التلفزيون والسجال حولها على المنصات الاجتماعية فحسب، ولكن نتابع أيضاً تبادل الاتهامات بين نجوم الصف الأول كما حدث بين المخرج محمد سامي والفنانة ياسمين عبد العزيز

الكفة الثانية

كل ميزان له كفتان، والكفة الثانية في هذه المسلسلات الدرامية التي نطلق عليها بضمير مستريح "دراما هندية" هي كفة الثنائي الأشهر المخرج محمد سامي وزوجته الفنانة مي عمر. لسنوات عدة على التوالي، من "الأسطورة" إلى "البرنس"، حيث البطل هو محمد رمضان المتربّع وحده في قلوب الجمهور الذي يغفر له كل هفواته وغروره واختياراته الشعبية حد التأثير على شباب لا يمتلكون عقلاً ناضجاً، ويقلدون "نمبر وان" دون تفكير.

حتى نصل إلى جعل مي عمر بطلة في عدد من أعماله: "لؤلؤ"، و"إش إش"، و"نعمة الأفوكاتو"، وفي العام الجاري تقدم مسلسلاً - "الست موناليزا" - من دون زوجها، في خطوة تحمل قدراً من التحرّر. فمشاهدة أدائها التمثيلي دون أن يرافقها اسم زوجها على العمل توضح أشياء عدة.

"الست موناليزا" من مسلسلات الـ15 حلقةً أيضاً، وسرعان ما انتهى العمل الذي تكفي متابعة حلقات عدة منه لإدراك وضوح بصمات محمد سامي فيه بسهولة. فنجد الشر المطلق للشخصيات التي تؤذي بطلته، والخير والسذاجة المفرطة للبطلة، والكثير من التعاطف مع موناليزا وأزمتها. المبالغات موجودة، ولكنه في النهاية حقق مشاهدات ملحوظةً، وهو ما جعل سامي يظهر عقب انتهاء المسلسل، ليتفاخر بالأرقام والمشاهدات والترتيب الذي حقّقه مسلسل زوجته، ما يعكس أن التحرّر من سلطة الزوج كان زائفاً ووهمياً حيث ظلّ سامي يضغط عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي على زملاء من الأبطال الآخرين، ما جعل الفنانة ياسمين عبد العزيز، الحاضرة في الموسم الرمضاني بمسلسل "وننسى اللي كان"، تظهر في الصورة ويتبادل الثنائي الاتهامات المباشرة والمبطنة حول مسلسل من منهما "رقم واحد"، ما جعل المنافسة تحتدم بين العملين، وجعل بعض الجمهور ينفر منهما.

خلق هذا حالةً لا نتابع فيها المسلسلات التي تُعرض على شاشة التلفزيون والسجال حولها على المنصات الاجتماعية فحسب، ولكن نتابع أيضاً تبادل الاتهامات بين نجوم الصف الأول، صراع ودراما لا تختلف عن الدراما الهندية التي نتحدث عنها هنا. بل عقد بعض المتابعين تشبيهات لما حدث بين سامي وياسمين، واعتبروا أنه لا يفرق كثيراً عن أحداث مسلسل "وننسى اللي كان"، الذي نرى فيه جليلة رسلان، تقوم بدورها ياسمين عبد العزيز، وهي فنانة تعاني من اكتئاب وأرق وصراع مع طليقها الذي جعل ابنتهما تكرهها، وتنضم له في مؤامراته الشريرة ضدها الممثلة المنافسة نهلة العبد، وتجسّد شخصيتها شيرين رضا.

خلال أحداث العمل، تقع النجمة في حب حارسها الشخصي بدر، ويقوم بدوره كريم فهمي. جزء من المؤامرات عبر حرب إعلامية وإلكترونية وتسريب فيديوهات وبلورة فكرة الجمهور الحقيقي للنجوم في مواجهة الجمهور المدفوع والصفحات الزائفة، ما جعل الجمهور يسخر من الصراع بين ياسمين ومي عمر والقول بأن "نهلة الحقيقية" ظهرت، حيث الدراما بين الممثلين توازي دراما المسلسلات نفسها، ولا تقلّ في صراعاتها، وتضخيم ما لا يستحق المتابعة.

رمانة الميزان

وفيما لكل ميزان رمانته، فإن الرمانة في هذا الميزان شديدة الميلودرامية والشعبية. يمكن النظر هنا إلى حالة الممثل أحمد العوضي الذي لا يقتنع ولا يستطيع التفريق بين أنه ممثل يمكنه التنويع في أدواره، وبين شخصيته الحقيقية التي يصرّ على إبرازها، حيث الرياضي الشهم ابن الأصول الجدع، وكل هذه الصفات "المثالية" التي لا تنتهي. وربما تكون هي نفسها الصفات التي جعلت ياسمين عبد العزيز تقع في حبه حين قدّما مسلسلات عدو معاً حتى انفصالهما في الواقع.

أثبت موسم 2026 أنّ الميلودراما الشعبية -أو الهندية- استحوذت على الدراما الرمضانية المصرية، وجعلت نجوم الصف الأول يتحكّمون في مسار الأعمال أكثر من النص نفسه، وظهرت بقوة المبالغات في الصراعات والردود العاطفية و"أزمة البطل المأساوية"

وفي الدراما، يغرّد العوضي حالياً بطلاً منفرداً في "حق عرب" و"فهد البطل"، وهذا العام "علي كلاي". أسماء الأعمال التي تحمل اسم البطل تحكي الكثير عن التشابه بين هذه الأعمال مهما اختلفت القصة أو اسم المؤلف والمخرج. فالبطل هنا، العوضي، وبعده تأتي المسابقات المالية المربحة التي يصنع بها تفاعل وقاعدة جماهيرية من مجتمع وبسطاء مطحونين، يتوحدون مع آلام البطل ويشعرون بحجم الظلم الواقع عليه.

أعمال العوضي تجعله "رمانة الميزان" ليس لأنها الأكثر اتزاناً أو الأفضل فنياً، ولكن لأنها النموذج المثالي لـ"الميلودراما الهندية".

ختاماً، يمكن القول إنّ موسم 2026 أثبت أنّ الميلودراما الشعبية -أو الهندية- استحوذت على الدراما الرمضانية المصرية، وجعلت نجوم الصف الأول يتحكّمون في مسار الأعمال أكثر من النص نفسه. المبالغات في الصراعات والردود العاطفية و"أزمة البطل المأساوية" أصبحت عناصر جذب وصدمة في الوقت نفسه، بينما الجمهور يتأثّر بعمق أو يضحك بشدّة أو ينصرف عن المشاهدة بوعي زائد. هذه الأعمال، من "علي كلاي" و"الست موناليزا" إلى "وننسى اللي كان" و"إفراج"، جميعها توضح كيف تتحوّل الدراما إلى استعراض للأبطال والنجوم بدلاً من سرد قصصي متوازن.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile