أكراد سوريا وجرح اللسانَين

أكراد سوريا وجرح اللسانَين

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 3 فبراير 20268 دقائق للقراءة

ما يجري في القلب يجري على اللسان. القلب مستودع العقل الأوّل والأخير، واللسان حارسه. غير أنّ القلب أسرع وأرقى، فيما اللسان مراوغ بطيء، وما لغته سوى تأتأة المخادع وخوف اللصّ من الانكشاف وعار الناطق من الجريمة.

فإذا كان الحال كما ذُكر، تحوّل اللسان ليصير خصيم القلب، وبسبب رقّة الأخير وذكائه النقيّ غير المشوّه، يتلقّى مراوغات اللسان دون صدّ. بل ربما يستسلم، لا بسبب الضعف، بل بدافع الشفقة والنبل. هكذا يحزن القلب، حامي الودائع المخلص، ذاك الحزن الصامت العميق، فيظهر بعد أن تنتهي مراوغات اللسان، جرحاً في اللسان نفسه. وبهذا اللسان الجريح يثوب العقل إلى رشده؛ يثوب إلى القلب. وهكذا، في دوّامة الأصغرَين (المرء بأصغرَيه: قلبه ولسانه)، تنتهي المعركة وتنطفئ سَوْرَة الدم المنازع نفسه، فيجري على اللسان ما جرى في القلب.

الاسم العربي الجريح

لعبد الكبير الخطيبي، صاحب "الاسم العربي الجريح"، في روايته السيرية "الذاكرة الموشومة"، عبارة تقول: "كان الاسم منّي جرحاً". اسمه عبد الكبير يعود إلى عيد الأضحى، إلى القربان الذي هو دم وجرح وأضحية. هكذا تكون ولادة المرء في دين ما، أو عرق. وما يلحقه من اسم ونعت، يكون مجتمِعاً حجاباً وباباً ضيّقاً يمرّ فيه طوال عمره، كي يتخطّاه، دون أن يحطّمه. ألا نكون بذا كائنات في جوف المخاض، كائنات تحلم بأن تتخطى نفسها، وإن كبرنا وهرمنا، يُعاد بنا كرهاً إلى ما حسبناه قد جفّ من ماء الولادة، من هذه القطرة التي حزنها أكبر من أن يحمله أيّ بحر؟

مع جريمة الإحصاء الاستثنائي عام 1962، جُرّد من أُلزم بالهويّة السورية من هويّته، فغدا عدا عن كونه كردياً، كائناً فضائياً؛ أصبح بحكم القانون العربي السوري عديم الجنسية، وهذا يعادل تماماً الحذف من الوجود

تاريخ أيّ كردي سوري تاريخ مزدوج. لهب مريض يتراكب ويتماوج فيه القومي مع اللاقومي، والشفاهي مع الكتابي، والريفي مع المديني، والوعي القروي البريء مع الوعي الطوباويّ الحالم.

الكثير من الأكراد السوريين انتسبوا إلى الحزب الشيوعي (خالد بكداش زعيمهم، كرديّ سوري)، والكثير وجدوا في الملّا مصطفى البرزاني في كردستان العراق تجسيداً للحلم القومي الكبير. لكنهم في الوقت نفسه اضطروا، بسبب منع الدراسة والكتابة بالكردية، إلى كتابة أحلامهم الأممية والقومية بلغة قامعيهم العربية!

هذا الازدواج الشائك والصعب قد لا يجد تبريره إلا في أنّ الأكراد، الفنانين والأدباء خاصةً ومن أشهرهم سليم بركات، لم يجدوا ملاذاً ولا ضيافة كريمة إلا في الفنون والأدب، لكن في أحضان لغة البعث، إلى أن انتهت الأوهام الأممية "قصراً من خيال"، فهوى على أهله وضيوفه، على المقموعين والقامعين واستحال الحلم القومي الأممي إلى واقع كابوسيّ خانق.

باب المحو

عُدّ أكراد الجزيرة العليا وكوباني وعفرين، سوريين منذ نشأة سوريا دولةً، بخطّ فرنسي بريطاني تركي (1920-1946)، دولة لم تزل عصيّةً على أن تكون دولةً عاديةً طبيعيةً بلا ملاحم جوفاء ومعارك ورعب بلغ قسوةً فوق القسوة. وهم هناك وهنا على الأرض الكردية-السورية قبل ولادة الدولة ذاتها.

مع جريمة الإحصاء الاستثنائي عام 1962، جُرّد من أُلزم بالهوية السورية من هويته، فغدا عدا عن كونه كردياً، كائناً فضائياً؛ إذ أصبح بحكم القانون العربي السوري عديم الجنسية، وهذا يعادل تماماً الحذف من الوجود، كما لو كان المحو باباً يتعرّف منه المرء على نفسه. فكلّما امّحى وتلاشى تجذّر أكثر في الوجود الكردي البرّي والكينونة القومية النقيّة والضيّقة في آن.

مع الانتفاضة الكردية عام 2004، في 12 آذار/ مارس، ضيّع السوريون فرصةً سبقت بوعزيزي تونس، لكن تلك الفرصة كانت جرحاً كردياً مفصليّاً بانت آثاره منذ 2011 حتى اليوم. حينها، استغرب السوريون انتفاضة المقتول ضدّ القاتل، وبادلوا جريمة نظام الأسد بالاستغراب المستنكر والصمت الرحيم، حالهم يومها كحالهم اليوم مع فصائل الجولاني والعشائر خلال غزوها المناطق الكردية والتنكيل بأهلها وتهجيرهم.

بعد 2012، مع نموذج الإدارة الذاتية ثمّ "قسد" التي هي شكل كردي من أشكال النظام الأسدي، ازدوجت من جديد الحالة السياسية الثقافية ازدواجاً هو السقم عينه، حالها حال الفسيفساء السورية التي ما إن تمسك قطعةً منها حتى تنهار أختها، كأنما في القبض على التعدد والبناء رغبة في كسرهما وتحطيمهما. ألا نشبه في هذا "سيزيف" حامل الصخرة الفاشل فشلاً هو الحياة نفسها؟

تشوَّه الأصل الحرّ والطبيعي داخل خندق الأيديولوجيا الأوجلانية، وطار الانتماء العام بفضل غزوات داعش المباركة وبفضل الأسد الابن الهارب، ثمّ جرى دمج البعث العروبي بالإسلام الخيالي الخالد المتخطّي للحدود والأمم، فصارت أفغانستان أقرب إلى دمشق من عامودا وقامشلو.

الإدارة الذاتية فشل ذاتي، والانتصار بردع العدوان بداية انفراط سوريا وطناً جامعاً أو ربما انكشاف هذا اللاقران الدموي؛ سوريا ضدّ الجميع وكلّ سوري عدوّ لأخيه وجاره.

وقفات…

ـ سيّدة أمّية، غير أممية أوجلانية ولا أموية جولانية، من عامودا، عاصمة الكرد السوريين الثقافية، تحلم بختم القرآن الكريم وحفظه كاملاً! لماذا؟

السبب والدافع إلى حلمها ألا تخجل وينتابها الحَرَج إذا هي اضطرت إلى مخاطبة مدير الناحية وجهاً لوجه ، لا بل ستُفحمُه بالكلام حجّةً إثر أخرى، دون شكّ، طالما أنّ ختمها القرآن في صفّها.

مع نموذج الإدارة الذاتية ثمّ "قسد" التي هي شكل كردي من أشكال النظام الأسدي، ازدوجت من جديد الحالة السياسية الثقافية ازدواجاً هو السقم عينه، حالها حال الفسيفساء السورية التي ما إن تمسك قطعةً منها حتى تنهار أختها

ـ سينما "شهرزاد" في عامودا تعرض سنة 1960، فيلماً يعود ريعه لدعم الثورة الجزائرية. تحترق السينما بتلاميذ حضروا الفيلم. تُشوى الأجساد وترتفع رائحة الذبائح في "أولمبياد الله". يأتي ردّ الجميل عام 1975، حيث تحتضن الجزائر صدّام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي في ضيافة الرئيس هواري بومدين، ويُقضى على الحلم الكردي وثورة البرزاني من جديد، بعد أن قُضي على جمهورية مهاباد في كردستان إيران 1946، وأُعدم رئيسها القاضي محمد!

ـ الملا شيخموس حسين يترك المسجد والملالي، ويلتحق بالشيوعيين ثم يُعدم الثقة بهم، فيبقى ابن قومه وابن شعره الكردي وابن أساه الجميل وغزله الغنائي، وهذا كلّه في اسمه: جگر خوين ( الكبد الدامي).

ـ يغنّي الفنان الكردي السوري محمد شيخو، النحيل الفقير، ببُزُقِه بين يديه وبحنجرته، وبعدستَي نظّارتَيه السميكتَين، ثم يهرب من المخابرات، يُسجن، ويُحارَب في لقمة عيشه. غناؤه يدوم دوام الهواء فوق التلال. من يربح في الأغنية والموسيقى يربح المستقبل.

لحم الحلم المحمول

أكراد سوريا هم شعب المستقبل، هم لحم الحلم المحمول فوق النعوش، حتى إن لم يكن هناك من مستقبل. الشعب لا الأحزاب ولا المليشيات، مستقبل الفكر الحرّ ونبل الشعور الإنساني إذ تُحفظ كرامة البشر لا صوناً لأجسادهم وأملاكهم وحسب، بل تقديراً لحقّهم في الحلم وجدارتهم في تحويل الحلم إلى حقيقة معيشة لا معجزة ولا مصير أعلى وأجدر من مصائر آخرين، مصائر حاضر الضحايا، الحاضر "الضيّق" إذ لا يسعهم لأنّه أضيق من حذاء أصغر طفل من أطفالهم.

ولأكراد سوريا، ما لم يقولوه هم عن أنفسهم، إنما أتى على لسان آخر شعراء الكلاسيكية العربية الكبار، محمد مهدي الجواهري:

"قلبي لكردستان يُهدى والفمُ

وقد يجود بأصغرَيه المُعدمُ

شعبٌ دعائمه الجماجم والدمُ

تتحطّم الدنيا ولا يتحطّمُ".

لكننا حقيقةً لا نتمنّى ما رآه الجواهري "دعائم" وجودنا الذي يفوق الخرافة بأشواط فضائية، إذ يبقى ويدوم فيما الدنيا كلّها من حوله تنهار وتتحطّم. لا نريد لأحد أن يتحطّم بسببنا أو لأجلنا، وإن كنا سرّاً لا علانيةً نتمنّى من أرباب الأقدار المعاصرين، أن يحققوا اللاتحطّم الأسطوريّ في قلب التحطّم الواقعي.

طريق الهداية المعهود

ما من طريق مباشر، صراط مستقيم، حتى يثوب الكردي إلى رشده، فلا يكون إيزيدياً ولا يكون ملحداً ولا يكون من أبناء الجنّ ولا من سلالة الكلاب. لا طريق إلى جنّة الأكراد، باستعارة من رواية حسن داوود "لا طريق إلى الجنة".

لكن ربما هناك أكثر من طريق متعرّج، وعرٍ وقاسٍ وطويل. هو ذاك نفسه الذي يصل القرى الكردية ببعضها بعضاً، عبر أودية وسهول وجبال، الطريق الذي تحفظه الكلاب الوفيّة الصديقة، والنعاج التي لا تنسى الدرب إلى البيت.

لا ضلال بعد اليوم، ولا تيه كتيه بني إسرائيل. اطمئنوا، فأحفاد التائهين والسلاطين الفاتحين، لا المحتلين، اليوم، أخوة وأخوات في دين التجارة العابرة للقارات وما بعد بعد القانون!

حفظت الرعاية الإلهية التائهين والضالّين، فلولاهم لما استطعنا تعريف أنفسنا بأضدادها، وهذا أضحل التعاريف وأضعف العهود.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image