عن قصد أو غير قصد، يواصل صنّاع الدراما في مصر التسابق على شيطنة المرأة وتشويهها وإظهارها في قالب الجاني أو في أحسن الأحوال الضحية المستضعفة التي لا تستحقّ التعاطف أو الشفقة، بسبب غبائها أو طيبتها الزائدة أو عدم قدرتها على انتشال نفسها من الأزمات أو العلاقات المسيئة.
حتى المرأة البطلة، التي جرت العادة أن تظهر في صورة "المرأة الخارقة" في أعمال النجمات مثل ياسمين عبد العزيز ومي عمر وريهام حجاج، تبدّلت ملامحها كثيراً هذا العام، واختار صنّاع أعمال هؤلاء النجمات إظهارهنّ بصورة أكثر ضعفاً، ربما رغبةً في مزيد من التعاطف من الجمهور.
خلال عرض 41 مسلسلاً بدأت مع انطلاق الموسم الدرامي، و11 مسلسلاً آخر أُضيفت في النصف الثاني منه، تكرّرت ثيمة "المرأة القاسية"؛ أحياناً كانت الحبيبة، وأحياناً أخرى الزوجة السابقة، وغالباً الأم. فالمرأة في رمضان هذا العام هي التي تخطف وتقتل لأجل الرجل، وتهدم حياة أطفالها وتسلبهم الطفولة والأمان لأجل المال أو الانتقام من الرجل.
بطلة تدور في فلك بطل أقلّ منها وتقدّم التنازلات باسم الحب، وضرب في سياق "الكوميديا"، ونساء يخطفن ويقتلن لأجل البطل أو يساومنه على أبنائهنّ لأجل المال والانتقام… هل كانت دراما رمضان 2026 المصرية منصفةً للنساء وتعكس واقعهنّ؟
المرأة تقتل وتخطف وتساوم على أبنائها
بالتزامن، تابعنا في عملَين على الأقل المرأة عتيدة الإجرام -"مناعة" و"نرجس"- وكأنها النموذج الجدير بالاحتفاء من النساء المصريات. وفي أربعة أعمال على الأقل، تابعنا "حروب ما بعد الطلاق" و"النساء المنتقمات والحاقدات" اللواتي لا يضعن لأطفالهنّ وزناً في الخلاف مع الشريك السابق.
وبينما يتم التحذير من استخدام الكوميديا في التطبيع مع أفعال وأفكار مسيئة إلى المرأة باستمرار، كان مسلسل "الكينج" من بطولة محمد عادل إمام، المثال الصارخ في هذا السياق خلال رمضان 2026. تمرير ضرب المرأة على الوجه على أنه "مزحة"، أو إطلاق التعبيرات ذات الدلالة الجنسية على أنها "مضحكة" في مشهد ولادة، أمر يثير القلق والغضب معاً ولا يوجد ما يبرّره بأيّ حال ولا حتى فنياً.
في العديد من الأعمال، استمرّت النساء في مطاردة البطل الذي لا مثيل له، والخالي من العلّات، فيما البطلات الرئيسيات في أعمالهنّ يدُرن في فلك العلاقة مع الحبيب أو الشريك أيضاً، ويقدّمن الكثير من التنازلات ويقبلن بأقلّ القليل لأجل "الحب"... فكرة تمرّر في العديد من العلاقات في مسلسل "وننسى اللي كان" بأكثر من صيغة متطابقة.
اللافت والمثير للسخرية هذا العام هو أننا شاهدنا المرأة تخطف وتعذّب لأجل رجل رفضها بعد أن كان هذا عادةً سلوكاً يقوم به الرجل. برغم تكرار حوادث القتل بسبب انعدام ثقافة قبول الرفض والتحذير من مثل هذه التعابير، هدّدت ميادة (درّة)، حبيبها علي كلاي (أحمد العوضي): "مش هسيبك لواحدة تانية تاخدك مني"، وفعلتها.
في العمل نفسه، وبغرابة شديدة، شابّة (همّت تقوم بدورها ريم سامي)، تقتل طليقها لحظة زواجه من أخرى، وتخرج دون أن يعترض طريقها أحد. ما الضرورة الفنية إلى مثل هذه الأفعال؟ ما الفائدة منها؟ لا أحد يعرف. لكن الضرر نعرفه جميعاً ونعيشه في حوادث القتل المتكررة في الواقع بسبب الرفض في العلاقات.
توازن ضروري؟
يدافع البعض بأنّ تناول هذه النماذج السلبية من النساء يأتي في سياق "التوازن"، حيث لا يمكن إنكار وجود مثل هذه النماذج. نقاش يبدو "عقلانياً"، لكن أين التناسب في تزامن عرض كل هذا الكم من النماذج السلبية؟ وأين التوازن في نقل الواقع الذي تعيشه النساء في مصر بالفعل؟
بصيغة أخرى: هل يتناسب ما شاهدناه في رمضان هذا العام مع واقع آلاف النساء اللواتي يتعرّضن للعنف الأسري والاستغلال المالي والابتزاز والحرمان من الميراث… إلخ؟ هل يتناسب مع واقع آلاف الأمّهات اللواتي خُطف منهنّ أطفالهنّ خلال جلسات "الرؤية" أو من مدارسهم أو منازلهنّ، ولا يعرفن مصيرهم؟ هل يتناسب مع واقع ملايين الأطفال الذين يعانون بسبب عدم إنفاق آبائهم عليهم بعد الطلاق عقاباً وتنكيلاً بالأمّهات؟ وهل يتناسب مع مئات الأسر التي تقوم على أكتاف النساء حصراً في ظلّ أبٍ سلبي عاطل أو متعاطٍ أو هجر زوجته وأبناءه بلا طلاق حتى؟
هل تخصيص عملين بملايين الجنيهات لإبراز تاريخ تاجرة المخدّرات مناعة، وخاطفة الأطفال نرجس، أمر ضروري للتوازن؟ أي توازن؟ هل هذه هي النماذج التي ينبغي تقديمها للنساء المصريات المعيلات؟ أين تمثيل الأمهات اللواتي يحاولن بمرارة مع الآباء بعد الطلاق فقط ليتواصلوا مع أطفالهنّ لينشأوا في بيئة سويّة في مقابل الأمّهات المسيئات؟
الكثير من الأسئلة تدور في رأسي ولا أجد لها أجوبة. أتفهّم أنّ الفن ليس بالضرورة رسالةً مباشرةً وأنّ القيمة الفنية تستدعي تدخّلات وتعديلات في القصص الحقيقية، لكن ما أناقشه هنا هو السياق الاجتماعي والحقوقي والنسائي لا القيمة الفنية.
لفتني مثلاً تصريح بطل قصة "نرجس" الحقيقية، إسلام، الذي قال إنّ عزيزة (الشخصية الحقيقية) التي خطفته وعاشت أمّاً له، كانت حنونةً عليه وكان زوجها هو القاسي المعنّف. في العمل، كان الزوج سلبياً لكن "طيب ومحب"، ونرجس التصقت بها كل الصفات القبيحة.
التزامن المثير للدهشة لهذه الأعمال التي تشيطن الأمّ والزوجة وتجعلهما "الشخص السيئ" في كل الروايات، دفع كثيرات من النساء إلى التساؤل عبر السوشال ميديا عمّا إذا كان أمر ما يحاك في الظل، أو هناك مساعٍ ربما لإجراء تعديلات في قانون حقوق الشخصية بما يؤثّر سلباً على مكتسبات تحقّقت للنساء بعد عقود من النضال
التوازن يعني فقط إظهار جوانب القضية كافة وليس تشويه طرف على حساب طرف آخر. فنمط الشخصية البيضاء في مواجهة الشخصية السوداء لا علاقة له بالموضوعية، فلكلّ نفس بشرية جوانب مضيئة وأخرى مظلمة، وليس هناك إنسان خيّر دائماً أو شرير دائماً. كما لا ينبغي أبداً تجاهل السياق الذي يجبر الأفراد أحياناً على أفعال تخالف طبيعتهم.
تمهيد لأمر ما؟
التزامن المثير للدهشة لهذه الأعمال التي تشيطن الأمّ والزوجة وتجعلهما "الشخص السيئ" في كل الروايات، دفع كثيرات من النساء إلى التساؤل عبر السوشال ميديا عمّا إذا كان أمر ما يحاك في الظل، أو هناك مساعٍ ربما لإجراء تعديلات في قانون حقوق الشخصية بما يؤثّر سلباً على مكتسبات تحقّقت للنساء بعد عقود من النضال.
أتفهّم جيداً هذه المخاوف، ففي الآونة الأخيرة تعاظمت أهمية "الرأي العام" الافتراضي، وساهم في تحويل مسار العديد من القضايا والنقاشات القانونية والاجتماعية حتى بات تفاعل الناس مع حادثة ما، مؤشراً على مدى اهتمام السلطات وتدخّلها لإنفاذ العدالة عبر صفحة "وزارة الداخلية المصرية" على فيسبوك.
لذا، لا يبدو منطقياً التزامن بين كلّ هذه الأعمال التي تُظهر الأمومة السامّة وفي الوقت نفسه "الأب الضحية المنكسر الحنون والمتفاني"، مع رسائل في غاية الخطورة مثل: "الراجل مبيهدش بيته طالما فيه أمان واستقرار"، و"كل الرجالة خاينين ودا طبعهم". وينبغي أن نطبّع مع ذلك، وأن تتحمّل الزوجة الخيانة الزوجية دون تأفّف، وأن تعود المرأة إلى الرجل برغم الخيانة والغش والعنف… إلخ، لتكون "النهاية السعيدة".
تمرير مثل هذه الأفكار، يُشعر النساء الضحايا بالإجحاف ويخلع عنهنّ التعاطف المجتمعي الضعيف بالأساس، ويضطر المزيد منهنّ إلى تقديم التنازلات أو الاستمرار في علاقات مسيئة خشية النبذ الاجتماعي.
والأخطر من ذلك، أنّ أثر هذه الأفكار أعمق ما قد يظنّ البعض، فالدراما خاصةً الرمضانية، جزء مهم من بناء الرأي العام و"حكاوي" الناس في مصر لشهور، مهما كان امتعاضهم من مستوى بعض الأعمال ومضمونها. هذا يعني ترسيخاً ناعماً لأفكار من شأنها أن تقضي على كثير من التقدّم الذي يتحقّق ببطء، ويتطلّب جهوداً مكثفةً من العديد من الأطراف المعنية بحقوق النساء.
بعض الملامح الإيجابية لا تُغني أبداً ولا تتناسب مع ما قُدّم في الموسم الرمضاني 2026 في ما يخصّ قضايا المرأة وحقوقها… فما الحلّ؟
القليل من الإيجابية
لأجل الإنصاف، وفي تقرير المؤشرات المبدئية لرصد صورة المرأة في الأعمال المقدّمة في رمضان للنصف الأول من شهر رمضان، سلّط المجلس القومي للمرأة الضوء على مؤشّرات إيجابية عدة، منها البطولة النسائية المطلقة أو بالمشاركة في 22 مسلسلاً (من أصل 41 عملاً انطلقت في بداية الشهر)، فضلاً عن مناقشة مسلسلات النصف الأوّل ما لا يقلّ عن 20 قضيةً من القضايا المتعلقة بالنساء، مثل العنف ضد المرأة والميراث والتحرش وحقوق ما بعد الطلاق والخيانة الزوجية وغيرها، وتكرار نموذج المرأة المعيلة والمكافحة في أعمال عدة.
لفت التقرير أيضاً إلى التركيز على القضايا الاجتماعية والأسرية، وإلى تشجيع النساء على الإبلاغ عن العنف الأسري، حيث ظهر رقم الخط الساخن لمكتب شكاوى المجلس القومي للمرأة في مصر (15115)، خلال مشهد عنف زوجي في الحلقة التاسعة من مسلسل "اتنين غيرنا"، وأيضاً خلال مسلسل "توابع".
لكن هذه الملامح الإيجابية لا تُغني أبداً ولا تتناسب مع مساوئ ما قُدّم في الموسم الرمضاني في ما يخصّ قضايا المرأة وحقوقها، وهذا يتطلب من المجلس القومي للمرأة والجهات المعنية بالنساء وبالحقوق عموماً أدواراً جدّيةً تنبّه صنّاع الدراما إلى خطورة ما يبثّون من رسائل في أعمالهم إذا كانوا غير واعين لها ولا يقصدون فعلاً أن تُفهم على هذه الصورة.
أما إذا كانت هذه الرسائل مقصودةً، فليس أمام النساء إلا الاتجاه نحو دراما نسوية تمثّل أصواتهنّ وتحفظ لهنّ وجودهنّ وتحارب بالفنّ كل محاولات تشويههنّ وقلب الحقيقة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
