في كثير من الحكايات الدرامية تبدأ الجريمة كحادثة مفاجئة تقلب حياة الشخصيات رأساً على عقب، لكن في "حكاية نرجس" تبدو الأمور مختلفة قليلاً، فالقصة لا تبدأ بجريمة، بل بفكرة: امرأة لا تنجب. من هذه النقطة الصغيرة ظاهرياً تبدأ سلسلة من التغيرات التي لا تبدو خطيرة في البداية، لكنها مع الوقت تعيد تشكيل حياة البطلة بالكامل وتدفعها بشكل تدريجي إلى مسار أكثر ظلمة.
"حكاية نرجس"، الذي عرض في النصف الثاني من رمضان 2026، هو من إخراج سامح علاء وتأليف عمار صبري وبطولة كل من ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي وتامر نبيل وسماح أنور، وقد حاز على تفاعل واسع من الجمهور، وذلك لأسباب عدة أهمها أنه يمكن قراءته بأكثر من زاوية في الوقت نفسه: من ناحية، يبدو العمل كمسلسل جريمة وإثارة يعتمد على تصاعد التوتر، ومن ناحية أخرى، يمكن النظر إليه كمادة درامية تسمح بتأمل تأثير المجتمع الضاغط على النساء وكيف يمكن للتوقعات الاجتماعية أن تدمر حياة امرأة.
الضحية التي تبنت معايير جلادها
يبدأ "حكاية نرجس" بالشابة نرجس (ريهام عبد الغفور) التي تعود إلى منزل والديها في الليل وهي تحمل حقيبة صغيرة. تنام نرجس ثم تستفيق على كابوس مخيف، ففي حلمها ترى نفسها تحمم طفلين صغيرين، تبدو سعيدة ومرتاحة، ثم تكتشف اختفاءهما، فتستيقظ وهي تصرخ ثم تعود للنوم قبل أن توقظها أمها سعاد (سماح أنور) التي تؤنبها نتيجة إصرارها على الطلاق من زوجها الذي تزوج من أخرى لعدم قدرة نرجس على الإنجاب.
تخبرها الأم أن من مثلها يجب أن تصمت و"تضع حذاء في فمها"، لكونها امرأة "معيبة" لا تصلح لأي غرض، وفق الأم.
يضع "حكاية نرجس" الأمومة في موقف يكشف بوضوح كيف يمكن أن تتحول من تجربة إنسانية شخصية إلى أداة للرقابة الإجتماعية على النساء، فالمسلسل لا يقدم مسألة الإنجاب بوصفها رغبة طبيعية أو خياراً فردياً، بل كمعيار صامت تُقاس به حياة المرأة ومكانتها داخل الأسرة.
منذ البداية، يبدو واضحاً أن هذا الطفل الذي لم يُنجَب ليس مجرد إضافة إلى العلاقة الزوجية، بل شرط لاستمرارها من الأساس، وهو حال زواج نرجس الذي انتهى ببساطة لأن هذا الشرط لم يتحقق، وكأن العلاقة تصبح ناقصة ما لم تُختم بطفل يمنحها شرعيتها الكاملة في نظر المجتمع.
غير أن اللافت في المسلسل أن هذا الضغط لا يأتي فقط من الخارج، بل يتسلل إلى داخل الشخصيات نفسها، فالمجتمع لا يفرض معاييره من خلال القوانين أو العنف المباشر، بل عبر منظومة من الأفكار التي يتبناها الأفراد أنفسهم ويعيدون إنتاجها دون وعي، لتصبح "نرجس" جزءاً من هذه الآلية نفسها.
يضع "حكاية نرجس" الأمومة في موقف يكشف بوضوح كيف يمكن أن تتحول من تجربة إنسانية شخصية إلى أداة للرقابة الإجتماعية على النساء، فالمسلسل لا يقدم مسألة الإنجاب بوصفها رغبة طبيعية أو خياراً فردياً، بل كمعيار صامت تُقاس به حياة المرأة ومكانتها داخل الأسرة
تعاني نرجس من "الوصمة" المرتبطة بعدم الإنجاب، وتدفع ثمنها في تعاستها حتى وهي مع زوجها الثاني عوني (حمزة العيلي) الذي يعشقها منذ الطفولة، فهي لا ترى هذا الحب ولا تهتم به، كل ما تطمح إليه هو القبول المجتمعي وطفل يغذي أمومتها، الأمر الذي يدفعها لجريمتها الأولى باختطافها طفلاً تدعي أنه طفلها بحيلة محكمة للغاية.
لكن لا تنجح نرجس في التحرر من المنطق نفسه الذي يضع النساء مثلها في هذا المأزق، ويكشف المسلسل ذلك في لحظة شديدة الدلالة عندما تعيّر نرجس أختها التي لم تنجب بعد. في هذه اللحظة يتضح أن المشكلة ليست فقط في المجتمع الذي يحاكم النساء وفقاً لقدرتهن على الإنجاب، بل في الطريقة التي تتسرب بها هذه المعايير إلى وعي النساء أنفسهنّ. لا تتحرك نرجس في الحبكة كشخصية متمردة على النظام الاجتماعي الذي يضغط عليها، بل كشخصية تحاول الاندماج بأي ثمن، فكل ما تريده في النهاية هو التماهي مع معايير المجتمع: أن تبدو امرأة "طبيعية" في نظر الآخرين، زوجة قادرة على الإنجاب، وأماً مثل بقية النساء.
حتى قراراتها الأكثر تطرفاً لا تأتي مثل احتجاج على هذه القواعد، بل كمحاولة يائسة للامتثال لها، وهنا يلمح المسلسل إلى مفارقة نسوية شديدة القسوة والواقعية: إن "الأبوية" أكثر الأنظمة الاجتماعية صلابة ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تنجح في جعل ضحاياها يؤمنون بها ويعيدون إنتاجها.
كيف يترك المجتمع أثره على جسد النساء؟
يطرح "حكاية نرجس" سؤالاً هنا: لماذا يبدو المجتمع أكثر قسوة مع النساء اللواتي يخرجن عن الدور التقليدي المرسوم لهنّ؟ ففي كثير من الأعمال الدرامية حين تفشل الشخصية النسائية في البقاء داخل الصورة المتوقعة - الزوجة المستقرة والأم التي تمنح العائلة استمرارها - تتحول سريعاً إلى شخصية مقلقة درامياً وغالباً ما تُقدَّم كشريرة أو خطرة.
لا يعد الخروج عن القواعد مجرد اختلاف في نمط الحياة أو حتى خيارات شخصية، بل علامة على الانزلاق خارج النظام الاجتماعي بأكمله، وفي هذا السياق، يمكن قراءة شخصية نرجس كواحدة من تلك الشخصيات التي يضعها المجتمع خارج الصورة المقبولة للمرأة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى شخصية متهمة نتيجة جريمتها.
يضيف المسلسل على حياة نرجس بعداً أكثر قسوة، حين يجعل آثار الضغط الاجتماعي تظهر على جسدها نفسه، فمع تصاعد التوتر النفسي الذي تعيشه في البداية بسبب وصمة عدم الإنجاب، ثم نتيجة جرائمها التي عليها عبء إخفائها مدى الحياة، تبدأ الشخصية في فقدان شعر رأسها وحاجبيها، لتبدو تدريجياً وكأنها تتحلل وهي ما زالت حية.
وتالياً، لا يبقى الجسد هنا محايداً أو منفصلاً عن الصراع الاجتماعي الذي تعيشه الشخصية، فهو من البداية الأداة التي يتحكم فيها المجتمع بالمرأة، وإخفاقه في الإنجاب هو سر تعاستها، وتتمظهر عليه آثار هذا الصراع بوضوح.
العنف الاجتماعي في "حكاية نرجس" ليس عنفاً مباشراً، فزوجها الأول لم يضربها ويؤذيها جسدياً عندما لم تنجب، ولكن العنف يترك أثره ببطء داخل جسدها، وتجد الضغوط النفسية التي تحاصر طريقها في النهاية إلى جلدها وشعرها وملامح وجهها التي تتغير على مسار الأحداث وتصبح أكثر قسوة.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة فقدان الشعر بوصفه تفككاً تدريجياً للهوية الأنثوية التي يفرضها المجتمع على المرأة، ففي كثير من الثقافات يرتبط الشعر الطويل والكثيف بصورة الأنوثة التقليدية، ويُنظر إليه كجزء من الجاذبية والاكتمال الجسدي، وحين تفقد نرجس شعرها لا تفقد فقط عنصراً جمالياً، بل جزءاً من الصورة التي يُفترض أن تمثلها كامرأة.
لا يبدو "حكاية نرجس" مجرد مسلسل جريمة عن امرأة تجاوزت الحدود، بل حكاية عن مجتمع يرسم للنساء مساراً ضيقاً ثم يفزع حين يحاولن الخروج عنه، فحين تتحول الأمومة إلى معيار للقيمة، والعائلة المثالية إلى صورة يجب الحفاظ عليها بأي ثمن، لا يصبح السؤال الحقيقي لماذا أخطأت نرجس، بل لماذا بدا الطريق أمامها ضيقاً إلى هذا الحد؟
هذا التحول الجسدي لا ينفصل عن فكرة مركزية أخرى في المسلسل، وهي الكذبة الاجتماعية حول ما يسمى "العائلة المثالية": زواج مستقر، طفل يكتمل به البيت، وحياة تبدو هادئة من الخارج، غير أن هذه الصورة التي تبدو بدهية في ظاهرها قد تتحول إلى عبء ثقيل حين تصبح معياراً إلزامياً على الجميع تحقيقه.
في حالة نرجس، لا يبدو أن المشكلة تكمن فقط في غياب الطفل، بل في الحاجة الملحة إلى إقناع الآخرين بأن هذه الصورة ما زالت قائمة، لهذا تحاول نرجس أن توجد هذه الصورة حتى لو لم تكن حقيقية بالكامل، ففكرة كفالة اليتيم بصورة صريحة لم تكن مطروحة بالنسبة إليها، فهي تحتاج لإقناع الجميع بأن هذا الطفل يأتي من صلبها مثلها مثل باقي الأمهات.
تحاول نرجس إعادة تركيب المشهد الاجتماعي الذي يريده المجتمع: أسرة مكتملة، وكأن الاعتراف بها كامرأة لن يتحقق إلا عبر مطابقة النموذج المتوقع للأسرة المثالية، حتى لو تم ذلك عبر الجريمة.
في النهاية، لا يبدو "حكاية نرجس" مجرد مسلسل جريمة عن امرأة تجاوزت الحدود، بل حكاية عن مجتمع يرسم للنساء مساراً ضيقاً ثم يفزع حين يحاولن الخروج عنه، فحين تتحول الأمومة إلى معيار للقيمة، والعائلة المثالية إلى صورة يجب الحفاظ عليها بأي ثمن، لا يصبح السؤال الحقيقي لماذا أخطأت نرجس، بل لماذا بدا الطريق أمامها ضيقاً إلى هذا الحد؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
