"هناك نمط متكرر في التغطية الإعلامية لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في مصر خلال عامي 2025 و2026، يتمثّل في تغليب الإثارة البصرية على التحليل القانوني، ولوم الضحية، واستخدام لغة مخفَّفة حيال الجناة، وإيجاد مساواة شكلية بين الحق والانتهاك، وإغفال الإطار القانوني وحقوق الضحايا".
هذا ما خلصت إليه ورقة تحليلية أصدرتها مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون تتناول فيها "أنماط التغطية الإعلامية لقضايا العنف ضد النساء والفتيات، وما يترتب عليها من أبعاد قانونية واجتماعية ونفسية، مستنتجةً أن "الخطاب الإعلامي ليس محايداً، بل يؤدي دوراً حاسماً في: إما تعزيز المساءلة القانونية، أو إعادة إنتاج الشرعية الرمزية للعنف".
وتقدّم الورقة تحليلاً نوعياً لست حالات بارزة شهدت تغطية إعلامية واسعة، وهي: حالة التحرش داخل حافلة عامة "القاهرة – شباط/ فبراير 2026"، وواقعة الإذلال الجماعي لشاب في بنها "شباط/ فبراير 2026"، ومقتل "عروس المنوفية - كانون الأول/ ديسمبر 2025 – كانون الثاني/ يناير 2026"، وواقعة "فتاة المترو- كانون الأول/ ديسمبر 2025"، والاعتداء على البلوغر هدير عبد الرازق- تموز/ يوليو 2025"، وجريمة قتل - القاهرة – نيسان/ أبريل 2025".
وترصد أنماط الانحراف الإعلامي في تناول قضايا العنف ضد النساء والفئات المهمشة، وتحلّل مظاهر التمييز والتحيز الجندري في معالجة الأحداث الإعلامية. كما تستكشف أفضل الممارسات المهنية في التغطية الإعلامية الحساسة، مع مراعاة احترام خصوصية الضحايا والناجيات، وكرامتهن، وتقديم قراءة تحليلية شاملة تتجاوز التكرار اليومي للأحداث، بهدف تقييم مدى مساهمة الإعلام في تعزيز العدالة الجندرية أو في إعادة إنتاج التمييز والتحيز الاجتماعي في بعض الحالات.
في مصر، تتجلّى كثير من المعالجات الإعلامية من تحيّزات جندرية في لغة الخطاب، واختيار العناوين، وطريقة عرض المعلومات حيث تُصوَّر النساء باعتبارهن ضحايا دائمات أو مسؤولات ضمنياً عما تعرّضن له، في حين يُختزل الفاعل في سياقات تبريرية أو مخفَّفة للمساءلة
لماذا الآن؟
العنف القائم على النوع الاجتماعي في مصر يعدّ ظاهرة متعدّدة البعد ومعقّدة، لا تقتصر على أفعال فردية معزولة، بل تتجذّر في بنية اجتماعية وثقافية واقتصادية تمييزية تُنظّم العلاقات بين الجنسين وتعيد إنتاج أدوار نمطية للنساء والرجال. هذا ما يجعل الفئات الأقل في القوة أو الموارد أكثر عرضة للانتهاكات، في المجالين الخاص والعام.
في غضون ذلك، يتوسّع تبرير العنف ضد النساء خارج الدوائر الاجتماعية التقليدية كالعائلة أو المحيط المحلي، ليمتد إلى المجال الإعلامي والفضاء الرقمي، حيث تتحوّل بعض الجرائم إلى مادة استهلاكية، وتُعاد صياغة الوقائع من خلال عناوين مثيرة، أو مقاطع مجتزأة، أو مزاعم غير متحقّق منها. ويتسبّب هذا التناول في إيجاد بيئة قد تعيد إنتاج الجريمة رمزياً بدلاً من الإسهام في ردعها.
إلى ذلك، لاحظت مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون أنماطاً مقلقة في التغطية الإعلامية، بما فيها التشهير بالضحايا، ولوم الضحية بصورة مباشرة أو ضمنية، وتخفيف مسؤولية الجاني بتقديم مبررات اجتماعية أو نفسية، وتحويل الجريمة إلى جدل أخلاقي حول سلوك النساء عوضاً من التركيز على الفعل الإجرامي ذاته.
ووفق الورقة التحليلية: "لا يمكن فهم العنف ضد النساء بمعزل عن السياق الإعلامي الذي يُعاد من خلاله إنتاج الحدث وتشكيله في الوعي العام. فالإعلام لا يكتفي بنقل الواقعة، بل يساهم في إعادة صياغتها اجتماعياً وقانونياً، إما بما يعزّز العدالة والمساءلة، أو بما يعمّق التمييز ويضاعف الضرر".
ويتوافق تحليل المؤسسة مع مبادئ المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إذ يسلّط الضوء على أهمية رصد التمييز القائم على النوع الاجتماعي ومعالجته. كما يؤكد على دور التغطية الإعلامية في تعزيز التمييز النظامي أو تحديه، بما يتماشى مع المعايير الدولية لمناهضة التمييز.
آثار اجتماعية ونفسية عميقة
وتنبّه مؤسسة القاهرة إلى أن التغطية قد تكرّس الصور النمطية المرتبطة بأدوار النساء، وتحدّ من مساحة مشاركتهن في المجال العام، عبر تعزيز خطاب الخوف والتهديد المرتبط بوجودهن في الفضاءين العام والرقمي. كما تُسهم بعض المعالجات الإعلامية في تطبيع العنف بوصفه سلوكاً فردياً معزولاً، متجاهلة جذوره الاجتماعية والثقافية، بما يضعف النقاش المجتمعي حول الإصلاح المطلوب. مع العلم أن اختزال العنف في المسؤولية الفردية يغفل البعد الاجتماعي الذي يسمح بتكراره، ويهيئ بيئة تبريرية له.
فضلاً عمّا سبق، لا يقتصر أثر العنف على الأذى الجسدي أو المادي، بل يمتد إلى آثار نفسية عميقة وطويلة المدى، وتتضمّن اضطرابات القلق والاكتئاب، فقدان الثقة بالنفس، الشعور بالوصم الاجتماعي، واضطرابات النوم والسلوك الاجتماعي.
على الرغم من وجود أطر تشريعية تُجرّم أشكالاً متعدّدة من العنف، بما في ذلك التحرش والعنف الأسري وبعض صور العنف الرقمي، فإن التغطية الإعلامية كثيراً ما تتجاهل السياق القانوني للواقعة. هذا التجاهل يحرم الجمهور من معرفة حقوق الضحايا والإجراءات المتاحة، ويُسهم أيضاً في إضعاف ثقافة المساءلة.
وعندما يُقدَّم العنف بوصفه "حادثاً اجتماعياً" لا "جريمة قانونية"، يتم تجريده من بعده الحقوقي، وتغيب الإشارة إلى دور القانون في الحماية والإنفاذ. ومن ثمّ، فإن إدماج الإطار القانوني في التغطية ليس عنصراً تكميلياً، بل ركيزة أساسية لتعزيز الوعي بالحقوق، وفق الورقة التحليلية.
يُضاف إلى ما سبق ما تعكسه كثير من المعالجات الإعلامية من تحيّزات جندرية تتجلّى في لغة الخطاب، واختيار العناوين، وطريقة عرض المعلومات حيث تُصوَّر النساء باعتبارهن ضحايا دائمات أو مسؤولات ضمنياً عما تعرّضن له، في حين يُختزل الفاعل في سياقات تبريرية أو مخفَّفة للمساءلة. وهو ما يترتب عليه ترسيخ أنماط تمييزية أوسع، وإضعاف فرص النقاش المجتمعي الجاد حول العدالة والمساواة بين الجنسين.
والجدير بالذكر أن التغطية الإعلامية غير المهنية، التي تقلّل من أهمية الفعل الإجرامي أو تلوم الضحايا أو الناجيات، تساهم في إضعاف بيئة الردع المجتمعي، بينما التغطية الحساسة قانونياً وجندرياً يمكنها تعزيز العدالة والمساءلة.
التغطية الإعلامية غير المهنية، التي تقلّل من أهمية الفعل الإجرامي أو تلوم الضحايا أو الناجيات، تساهم في إضعاف بيئة الردع المجتمعي، بينما التغطية الحساسة قانونياً وجندرياً يمكنها تعزيز العدالة والمساءلة
وتحذّر مؤسسة القاهرة من أن بعض التغطيات الإعلامية المصاحبة للحوادث المرصودة أسهمت في تحويل مسار النقاش من مساءلة الفعل محل الاتهام إلى "تقييم" مظهر الضحية وسلوكها، مشيرةً إلى أن إعادة نشر بعض المقاطع المصورة عبر منصات رقمية مع تعليقات تشكّك في روايات الناجيات و/أو الضحايا أو تركّز على مظهرهن وتصرفاتهن، تسبّبت في أذى إضافي للضحايا.
كما ترى المؤسسة أن هذه التغطية ساهمت في تضخيم الانحياز المجتمعي، حيث ركّزت بعض التعليقات على تقييم سلوك الضحية بدلاً من مساءلة المتهم، وأضافت بعداً نفسياً إضافياً عليها، إذ وجدت نفسها موضع تساؤل واهتمام إعلامي بشأن تصرفاتها الشخصية عوضاً من التركيز على الاعتداء الذي تعرّضت له. وتؤمن المؤسسة بأن هذا النوع من المعالجة يُبرز الحاجة إلى إرشادات صحافية واضحة تمنع منح منصات لتبرير الانتهاكات أو التشكيك في الضحايا.
وعليه، تتطلّب مواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي مراجعة نقدية للخطاب العام والإعلامي، بما في ذلك اللغة، التأطير، وأنماط السرد، مع التركيز على الحقوق والكرامة الإنسانية بدلاً من الأعراف أو التفسيرات الثقافية المبرِّرة للعنف.
حاجة ملِّحة إلى "نهج متعدّد البعد"
وتوصي الورقة التحليلية إلى أهمية توحيد جهود الإعلام، والمؤسسات القانونية، ومنظمات المجتمع المدني -باعتبارهم الأطراف المعنيين- لمعالجة العنف بشكل شامل "قانوني/ نفسي/ اجتماعي/ جندري" في نهج متكامل وشامل يرتكز على اعتبار الإعلام شريكاً في تعزيز العدالة، مع منع إعادة إنتاج العنف والتمييز.
ويتضمّن النهج الموصى به أيضاً إدراج إطار وطني لمناهضة التمييز والعمل على إنشاء مفوضية وطنية لمناهضة التمييز وفقاً للمادة 53 من الدستور المصري، بقصد تعزيز حماية الحقوق وضمان عدم التمييز في معالجة القضايا الإعلامية المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.
وتشدّد المؤسسة، في ختام الورقة التحليلية، على ضرورة إعادة صياغة الخطاب الإعلامي حول العنف القائم على النوع الاجتماعي بما يوفّر إستراتيجية عملية لتعزيز بيئة آمنة، وحماية الضحايا والناجيات، ومساءلة الجناة، وبناء مجتمع يحترم كرامة كل فرد بغض النظر عن جنسه.
لا لخلق ضحية ثانوية ولا للمحاكمات الإعلامية
تقول المحامية والناشطة الحقوقية، انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، لرصيف22: "لم نصدر هذه الورقة لمهاجمة أي طرف أو الدخول في صراع مع الإعلام، لكن لأننا رأينا بوضوح أن ثمّة خللاً حقيقياً في طريقة تناول بعض قضايا العنف ضد النساء".
وتشرح: "ما حدث في الآونة الأخيرة وبشكل متكرّر هو تحويل النقاش من مساءلة المتهم إلى محاكمة الضحية. أصبحنا (أي المجتمع) نسأل: الضحية كانت لابسة إيه؟ وراحت فين؟ واتصرفت إزاي؟ وهذا في حد ذاته شكل من أشكال العنف المعنوي. الضحية لم تعد تتعرّض فقط لاعتداء، لكنها أيضاً أصبحت تتعرّض لتشكيك وضغط نفسي بسبب التناول الإعلامي".
"أصبحنا (أي المجتمع) نسأل: الضحية كانت لابسة إيه؟ وراحت فين؟ واتصرفت إزاي؟ وهذا في حد ذاته شكل من أشكال العنف المعنوي. الضحية لم تعد تتعرّض فقط لاعتداء، لكنها أيضاً أصبحت تتعرّض لتشكيك وضغط نفسي بسبب التناول الإعلامي"
"نتحدّث عن كرامة إنسانية، وعن حق دستوري في المساواة وعدم التمييز. حين يعيد الإعلام نشر مقاطع أو يفتح منصات للتشكيك في روايات الضحايا، فإن هذا يخلق ما يُعرف بـ'الضحية الثانوية'، وفي هذا ضرر كبير جداً. كما أن فكرة استضافة متهم أثناء سير التحقيق تطرح تساؤلات مهمة عن حدود التغطية الإعلامية، وعن تأثير ما يُسمى بـ'المحاكمة الإعلامية' على الرأي العام قبل صدور حكم قضائي نهائي"، تردف السعيد.
وعن تركيز الورقة التحليلية على عامي 2025 و2026 على وجه التحديد، تلفت السعيد إلى أن ذلك "لم يكن اختياراً عشوائياً بل جاء باعتبارهما الإطار الزمني الفعلي للتغطية الإعلامية المرتبطة بالوقائع محل التحليل"، مستدركةً بأن المؤسسة لم تكن تهدف إلى إجراء دراسة تاريخية ممتدة لسنوات طويلة، وإنما "تقديم قراءة تحليلية مركّزة لنمط معاصر من المعالجة الإعلامية ظهر بوضوح خلال هذه الفترة، وما ترتب عليه من تبعات قانونية ونفسية واجتماعية على الضحايا".
وتؤكد السعيد أن هذين العامين شهدا ذروة التفاعل الإعلامي والرقمي حول حالات العنف ضد المرأة، وهو ما أتاح للمؤسسة رصد أنماط الخطاب، وتحليل اتجاهاته، وتقييم مدى التزامه بالمعايير المهنية، واحترامه كرامة الضحايا. وتستدرك: "نحن مع حرية الإعلام، لكننا نؤكد أن الحرية تقترن دائماً بالمسؤولية، خصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي".
وتطالب السعيد بحماية كرامة الضحايا وضمان عدالة الإجراءات من دون المساس بحرية الإعلام وذلك عبر "وضع مدونة سلوك واضحة لتغطية قضايا العنف ضد النساء، تمنع التشكيك في الضحايا أو التركيز على مظهرهن وسلوكهن، والامتناع عن إعادة نشر مواد مصوّرة أو تفاصيل قد تعرّض الناجيات لأذى نفسي أو مجتمعي إضافي، وتجنّب استضافة أطراف في قضايا منظورة أمام القضاء بما قد يؤثّر في الرأي العام أو يوجد ما يشبه 'محاكمة إعلامية'".
وعلى المستوى المؤسسي، تطالب أيضاً بـ"تطوير سياسات تحريرية داخل المؤسسات الإعلامية تراعي الحساسية الخاصة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتدريب الصحافيين والإعلاميين على المعايير المهنية والحقوقية في تناول هذه القضايا".
وفي الوقت عينه، "الإسراع في تفعيل المفوضية الوطنية المستقلة لمناهضة التمييز المنصوص عليها دستورياً، لتكون جهة فاعلة في رصد أي تمييز في الخطاب العام ومعالجته، وتعزيز آليات المساءلة المهنية عند وقوع انتهاكات تمسّ كرامة الضحايا".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
