مسلسل

مسلسل "مولانا"… من وهم البطولة إلى بطولة الوهم

حياة نحن والتنوّع

الأربعاء 18 مارس 202610 دقائق للقراءة

يصرّ المخرج السوري سامر برقاوي كلّ سنة، على خوض مغامرة جديدة، برفقة النجم تيم حسن، يذهب خلالها إلى منطقة بكر جديدة. في كثير من المرات، ينجح هذا الطموح في الوصول أبعد من التوقعات. منذ مسلسل "الهيبة"، يتخذ الشريكان من ساحة الأكشن منطلقاً للأحداث، مروراً بمسلسل "الزند" و"تاج" ثمّ "تحت سابع أرض"، وأخيراً مسلسل "مولانا".

يؤثّث الفريق في كل مرة بيئةً جديدةً، زماناً ومكاناً جديدين، في محاولة لأخذ المشاهد نحو أسئلة جديدة حول قيمة الفعل وجدواه، ونحو أسئلة تتخذ كثيراً من الأسئلة الأخرى الأضيق، إجاباتٍ لها. هذه اللعبة الذكية هي ربما ما جعلت هذه الثنائية حديثاً مرتقباً بصورة سنوية، بفارق واضح عن سواها.

بداعة الحبكة

في مسلسل "مولانا"، المأخوذ عن قصة لبنى حداد، تتجلّى بداعة الحبكة في صناعة الأمل، والجهد الذي يجعل الغاية ممكنةً مهما صَعُبَت.

يحاكي المسلسل مسار أحمد الشرع من إدلب إلى دمشق قبيل سقوط الأسد، عبر استسلام عناصر الثكنة استسلاماً طوعياً، بعد أن فقدوا إيمانهم بقائدهم، وخلصت عقولهم إلى أنّ النجاة بيد مولانا. قد لا تكون هذه المحاكاة مقصودةً، ولكنها واقعةٌ بوضوح في العمل

أهالي قرية العادلية يتعلّقون بشخص غريب ولج أرضهم ليلاً مدمّى. بدا لهم أنّه الوليّ الموعود، حفيد سليم العادل مولى الضيعة قبل نحو مئة عام، وسميّه، والذي كان قد بشّرهم به لفكّ لعنة ستصيب الضيعة بعد وفاته.

لكن "سليم" الحفيد يموت في حادث سير في طريقه إلى الضيعة، بعد أن انتخبت الأقدار جابر جاد الله لمرافقته في الرحلة، جابر الهارب من الشرطة بعد أن قتل عنصراً أمنياً كان زوج أخته وسرّ تعاستها وتعنيفها. هكذا ينتحل جابر شخصية سليم العادل، دون أن يعرف أنّ ضيعةً كاملةً في انتظاره لتنصيبه سيّداً عليها ومولى، وأميناً على أقدار أبنائها وأحلامهم وأمانيهم.

يتّخذ إذاً أهالي العادلية المحاصرة بثكنة عسكرية يقودها عقيد متوحش، هو العقيد كفاح (فارس الحلو)، من الوهم خلاصاً أخيراً. يتضح ذلك في حوار أم خلدون مع زوجها فارس مدير الفرع الأمني وابن العادلية، في محاكاة لنظرية العجز المتعلّم لمارتن سيليغمان، التي تقول إنّ المجتمع المسحوق، والذي تكررت هزائمه، يتوقف عن محاولة المقاومة، ويبدأ البحث عن المخرج لا عن الحقيقة، والمخرج يتجسّد في المنقذ. ولكن أيّ منقذ؟ فلا وقت ولا وسيلة لإنتاج منقذ حقيقي، لذلك يتعلق هؤلاء بأيّ شخص يصوّر لهم ضعفهم أنه منقذ.

يبدأ أهالي العادلية البسطاء تَوَهُّمَ إشارات تؤكد أنّ "جابر" (تيم حسن) هو سليم العادل، أي الشخص المنقذ، في تعبير عن نظرية التنافر المعرفي لليون فيستنغر، والتي تقول إنه كلما استثمر الناس في الوهم، صار من الصعب تكذيبه حتى لو كذّبته كل المؤشرات. لكن المؤشرات حالفت جابر، صدفةً أو قدراً محتوماً، ليصبح في عقول الناس ووجدانهم مولانا سليم العادل.

لا يبحث الإنسان عن المخلص أحياناً، بل يصنعه بيده، وينسى أنه من صَنعه. وفي التاريخ عبرة، فالذين أرهقتهم الحاجة إلى الأمل في العصور القديمة، نحتوا بأيديهم تماثيل وسوّوها أصناماً، ثمّ عبدوها، بحثاً عن إله يُرى وتُعلّق عليه آمال النجاة.

يطرح المسلسل هنا سؤالاً: هل اختفت عبادة الأصنام أو تحولت من رموز حجرية أو تمريّة إلى صنائع بشرية تتجسد جسداً وكلاماً، وتُلبَس أفكاراً وقدرات خارقةً حتى لو لم تكن على قياسها. بلغة أخرى يبدو السؤال: هل صار الناس يعبدون الأمل حتى لو كان زائفاً؟

لكن الأحداث المتوالية للعمل، تُظهر أنّ أهالي العادلية وإن وَعَوا زيف الأمل، إلا أنّهم حفّوه بالسعي، الذي أسطره وحوّله إلى واقع، وإلى مخلوق يمشي على ساقين تخطئهما ألغام الثكنة، ويخطب بيدين، كلما قُيّدتا قُيّض لهما فكاك، وأوطِئتا عملاً عجباً، لم يعد معه تصديق المعجزات إلا واجباً، ولم يعد تكذيبها إلا كفراً بواحاً، أو خفّةً في العقل والقلب.

كأنّ المسلسل يطلق مقولةً كبيرةً، فحواها أنّ الأمل مجرد وعاء، إن مُلئ سعياً فاض خيراً، وإلا فتهاوى وتكسّر وظهر زيفه، وأنّ الوهم وعاء أيضاً، إن مُلئ بالسعي ذاته تحوّل إلى أمل حقيقي، وإلا فإنه يبقى وعاءً تقديسه باطل. وهذا ما تثبته الأحداث.

كما يقدّم العمل محاكاةً لمسار أحمد الشرع من إدلب إلى دمشق قبيل سقوط الأسد، عبر استسلام عناصر الثكنة استسلاماً طوعياً، بعد أن فقدوا إيمانهم بقائدهم، وخلصت عقولهم إلى أنّ النجاة بيد مولانا. قد لا تكون هذه المحاكاة مقصودةً، ولكنها واقعةٌ بوضوح في العمل.

الشخصيات والأداء

كثيراً ما يؤخذ على الثنائي برقاوي-حسن، أنّ أعمالهما تمنح الأخير البطولة المطلقة، وصورة الذكر القائد "ألفا"، بشكل يلامس حدود المبالغة أحياناً، ولكنهما أفلحا هذه المرة في تخفيف وطأة هذا الأمر، إذ إنّ تفكيك شخصية مولانا، يقود إلى شخص خائف وهارب ومجروح الخاطر، يحاول أن يقاوم بأظافره، ليس لأنه "سوبر مان"، بل لأنّه مجبر على ذلك حتى يبقى.

يقدّم "مولانا" وجهة نظر جديدةً في المونتاج، فالمَشاهد التي تتطلّب إعادةً في بداية الحلقة التالية، مأخوذة غالباً من زاوية تختلف عن تلك التي التُقطت منها في الحلقة السابقة، كما يعرض اللقطات الجمالية الواسعة، للانتقال من مشهد إلى آخر، وفي كل مرة من زاوية مختلفة

لم يختَر جابر أن يقود قريةً بأكملها، إنما أُرغم على ذلك. ولم تلتئم القرية حوله لأنه الشخص الأقوى، بل لأنهم يحتاجون إلى أيّ غريب يطربهم مزماره ويبثّ فيهم أمل الخلاص، فضلاً عن شخصيته المكتوبة بعناية، والتي تهتزّ بين الفينة والأخرى بالمزاح والسلوك البسيط الذي لا يليق بمولانا، وهذا غير اللثغ بحروف كالجيم، والمشاهد الكوميدية التي يقلّد فيها ياسر العظمة وبشار الأسد وغيرهما، ببراعة تمزج المضحك بالمبكي على نحو مكّنه من الاستيلاء على انتباه الجمهور.

يسهم أيضاً في تخفيف الوطأة، خلق أنداد جبابرة، مثل "العقيد كفاح" الذي أضفى فارس الحلو بعودته على شخصيته سحراً جديداً، متّع الشخصية بقوّة في الملامح وشرّ في الحاجبين والصوت، مما صنع لوحةً قادرةً على تقاسم "ألفا" مع تيم حسن.

لا يملّ برقاوي في كل عمل من التجريب في استضافة أسماء لم تأخذ فرصتها سابقاً. فإلى جانب أركان العمل الراسخة كتيم حسن وفارس الحلو ومنى واصف، ثمة أسماء أعاد العمل صقلها على نحو ذكي، كنور علي بدور "شهلا"، وجمال العلي بدور "أبو ليلى"، وعلاء الزعبي بدور "فارس"، وقمر خلف بدور "فاتنة"، وعامر العلي بدور "المحقّق مروان"، ووسيم قزق بدور "مشمش"، هذه الشخصية المرسومة بذكاء وخفّة، والتي تمنح العمل بعداً إنسانياً خاصاً، حيث إن "مشمش" يعاني ظاهرياً من مشكلات إدراكية، ولكنه يلعب دور فؤاد الضيعة، الذي يحسّ ويعقل أكثر من الآخرين. لذلك كان يظهر في أحلام مولانا دائماً شخصاً عاقلاً بلا أي إعاقة، وهو دور تصدّى له قزق ببراعة وتضحية، تطلبت منه التخلّي عن وسامته لصالح الفوز بتصفيق واسع.

كما أعاد تقديم أسماء ظلّت أقل حظّاً من سواها برغم قدراتها العالية، مثل الفرزدق ديوب بدور "الرائد نمر"، وغابريال مالك بدور "جواد"، الذي أعاد بإلحاح سؤال النجومية على نحو جذّاب. وأظنه قد أُعْطِيَها عن استحقاق وجدارة، وأتاح فرصةً لكلّ من كرم شنان بدور "منير"، وهو ممثل ذو ملامح أصبحت نادرةً في زمن السيكس باكس والبوتوكس والفيلر، وطيف إبراهيم الذي لمع برغم ضيق دوره، ومثله نوار يوسف بدور "هالة جاد الله".

صناعة المشهد

يقدّم "مولانا" وجهة نظر جديدةً في المونتاج، فالمَشاهد التي تتطلب إعادةً في بداية الحلقة التالية، مأخوذة غالباً من زاوية تختلف عن تلك التي التُقطت منها في الحلقة السابقة، كما يعرض اللقطات الجمالية الواسعة، للانتقال من مشهد إلى آخر، وفي كل مرة من زاوية مختلفة. كما أنه نجح في رسم "لوكايشن" مذهل، للقرية المتخيلة، يحاكي إلى حدّ بعيد قرى بلاد الشام الأجمل والأكثر تعاسةً.

لم تستحوذ موسيقى العمل على وظيفة أكبر من وظيفتها العضوية، فلم تسبق المَشاهد لتفضحها، لكنها لم تأخذ صورةً اتكاليةً، فلم تتبع المشهد إنما شاركته ولازمته، وأعطته وأخذت منه

وهذا فضلاً عن الذكاء المتجدّد في حركة الكاميرا في المشاهد التي تتطلّب تتبّع الأبطال، ولا سيما في المشاهد الممتدة من موقع إلى آخر.

الموسيقى بطلة في العمل

للمرة الرابعة على التوالي يتولى آري جان صناعة موسيقى العمل، وفي كل مرة يضع لبنة جديدةً في شيء بدا واضحاً منذ مسلسل "الزند" أنه يتطلع إلى بنائه. إذ يلحظ المتتبع أنه بدأ بالعتابا التي قدّمها بلهجة الساحل في مسلسل "الزند"، ثم انتقل إلى الموّال السبعاوي في مسلسل "تاج"، وهو لون شامي يكاد يصير نادراً. ثمّ في "تحت سابع أرض"، اخترع مزيجاً من الصوفية المُخضَعة لإيقاعات وتكوينات موسيقية مستحدثة ومولّدة إلكترونياً، وكساها باللهجة العامية.

أما في "مولانا"، فذهب إلى الميجانا والدلعونا في شارة البداية، التي غنّتها منى واصف، في ظهور صوتي خاص، أعاد تأطير تجاربها الغنائية في مقابلات تلفزيونية سابقة بشكل يليق باسمها وحجمها.

وكان من الذكاء بمكان، أنه حَرَفَ مقام الدلعونا من البيات الاعتيادي، إلى الصبا، وهو مقام بكائي، ليلائم طقس العمل ومزاجه الذي تعبّر عنه "جورية"، التي تلعب دورها منى واصف أيضاً.

لكنه احتال على المقام الضحل، الصبا، بأن منحه لازمةً موسيقيةً من مقام النهوند الأكثر عمقاً وقدرةً على التماهي، ولم تكن الخطوة نحو النهوند عبثيةً، لأنّ لازمة الشارة نفسها أعيد استخدامها بنجاح في الموسيقى التصويرية، لكنها قُدّمت في كل مرة بتوزيع مختلف وسرعة مختلفة، بما يلائم المشهد، فمن الاحتفالي إلى التشويقي، إلى البكائي، إلى التأملي، كانت الجملة نفسها تبدو في كل مرة كأنها جملة جديدة.

لم تستحوذ موسيقى العمل على وظيفة أكبر من وظيفتها العضوية، فلم تسبق المَشاهد لتفضحها، لكنها لم تأخذ صورةً اتكاليةً، فلم تتبع المشهد إنما شاركته ولازمته، وأعطته وأخذت منه.

ويبدو أنّ اللعبة المفضلة عند آري جان، هي إعادة موضعة الآلات في التوزيع، إذ يقدّم هذه المرة آلة الدودوك الأرمنية، بصورة جديدة، مستفيداً من شخصيتها التأملية، ومسخِّراً إياها لصالح التقاسيم الصوفية، مما منحها عمراً جديداً.

أما شارة النهاية التي تؤدّيها سارة درويش، والتي شاركته معظم الأعمال السابقة، فقد قامت على قصيدة أبي الهدى الصيادي: "رسمت يا حبيبي في خيالي"، وهو اختيار ذكي جداً، فأبو الهدى شاعر صوفي سوري كان نافذاً في الدولة العثمانية، مقرّباً من السلطان عبد الحميد الثاني، وكان "ملكاً" على شبكة الزوايا الصوفية في حماة وأنحاء سوريا، وهي محاكاة أخرى لشخصية "مولانا" في المسلسل، وقد لحّنها على مقام النهوند، ليس من أجل العبث، إنما ليعيد توظيف اللازمة نفسها في شارة البداية والموسيقى التصويرية لتكون لازمة شارة النهاية أيضاً.

كل هذه التفاصيل، تجعل العمل يبدو متماسكاً أكثر من سواه، ليس لأنه مركّب من قطع متجانسة، بل لأنّه أقرب إلى ثوب طُرِّز بعناية، فخلف كل زُخرفة خيوط كثيرة تداخلت وتخارجت وراوحت بين الوهم والحقيقة وبين زيف الأمل وقدرته على التحقق.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile