شخصيات لا تبحث عن البطولة… نجمات صنعن الأثر في دراما رمضان

شخصيات لا تبحث عن البطولة… نجمات صنعن الأثر في دراما رمضان

حياة نحن والحرية

السبت 14 مارس 20268 دقائق للقراءة

في وقت نشهد فيه مشاحنات متكررة بين ممثلات يحظين بدعم إنتاجي شبه ثابت يضمن لهن صدارة البطولة عاماً بعد عام، على رغم أداء لا يتجاوز حدود التكرار ويفتقر إلى أي محاولة حقيقية للتطور، تظهر في المقابل، ممثلات يعرفن جيداً قيمة حضورهنّ دون الحاجة إلى قياسه بلغة الأرقام أو نسب المشاهدة، بينهنّ نجمات يتصدرن البطولة أحياناً، وأخريات يشاركن ضمن العمل، لكن ما يجمعهن هو أثرٌ لا تصنعه مساحة الدور، بل احترام المهنة نفسها، ذلك الإصرار المهني على تقديم أداء يُرى ويحترم المتلقي.

أحياناً لا نتذكر المسلسلات بسبب أحداثها، بل بسبب وجهٍ مرّ أمامنا وترك شعوراً غير قابل للتفسير، شخصية بدت مألوفة أكثر مما ينبغي، كأنها خرجت من حياة نعرفها لا من نص مكتوب، ربما لأن الدراما، في لحظاتها الصادقة، لا تحكي قصصاً جديدة بقدر ما تعيد ترتيب مشاعر قديمة داخلنا.

ثمة تغيّر هادئ يمكن لمسه في بعض الأعمال الدرامية التي عُرضت هذا العام في شهر رمضان، عبر الشخصيات النسائية تحديداً، فلم تعد المرأة تُكتب بوصفها مركز المأساة أو مكافأة النهاية، بل بوصفها مساحة قلق مفتوحة، تعيش الأسئلة بدل أن تجيب عنها.

الشخصيات التي سيتم تناولها في هذا المقال لا تشبه البطلات التقليديات، لا تنتصر دائماً لا تُنقذ أحداً، وأحياناً لا تنقذ نفسها، لكنها تفعل شيئاً أهم يكمن في كشف هشاشة العالم الذي يحيط بها، وما يجمع بين الأسماء المختارة أنهنّ قدمن أداء لافتاً يجعل كل من يدّعي القدرة على التمثيل أن يصمت أمامهنّ.

كاريس بشار… حين يصبح الصوت حكاية شخصية

في دورها في مسلسل "بخمس أرواح" للمخرج رامي حنا، أثبتت الممثلة السورية كاريس بشار أنها قادرة على تقديم الجديد في كل دور تؤديه، وفي شخصية "سماهر"، هي ليست مغنية من الدرجة العاشرة فحسب بل تدرك ذلك، لأنها ببساطة ارتأت أن تكون في هذا المستوى في محاولة لإعادة التعبير عن نفسها عبر الصوت حتى لو كان نشازاً وهو المطلوب في عالم يضيق تدريجياً بمن حولها ويهددها بأمومتها التي تحققت في مجتمع لا يرحم، فيصبح الغناء شكلاً من أشكال البقاء النفسي.

لكن "سماهر" في المقابل امرأة قوية، لا تسمح لأحد أن يتجاوزها أو يهينها، تعيش علاقة حب صادقة جدًا لكنها تمر بشكل مواز مع تخبطات الحبيب.

أحياناً لا نتذكر المسلسلات بسبب أحداثها، بل بسبب وجهٍ مرّ أمامنا وترك شعوراً غير قابل للتفسير، شخصية بدت مألوفة أكثر مما ينبغي، كأنها خرجت من حياة نعرفها لا من نص مكتوب، ربما لأن الدراما، في لحظاتها الصادقة، لا تحكي قصصاً جديدة بقدر ما تعيد ترتيب مشاعر قديمة داخلنا

في هذه الشخصية، استطاعت كاريس أن تعطي معنى للشخصية التي لا تُبنى من الحزن المباشر، بل من القدرة على إخفائه، ولذلك يبدو أداؤها وكأنه قائم على التناقض في التنقل بين الأحاسيس التي تعيشها.

أما الأغنية التي تؤديها أمام "السكارى" ليست لحظة استراحة درامية، بل اعتراف لا تستطيع الشخصية قوله خارج المسرح، ففي كل مرة تغني فيها، نشاهد الحقيقة التي تخفيها "سماهر" في حياتها اليومية، وهنا يتحول الأداء إلى فعل كشف بطيء، لا إلى استعراض، وهذا ما أدته كاريس بشار ببراعة.

نهى عابدين... ممثلة خاصة

ظهر اسم الممثلة نهى عابدين في عملين مصريين مختلفين تماماً وهما "سوا سوا" للمخرج عصام عبد الحميد في شخصية "نجوى"، ومسلسل "كان يا مكان" للمخرج كريم العدل في شخصية "مها".

وبمجرد التمعن في الشخصيتين، ندرك تماماً معنى القدرة على التنوع في الأداء. نهى ممثلة حضورها قوي ولديها قدرة على التماشي مع الشخصية، فبين العملين، تقدم عابدين تمريناً واضحاً على مرونة الهوية الدرامية: في شخصية نجوى المليئة بالمشاعر كأم لطفل يعاني من إعاقة وأرملة في آن واحد، تبدو جميلة وحنونة وقاسية في نفس اللحظة، تجعل من المشاهدين في حيرة في مشاعرهم تجاهها، حتى عندما وقعت في الحب اختارت أن تحب شخصية من ذوي الإعاقة، في جو تنتمي فيه الشخصية إلى واقعية العلاقات اليومية، حيث التفاصيل الصغيرة تصنع الصراع.

أما في شخصية مها، فتتحول عابدين إلى جزء من سرد حكائي أوسع، حيث الشخصية أقرب إلى رمز اجتماعي منها إلى فرد.

هذا الانتقال بين الشخصيتين، يكشف أنها ممثلة تدرك معنى التطور والتنوع في الأداء وتحترمهما.

هدى حسين… السلطة الهادئة

تعرف الممثلة الكويتية هدى حسين تماماً ما تختار وتدرك موهبتها التي باتت مدرسة لكثيرات. ففي مسلسل "الغميضة" للمخرج علي العلي، تلعب حسين دور امرأة عمياء ولا يمكن المرور على أدائها من غير إشادة، فهي تقدم نموذجاً نادراً للسلطة الأنثوية في الدراما الخليجية، سلطة لا تعتمد على الرؤية البصرية بل على الفهم، إذ إن الأم الكفيفة في "الغميضة" ليست رمزاً للضعف، بل مركز الإدراك في العمل: الجميع يتحرك حولها بينما تبقى هي الأكثر وعياً بما يحدث.

تعتمد حسين على حضور أدائي قوي، صوت منخفض، إيقاع محسوب، وصمت يتحول إلى مساحة تفكير للمشاهد تجاه شخصية لا تفرض حضورها، بل تجعل الآخرين يكشفون أنفسهم أمامها. وهنا يتحول "العمى" من نقص جسدي إلى رؤية أخلاقية أعمق.

استطاعت حسين أن تؤدي دورها بحرفية وخفة وتميز، تحترم من خلاله ثقلها وتاريخها وفي الوقت عينه تحترم جمهورها.

نانسي خوري… البحث عن النجاة

في مسلسل "مولانا" للمخرج سامر برقاوي، تظهر شخصية "زينة" التي تؤديها الممثلة السورية نانسي خوري. هذا الدور يمزج بين الخفة والشقاوة في حضرة ماضي يهدد بإهدار دمها في قضية "شرف".

تبدو زينة كأنها وصلت متأخرة إلى حياتها الخاصة، امرأة تهرب من ماض، لكنها تحمله في كل حركة وتخفيه عبر تمرد حيناً واحتماء حيناً آخر.

لا تقدم خوري شخصية تبحث عن الحب أو الخلاص، بل شخصية تبحث عن مكان تستطيع فيه أن تتوقف عن الخوف.

العلاقة التي تربطها بعالم "مولانا" ليست رومانسية بقدر ما هي علاقة سلطة روحية، امرأة تحاول أن تستعير يقين الآخرين لأنها فقدت يقينها الخاص.

هنا يصبح الأداء قائماً على الحذر قبل الانقضاض، نظرات قصيرة، حضور غير صدامي، في البداية تبدو وكأنها تدرس ما حولها قبل أن تقرر حركتها التالية في البحث عن الأمان حتى لو عاشت الوهم، وكأن الشخصية التي تعيش دائماً في وضع الاستعداد للهرب، تريد في نفس الوقت الاستقرار.

ما تقدمه خوري من خلال شخصية "زينة" هو فهم دقيق لفكرة النجاة الأنثوية في الدراما العربية، النجاة التي لا تبدو بطولة، لكنها أصعب أشكال المقاومة.

إلهام علي… النضج بوصفه صراعاً داخلياً

في الجزء الثاني من مسلسل "شارع الأعشى"، لا تتطور شخصية "وضحى" التي تؤديها إلهام علي عبر أحداث ضخمة أو صراعات خارجية، بل من خلال إدراكها العميق لثمن الزمن، فالشخصية تقف بين ماضٍ مألوف ومستقبل يفرض نفسه، وهذا التوتر الداخلي يشكل جوهر الأداء، على الرغم من أن حضورها في الجزء الأول كان أقوى من حيث كتابة الشخصية وشدّة تأثيرها، إلا أن إلهام علي ما زالت قادرة على منح المتلقي قوة "وضحى" التي تجسد المرأة البدوية التي لم تنسَ السماء التي غطتها ورمال الصحراء التي كانت فراشها.

في هذا الجزء، تعتمد "وضحى" على لغة الجسد، وعلى منطقة العيون التي تظهر من خلف برقعها، إلى جانب صوتها وتنقلاته، وحركات جسدها الواثقة، لتصبح كل هذه العناصر أدوات جذب المشاهد إليها، وقد استطاعت أن تجسد التحول النفسي للشخصية، فتتخلى عن الاندفاع لصالح التأمل، ليصبح الأداء أكثر هدوءاً ووعياً، وكأن الشخصية تراقب حياتها من الخارج لأول مرة.

هذه الوجوه النسائية لم تقدّم شخصيات تُشاهَد فقط، بل شخصيات تُفكَّر وتُحَسّ، وتبقى حتى بعد انتهاء الحلقة، كأنها جزء من ذاكرة المشاهد

إنه انتقال من ردّ الفعل إلى الفهم، ومن الحلم إلى المسؤولية، بحيث قوة الأداء هنا ليست في الأحداث، بل في التحولات الداخلية الدقيقة، وفي قدرة الممثلة على أن تجعل المشاهد يشعر بصمت الشخصية المليء بالمعنى، مما يعكس تمكّن إلهام علي من الدور وتجسيده بعمق وحساسية.

ما يجمع هذه التجارب في الأداء ليس التشابه، بل الاختلاف، كل ممثلة صنعت علاقتها الخاصة مع الشخصية، وكل أداء كشف جانباً من التحولات التي تعيشها الدراما العربية اليوم، في انتقالها من الحكاية المباشرة إلى الإنسان المعقّد.

وهنا تحديداً تكمن أهمية هذه الوجوه النسائية: لم تقدّم شخصيات تُشاهَد فقط، بل شخصيات تُفكَّر وتُحَسّ، وتبقى حتى بعد انتهاء الحلقة، كأنها جزء من ذاكرة المشاهد.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

سوريا ليست خبراً عابراً.

مسؤوليتنا أن نحكي عنها باستمرار.

بدعمكم، رصيف22 يبقى حاضراً.

Website by WhiteBeard
Popup Image