من اللافت في الموسم الدرامي السوري الحالي عودة "الطيور المهاجرة" إلى الدراما السورية، حيث أطلت أسماء عدة غابت لسنوات بفعل مواقفها المؤيدة للثورة.
غير أن هذه العودة جاءت متفاوتة من حيث الحضور والمساحات والنوعية أيضاً، إذ نجحت بعض الأسماء في تسجيل حضور لافت ينسجم مع موهبتها وجماهيريتها الواسعة، فيما حضر آخرون من دون إضافات ملموسة.
فارس الحلو على عرش القائمة
قبل خمسة عشر عاماً، كان آخر ظهور محلي بحت للفنان فارس الحلو، وتحديداً في المسلسل التاريخي "الحسن والحسين" بشخصية "ابن سبأ"، ليصدح بعدها بموقفه الرافض للظلم ويغادر البلد تحت وطأة التهديدات.
خلال فترة وجوده في فرنسا، اقتصرت تجارب الحلو على بعض الأفلام الأجنبية التي ناقشت قضايا عربية على غرار فيلم "المترجم" من إنتاج كندي سنة 2020 من تأليف رنا كزكز وإخراج وانس خلف، كما شارك في إنتاج ألماني بعنوان "قضية الغرباء"، من تأليف وإخراج راندت أندرسن، من دون إغفال حضوره في المسلسل السوري "وجوه وأماكن" الذي ضم بعض الفنانين المعارضين على غرار جمال سليمان وعبد الحكيم قطيفان وسوسن أرشيد ويارا صبري وغيرهم، وكان عبارة عن ثلاثيات منفصلة ألفها كل من الراحل خالد خليفة وغسان زكريا وهيثم حقي الذي أشرف على إخراج العمل.
من اللافت في الموسم الدرامي السوري الحالي، عودة "الطيور المهاجرة" إلى الدراما السورية، حيث أطلت أسماء عدة، كانت قد غابت لسنوات، بفعل مواقفها المؤيدة للثورة، لكن العودة جاءت متفاوتة
منذ تلك الفترة، ظل صاحب شخصية "إسماعيل كمخة" بعيداً من المسلسلات السورية حتى عاد هذا الموسم من خلال "العقيد كفاح" في مسلسل "مولانا" عن فكرة لبنى حداد وإخراج سامر البرقاوي وإنتاج شركة الصباح. وقد أتاح هذا الدور مساحة مهمة للحلو للظهور ضمن عمل درامي واسع الانتشار، وبدا مميزاً من خلال أدائه شخصية متسلطة على أنفاس أهالي قرية "العادلية".
ومن المشاهد التي خطفت الأضواء وتحولت أشبه بمبارزة تمثيلية بينه وبين شخصية "مولانا"، حين نجح البطل في الوصول إلى مكتب "العقيد" وبرع الاثنان في أداء محكم سواء في تعابير الوجه والسخرية اللاذعة بينهما.
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار فارس الحلو علامة فارقة في موسم دراما رمضان الحالي، وقد أثبت مجدداً أنه "نحات" من الطراز الرفيع وما زال في جعبته الكثير لتقديمه والعودة لمكانته المستحقة بعد سنوات من الحرمان والتهميش.
مكسيم خليل أمام عدسة رشا شربتجي
ظل مكسيم خليل من الأسماء النادرة التي لم يتأثر حضورها الفني مقارنة بباقي زملائه المعارضين للنظام، حيث كان مواظباً على المشاركة في مسلسلات بإنتاج مشترك تندرج ضمن ما يُعرف "بالبان أراب". وهي الخلطة التي اعتمدتها بعض شركات الإنتاج في لبنان للحفاظ على حضور النجوم السوريين والاستفادة من جماهيرية بعض الأسماء، على غرار تيم حسن وباسل خياط وقصي خولي ومكسيم خليل.
ومن الأعمال الجديرة بالثناء، مسلسل "غداً نلتقي"، الذي كان من أهم المسلسلات في زمن الثورة، وهو من تأليف إياد ابو الشامات وإخراج رامي حنا وبطولة مكسيم خليل وكاريس بشار وعبد المنعم عمايري.
ظل مكسيم خليل من الأسماء النادرة التي لم يتأثر حضورها الفني مقارنة بباقي زملائه المعارضين للنظام، حيث كان مواظباً على المشاركة في مسلسلات بإنتاج مشترك
يجدد خليل تعاونه مع المخرجة رشا شربتجي، بعد سنوات من الغياب، في مسلسل "مطبخ المدينة"، وكان آخر عمل بينهما "الولادة من الخاصرة" الذي أنتج عام 2011 وقبله جمعتهم تجارب عديدة مثل "أسعد الوراق" و"تخت شرقي".
في العمل الجديد، يجسد خليل دور "شجاع "، المتطوع في "الدفاع الوطني"، إلى جانب عمله في مطبخ والده، وتتشابك حياته مع أحداث وعلاقات معقدة، في مسلسل لا يخرج عن نطاق أغلب المسلسلات التي يكتبها علي وجيه، وهذه المرة بغياب شريكه الدائم في الكتابة الممثل يامن الحجلي، حيث نرى وجهاً قاتماً لبلد منهك وسط دوامة متشابكة.
لا يبدو دور "شجاع" مختلفاً ولا يحمل أبعاداً أكبر تجعلنا نتحدث عن عودة قوية ومختلفة لصاحبه، لكنه جدير بوصفه باباً متجدداً للبطولة المشتركة المفقودة في سوريا منذ سنوات طويلة.
أسماء عادت بعد غياب
من الأسماء التي عادت كذلك بعد غياب يقارب 17 سنة عن التمثيل المحلي، الفنان والكاتب محمد أوسو، الذي غادر سوريا متوجهاً نحو الولايات المتحدة الأمريكية، تاركاً خلفه تجارب محدودة لكنها تحمل أثراً واسعاً على المتلقي من خلال شخصياته الكوميدية القريبة من نبض الشارع، كمسلسل "السالب والموجب" الذي أنتج سنة 2009، إضافة إلى مسلسلات مثل "بكرا احلى" و "هارون" و"كسر الخواطر"، وشارك أيضاً في كتابة بعض لوحات سلسلة "مرايا" و"بقعة ضوء".
أثناء وجوده في الخارج، حاول أوسو تقديم بعض المحاولات الفنية البسيطة في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه سرعان ما توارى عن الأنظار مجدداً قبل أن تفتح له سوريا الباب على مصراعيه لإيصال أفكاره المختلفة، ويشارك هذا العام من خلال مسلسل "بنت النعمان" من تأليفه وإخراج سيف الشيخ نجيب، نجل المخرج الراحل محمد الشيخ نجيب، الذي كان قبل سنوات طويلة من أوائل من احتضن أعمال أوسو.
يعكس الموسم الحالي حضور عدد من الفنانين الذين عادوا إلى الدراما السورية بعد سنوات من الغياب، في حين لا تزال أسماء أخرى بعيدة من الأضواء بانتظار فرص جديدة في المرحلة المقبلة
وتعد يارا صبري من الأسماء اللواتي انتظر الجمهور عودتها بعد سنوات من الغياب عن الشاشة السورية، حيث تشارك عبر مسلسل "المقعد الأخير" من تأليف لؤي النوري وإخراج حسام سلامة بشخصية "هناء"، كما تشارك في مسلسل "لوبي الغرام"، إلى جانب أسماء عربية مختلفة، غير أن عودة صبري تبدو "خجولة" مقارنة بسجلها الحافل وتجاربها المهمة التي راكمتها مع مخرجين كبار مثل الراحل حاتم علي.
وفي "المقعد الأخير"، نشهد عودة الفنان جهاد عبدو للدراما المحلية بعد أن قادته الغربة لخوض تجارب سينمائية مهمة، من بينها فيلم "الكهف".
ويشارك عبدو في المسلسل المكوّن من 15 حلقة، في خطوة تعيد حضوره إلى الأعمال المحلية.
كما عاد الفنان نوار بلبل إلى الواجهة، من خلال مشاركته في مسلسل "مطبخ المدينة" كقائد في "الدفاع الوطني"، إضافة إلى ظهوره في إحدى ثلاثيات مسلسل "القيصر لا مكان لا زمان" في دور قائد فصيل.
وتبرز الفنانة سلاف عويشق كذلك ضمن قائمة العائدين للدراما السورية بعد آخر ظهور لها عام 2012 في مسلسل حمل عنوان "بيت عامر"، وقد شاركت في الموسم الحالي بدور "أم منير" في مسلسل "مولانا" وجسدت شخصية الأم الحنونة الخائفة على ابنها الوحيد لدرجة الهوس، ونجحت في ترك انطباعات جيدة رغم محدودية الدور، كما عادت لملعبها المفضل أي الكوميديا من خلال مسلسل "بنت النعمان" بشخصية "أم سعيد"، وتبقى عودة مهمة في انتظار مساحات أكبر تليق بموهبة من أبدعت بدور "الست جاكلين" العالق بالأذهان حتى اللحظة.
وبذلك يعكس الموسم الحالي حضور عدد من الفنانين الذين عادوا إلى الدراما السورية بعد سنوات من الغياب، في حين لا تزال أسماء أخرى بعيدة من الأضواء بانتظار فرص جديدة في المرحلة المقبلة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
