صباح يوم بارد في خواتيم شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر من عام 1918، وعند أطراف جزيرة ليمنوس اليونانية، جمعت المدمّرة الحربية البريطانية "إتش إم إس أغاممنون" على متنها أشلاء قيادة الدولة العثمانية في أثناء استعطافهم طلب وقف الحرب وإعلان الاستسلام غير المشروط عملياً أمام قوات الحلفاء.
تمّ توثيق اسم الوليد التاريخي الناتج عن هذا اللقاء المثير بين الحلفاء والإمبراطورية الساقطة من خلال المزج بين الحدث ذاته واسم الميناء الذي حصلت فيه الواقعة، فكان: "هدنة مودروس".
المتن لمحبرة المنتصرين
وقف جنرالات الجيش "العثملي" وذيولهم متدلية بين سيقانهم حاملين صفحةً بيضاء مذيّلةً بتوقيع المهزوم، وتركوا لمحبرة المنتصرين المتن كاملاً.
الطعنة الحقيقية بعد فلسطين وُجّهت إلى الشعب الكردي، حيث نصّت المواد 62 و63 و64 في معاهدة "سيفر" 1920 على تشكيل لجنة لتنظيم حكم ذاتي لهم في مناطق شرقي الفرات، مع حقّهم في الانفصال عن تركيا وتأسيس دولة مستقلة خلال عام واحد بموافقة عصبة الأمم
تمّ رص بنود الاتفاق في قلب الرقعة بتتابع، فكل الممتلكات التي نهبتها السلطنة الدموية على مدار قرون حُكمها المرير من شعوب المنطقة البائسة، ستؤول لقوى الحلفاء المحتلة، بل أكثر من ذلك ستضاف إلى القائمة أراضيها الأساسية في آسيا الوسطى والتي تشمل المرافئ وسكك الحديد ومضيقَي البوسفور والدردنيل الإستراتيجيين.
كان كل بند يُكتب يمسح معه ملامح الكيان الجغرافي العثماني الذي ابتلع الخريطة لقرون.
كُتبت بنود "مودروس" بصيغة الخطوط العريضة وكأنها سُبكت على عجل، فكانت على شكل نقاط محدودة ومركّزة وبنود بنهايات مفتوحة تحتمل التأويل، حيث تركت كتابة التفاصيل والملاحق إلى أن تضع كلّ المعارك الحربية والسياسية التي لم تحسم بعد أوزارها، وينجلي عن المشهد الكلّي غبار الصدامات الدموية التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى.
أقلّ من عامين كان مدةً كافيةً لتخمّر خليط رؤى دول المحور حول المشهد في هذه البقعة من العالم. وعلى وقع لهيب شمس آب/ أغسطس من رأس العقد الثاني، نضجت الوصفة التي أُُجل حسمها وصار الوقت مناسباً لنقل بنود الاستسلام العثماني من الورق إلى الأرض بشكل إجرائي.
لفهم الحالة باختصار، نحن نقف أمام مسألة بمحورين؛ الأوّل شعوب تمّ احتلالها واغتصاب أراضيها لقرون وتعرّضت لعملية تنكيل وبطش وسرقة وتحويل ثقافي ولغوي وإداري لفرض الطابع التركي الهمجي على كل مكوناتها الاجتماعية من جهة، وفي الطرف الثاني لدينا رأس الأخطبوط في الأستانة وجوارها حيث يوجد الناطقون باللغة التركية.
لا مكان للصدفة
في الحقيقة لم يبنِ الإنكليز رؤيتهم لمستقبل المنطقة خلال مهلة العامين بعد انقضاء ليلة مودروس. الأمر أبعد بكثير وأعقد مما يتم تصويره في الكتابات الثورية المؤدلجة عن لعبة المنقلة والفرجار (من أدوات الهندسة للرسم والقياس)، التي قامت عليها خطوط الدول بعد الحرب العالمية الأولى.
لقد جمع الإنكليز خلال العقود التي سبقت تمدّدهم في المنطقة معلومات متكاملةً عن كل شبر في جغرافيا الشرق الأوسط، وتكفّل رحّالتهم على اختلاف نواياهم بتشريح الحالة السياسية والاجتماعية في كلّ مرحلة وبشكل دقيق، وأشبعوا سيل المعلومات المتدفق من ديموغرافيا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باتجاه عاصمة الضباب، تحليلاً وبحثاً.
ولعلّ درّة تاج هذه البيانات ما استخلصته ملكة الصحراء "غيرترود بيل"، ويمكن مطالعة كتبها التي لا تُقدّر بثمن حتى يومنا هذا. فمن خلال جولاتها المسحيّة التي امتدت من الهند إلى مصر وما بينهما، مرت على شعوب هذه البلاد وتعلّمت لسانها ولهجاتها وثقافاتها وبناها الاجتماعية.
في إيران تحدثت بالفارسية بطلاقة. وفي العراق انخرطت في تفاصيل المجتمع حتى صارت خاتون بغداد. وفي شمال السعودية أدركت مفردات القبائل وامتدادها. وفي الأردن بيّنت طموح الزعامات القبلية وعقدة الجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها. وفي فلسطين وسوريا بيّنت تفرّد الحالة الاجتماعية ونقاط قوّتها وضعفها، وأفردت لجبل الدروز باباً كاملاً.
بعد أكثر من مئة عام من طعنة "لوزان"، تضخّمت القضية إلى درجة لم يعد بالإمكان معها تجاهلها؛ فتعداد الأقلية الكردية يُقدّر اليوم بما يقارب أربعين مليون إنسان.
كانت تقاريرها الأمنية والاستخبارية مرجعاً حقيقياً بُنيت عليه أدقّ تفاصيل المفاوضات الإنكليزية في أثناء وضع بنود التقسيم المبنية في كل معاهدة وخلف كل بند يتم تسطيره. فيضُ بيانات ما زال الباحثون يلجأون إلى مستودعاته نظراً إلى حرفية العمل البحثي الذي يصف الحالة الاجتماعية والسياسية والأمنية بناءً على مسح معلوماتي ميداني شامل ودقيق بدأ بتقارير استخبارية في حينه، وعندما تقادم الزمن على هذه المعلومات أُفرج عنها لتتحول إلى علم كامل ندرسه اليوم تحت مظلة الأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، حيث يتم رصد ثقافات الناس وسلوكهم وتدرّج تطوّرهم عبر الزمان والمكان.
على وقع ما سبق من منهج بحثي علمي ممتدّ عبر العقود والحدود، تمّ وضع التفاصيل المؤجلة لمودروس.
بين سيفر ولوزان… تلك هي المسألة!
في ظلّ البيانات الضخمة التي امتلكها الإنكليز عبر شبكة رحّالتهم أو جواسيسهم -سمّهم ما شئت-، وهناك في ضاحية باريسية وادعة في عام 1920، كُتبت بنود الاتفاقية التي سُمّيت تيمّناً بالمكان: "معاهدة سيفر"، والتي ما زالت تشكّل معضلةً سياسيةً تاريخيةً إلى يومنا هذا.
نُقشت البنود على وقع خلاصات البيانات حول شعوب المنطقة، فأُعلن عن استقلال أرمينيا وكردستان، وتمّ طرح وضع المضائق تحت إدارة دولية، وتنازلت تركيا عن الأراضي غير الناطقة بالتركية، ووافقت على تقليص جيشها إلى حدود الخمسين ألف جندي.
حزمة بنود كانت نقطة ضعفها عدم مراعاتها صعود الحركة التركية الوطنية "قواي ملليه"، والتي ستُعرف باسم زعيمها "مصطفى كمال أتاتورك" الذي سيخوض حرب الاستقلال التركية.
بفضل هذه الحرب، سينجح "أتاتورك" بعد ثلاثة أعوام في تعديل بنود "سيفر" الفرنسية لتحلّ محلها اتفاقية "لوزان" السويسرية التي جاءت على صيغة أقرب إلى التسوية السياسية منها إلى الإملاءات التي ميّزت سابقتها.
كانت الصورة أكثر وضوحاً وبنود الاتفاقية المئة والثلاثة وأربعين محكمةً، بحيث أعادت للأتراك إدارة المضائق والسيادة على الحدود لدولة تركيا التي نشاهدها اليوم، ودخل العرب في مسار جديد بين الانتداب والوصاية، ودخلوا في فصل جديد نعلم جميعاً تفاصيله.
لكنّ الطعنة الحقيقية بعد فلسطين وُجّهت إلى الشعب الكردي، حيث نصّت المواد 62 و63 و64 في معاهدة "سيفر" 1920 على تشكيل لجنة لتنظيم حكم ذاتي لهم في مناطق شرقي الفرات، مع حقّهم في الانفصال عن تركيا وتأسيس دولة مستقلة خلال عام واحد بموافقة عصبة الأمم.
تبخرت البنود التي حفظت حق الشعب الكردي جميعها من دون مقدمات في أثناء الترحال بين "سيفر" و"لوزان"، فنشأت المسألة الكردية التي لا تزال تعامَل كحالة ترف سياسي حتى يومنا هذا.
لتتوزّع دماؤهم بين القبائل
ولتعزيز بؤس الحالة، فُرّقت أجسادهم في الاتجاهات الأربعة، فتقاسمت الدول الوليدة حلم كردستان، وبذلك أفلت الجاني بفعلته وسُجّلت القضية ضدّ مجهول. اليوم، بعد أكثر من مئة عام من طعنة "لوزان"، تضخمت القضية إلى درجة لم يعد بالإمكان معها تجاهلها؛ فتعداد الأقلية الكردية يُقدّر اليوم بما يقارب أربعين مليون إنسان.
ولكن لا تقف الحسابات عند العاملَين الجغرافي بتعقيداته والسكّاني وكتلته الضخمة في هذه المعضلة، بل يمتدّ الأمر إلى تناقضات التوازن الإقليمي والدولي والتدخلات بين الدول ومشاريعها التوسعية التي تمرّ فوق جثث شعوب المنطقة، وما يتبعها من اصطفافات سياسية وعسكرية، وكلها معايير على تنوعها خذلت الكرد على الدوام وليس فقط في "لوزان".
هذا الأمر أورث الكرد شعورهم العميق بالخيانة من كلّ الجهات وتوثّقه الحكمة الكردية القائلة: "لا أصدقاء سوى الجبال".
لم يبنِ الإنكليز رؤيتهم لمستقبل المنطقة خلال مهلة العامين بعد انقضاء ليلة مودروس، فقد جمعوا خلال العقود التي سبقت تمدّدهم في المنطقة معلومات متكاملةً عن كل شبر في جغرافيا الشرق الأوسط، وتكفّل رحّالتهم بتشريح الحالة السياسية والاجتماعية في كلّ مرحلة وبشكل دقيق
وبتفرّق الأكراد بحسب المعاهدة على الدول الأربع؛ تركيا، العراق، سوريا وإيران، خاضت كل مجموعة صراعها تبعاً لموقعها الجغرافي وضمن ظروفها ومعطياتها.
في العراق، بعد سقوط النظام في عام 2003، أنجز الأكراد كيانهم الفيدرالي في إقليم كردستان، فيما يخوض أكراد إيران صراعات لا تتوقف حول الثقافة والحقوق، لطالما انتهت بقمع وحشي.
وفي كوباني، واجه الأكراد حرب إبادة أمام أرتال الدواعش القادمين من بطون كتب إدارة التوحش.
"ضفيرة هافالة"
المعركة التي وثّقتها عدسات الكاميرات في العقد السابق، لم تنتهِ بدحر داعش في عين العرب، بل تجددت قبل شهور لحظة صعود النظام السوري الحالي القادم من رحم جبهة النصرة، شقيق داعش التوأم والمدفوع من تركيا، الدولة التي استبسلت لمنع إعلان ولادة دولة كردية قبل أكثر من مئة عام في "لوزان" بالتواطؤ مع القوى الكبرى.
مجدّداً، وبعد قرن كامل من الخديعة الكبرى للشعب الكردي، تخلّى الجميع من دون مقدمات عن متحدّي الموت في الرقة، وتُركوا لقمةً سائغةً لأكلة الضفائر.
مشهد كفيل ليدرك الكرد أنّ مركز ثقل قضيتهم ليس في أراضي كردستان، وإنما كان دوماً يتأرجح بين إسطنبول من جهة ومصالح الدول الكبرى التي تخشى من صعود المارد الكردي الذي يتمدّد على أكبر مخزون نفطي ويتربّع على ثقل جغرافي يزعزع التوازن الإقليمي ويجعل عودته إلى القمقم إن خرج، ضرباً من الخيال.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
