في رمضان، وجدت نفسي أعود لمسلسل "مرايا 2000"، وهي الكوميديا التي كانت جزءاً من طقوسنا الرمضانية.
واللافت أن هذا النوع من المسلسلات، كـ "بقعة ضوء" (رمضان 2001)، و"على المكشوف" (رمضان 2003)، وغيرهما من الأعمال الكوميدية الخفيفة، كانت تشكل "مادة دسمة" على المائدة الدرامية الرمضانية: كوميديا تعكس الواقع بذكاء وتلامس همومنا بأسلوب سلس، في حين أننا نرى اليوم تراجعاً ملحوظاً للأعمال الكوميدية مقابل الأكشن والدراما والإثارة.
هل يعود ذلك لغياب الكُتّاب القادرين على صياغة كوميديا ذكية أم لتغيّر تفضيلات السوق والإنتاج؟ هل تغيّر المزاج العام وبات المشاهد غير مستعدّ للضحك؟
الكوميديا السورية… ذاكرة لا تموت
كانت المسلسلات الكوميدية السورية أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، فقد شكلت هذه الأعمال الفنية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا وواقعنا، وكانت أيضاً من طقوس رمضان تُعرض على مائدته وتناقش في السهرات الأسرية، بحيث تميزت بترجمة الواقع بذكاء وتقديم نقد اجتماعي وسياسي.
هل فقد الجمهور قدرته على الضحك وسط الأزمات أم أن الكُتّاب الكوميديين الذين يشرحون معاناة الشعب السوري بشكل كوميدي لم يعودوا موجودين، مما جعل الجمهور يبحث عن الكوميديا القديمة في أرشيف اليوتيوب بعيداً من شاشات رمضان المثقلة بالهموم؟
فقد قدمت مثلاً سلسلة "مرايا" لياسر العظمة، التي بدأ عرضها في العام 1982 واستمر حتى العام 2013، لوحات تعالج القضايا بشكل كوميدي، وبدوره، شكل مسلسل "بقعة ضوء" 2001، إخراج الليث حجو، نقطة تحول بلوحاته التي تسلّط الضوء على الفساد بأسلوب ساخر.
في الواقع، كانت هذه المسلسلات متنفساً ضرورياً للجمهور فقدمت الأمل والقدرة على السخرية من الواقع المعيوش بشتى ظروفه، وأصبحت تمثل الذاكرة الجماعية للسوريين وصورة عن سوريا في عين المواطن العربي.
قد يسأل البعض: لماذا يعود المشاهد لهذه الأعمال رغم مرور زمن على عرضها؟ الجواب يكمن في أنها ببساطة شكلت الذاكرة الجماعية لدى الجمهور ومتنفساً وضحكة لا تغيب.
المشهد الدرامي وتراجع المساحة الكوميدية
تحول الميدان الدرامي اليوم وأصبحت تغلب عليه أعمال ذات طابع درامي سوداوي. ففي العام 2026، لم يعد التراجع الكوميدي السوري مجرد ظاهرة عابرة، بل هو نتيجة تضافر عوامل متعددة: سياسية، اجتماعية، فنية وإنتاجية، وفيما كانت الدراما الاجتماعية الكوميدية من الأساسيات أصبحت الآن تحضر بخجل أمام الدراما التي تواجه الواقع والجريمة والأكشن.
في هذا العام، اتجهت الدراما نحو مواضيع حساسة مثل المعتقلات وتوثيق حقب سياسية معيّنة، مثل مسلسل "الخروج من البئر" (رمضان 2026) عن قصة عصيان صيدنايا 2008، ومسلسل "قيصر" (رمضان 2026) الذي يروي قصص المعتقلين في سجون الأسد، ومسلسل "السوريون الأعداء" الذي يحكي عن مجزرة حماة 1982.
كانت المسلسلات الكوميدية السورية أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، فقد شكلت هذه الأعمال الفنية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا وواقعنا، وكانت أيضاً من طقوس رمضان تُعرض على مائدته وتناقش في السهرات الأسرية، بحيث تميزت بترجمة الواقع بذكاء وتقديم نقد اجتماعي وسياسي
تغيرت ذائقة الجمهور والمزاج العام وتوجهت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى الكوميديا السريعة والقصيرة، مما أثر في طبيعة الإنتاج الكوميدي، حيث أصبحت المسلسلات الكوميدية الطويلة أقل جاذبية.
ورغم المحاولات للحفاظ على النمط السريع في مسلسل "ما اختلفنا 3" في رمضان 2026، إلا أن هذا العمل يواجه تحديات كبيرة في جذب الجمهور، حيث تعتبر الكوميديا السياسية غير آمنة للمنتجين، مما يدفعهم نحو أعمال درامية واجتماعية تكون أكثر جاذبية للممولين والمنصات.
ولكن الأهم من كل ذلك هو ترجيح غياب المزاج العام للجمهور للبحث عن الضحكة المفقودة، هل فقد الجمهور قدرته على الضحك وسط الأزمات أم أن الكُتّاب الكوميديين الذين يشرحون معاناة الشعب السوري بشكل كوميدي لم يعودوا موجودين، مما جعل الجمهور يبحث عن الكوميديا القديمة في أرشيف اليوتيوب بعيداً من شاشات رمضان المثقلة بالهموم؟
قد لا يكون غياب الكتّاب الموهوبين أو ضعف الإنتاج السبب المباشر خلف تراجع الكوميديا، لكن الظروف الصعبة التي يعيشها الجمهور جعلت الضحكة صعبة، فالمشاهد السوري يجلس أمام الشاشة وهو يفكر في فاتورة الكهرباء، وهذا التوتر يؤثر بشكل مباشر في قدرته بالاستمتاع بالمحتوى الكوميدي.
وتراجع الكوميديا هو مؤشر اجتماعي على تدهور ظروف الحياة، فعندما تتحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، يعود الجمهور تلقائياً إلى استهلاك المحتوى الخفيف.
وعليه، يمكن القول أن الكوميديا السورية لن تعود إلا عندما يتمكن السوريون من الضحك من دون أن يخافوا من البكاء.
بين الفشل والنجاح
يعد مسلسل "بنت النعمان"، الذي يعرض في رمضان 2026، أوضح مثال على تراجع الكوميديا، حيث فشل في تقديم الكوميديا بالطريقة التي يتوقعها الجمهور السوري، خصوصاً مع عودة محمد أوسو ككاتب وممثل.
بالعودة إلى العام 2014، وهي من أصعب الفترات في الحرب الأهلية السورية، قدم مسلسل "ضبو شناتي" نموذجاً مختلفاً تماماً، بحيث استطاع أن يكوّن كوميديا حقيقية ويكون أيقونة في أحلك الظروف، إذ واجه الواقع بروح ساخرة وذكية وقدم الضحكة التي تخفف الألم من دون أن تستخف به.
من غير الممكن لكوميديا التسعينات وبداية الألفية أن تضحكنا اليوم بنفس الطريقة. لقد تغير الجمهور وتطورت أذواقه، كما تبدلت المنصات التي تعرض المحتوى، وهذا التحول يتطلب من صنّاع الكوميديا فهماً عميقاً لهذه المتغيرات
وتالياً، فإن الكوميديا السورية لا تموت بسبب الأزمات، بل عندما تفقد صلتها بالواقع. فقد حاول مسلسل "نسمات أيلول" في رمضان 2025 إخراج رشا ويزن شربتجي أن يعيد الجمهور إلى الذاكرة الجماعية وأن يعيد الاتصال بين الحاضر والماضي، مما يشير إلى أن الجمهور لا يرفض الكوميديا، بل يرفض الكوميديا التي لا تعكس واقعه ولا تلامس همومه.
نحن لا نرفض التغيير بحد ذاته ولكننا نرفض التراجع أو تغيير الاتجاه نحو الأسوأ، فمن غير الممكن لكوميديا التسعينات وبداية الألفية أن تضحكنا اليوم بنفس الطريقة. لقد تغير الجمهور وتطورت أذواقه، كما تبدلت المنصات التي تعرض المحتوى، وهذا التحول يتطلب من صنّاع الكوميديا فهماً عميقاً لهذه المتغيرات.
وبالتالي، يجب أن يكون التطور الفني موجهاً نحو جودة أعلى وعمق أكبر في المعالجة، وذكاء في تناول القضايا، بدلاً من الانجراف نحو التسطيح أو الابتذال.
تقع مسؤولية تطوير الكوميديا والارتقاء بها على عاتق صنّاع العمل أنفسهم، من كتّاب ومخرجين ومنتجين، فالجمهور يبحث عن الضحكة التي تلامس واقعه وتعكس همومه بذكاء، وهو مستعد للتفاعل مع الكوميديا التي تحترم عقله وتقدم له قيمة فنية حقيقية، والعودة إلى جوهر الكوميديا السورية، الذي كان يجمع الناس ويخفف عنهم أعباء الحياة، لا نعني بذلك الحنين الأعمى للماضي، بل دعوة لوعي فني جديد يستلهم من الأصالة ليصنع مستقبلاً كوميدياً يليق بجمهور يستحق الأفضل.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
