منذ بدء عرض الحلقات الأولى من مسلسل "صحاب الأرض"، لم يقف تفاعل الغزيّون مع أحداثه باعتبارها شهادة فنية خلال الإبادة التي عاشوا مرارتها، لتعيد لذاكرتهم مشاهد القصف والنزوح القسري، وصرخات الأمهات، والبحث بين الركام عن أثر للحياة.
على أنقاض المنازل، وداخل مخيمات النزوح، ومن بين الأزقة المُعتمة للخيام، وعبر شاشات صغيرة، يتداول أهالي القطاع مشاهد من المسلسل الذي عكس حجم فاجعة خاضوا غمارها ولا يزالون، لتفاصيل يعرفونها جيداً لا من مُخيلة كاتب بل من يومياتهم القاسية.
على أرض الواقع، يظهر ما يميّز تفاعل الغزيين مع "صحاب الأرض"، في أنهم لا يشاهدونه بمنأى عن الأحداث المتلاحقة، إذ على بعد أمتارٍ قريبة منهم، تُسمع أصوات الانفجارات وإطلاق النار بين فينةٍ وأخرى داخل ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، لتختلط أصوات نغمات تتر المسلسل مع أصوات المسيّرات الإسرائيلية فوق رؤوسهم.
"أبطالٌ حقيقيون"
أعادت الحلقات التي عُرضت من المسلسل لذاكرة خليل أبو الياس مشاهد النزوح من منطقة الجلاء بمدينة غزة، وتحديداً جمعية الشبان المسيحية، حيث حوصر المكان وبدأ القصف يحيط بالمُحاصرين من كل اتجاه، وكانت الدبابات تطحن أجسادهم عبر جنازيرها.
يروي أبو الياس لرصيف22، تفاصيل تلك الواقعة التي عاش أهوالها في ظل انقطاع الاتصال وغياب التغطية الإعلامية بفعل كثافة النيران، لكن المسلسل جسّد تلك الحادثة عندما ذكر إياد نصار لمنة شلبي خلال هروبه عن حقيقة المكان ضمن أحد المشاهد بالمسلسل.
يقول أبو الياس: "لا أدري كيف وصل إليهم هذا المشهد، ومن أخبرهم به، وقفة احترام لهم لأن الكثير لم يعرف بهذه الواقعة".
منذ بدء عرض الحلقات الأولى من مسلسل "صحاب الأرض"، لم يقف تفاعل الغزيّون مع أحداثه باعتبارها شهادة فنية خلال الإبادة التي عاشوا مرارتها، لتعيد لذاكرتهم مشاهد القصف والنزوح القسري، وصرخات الأمهات، والبحث بين الركام عن أثر للحياة
هذا المشهد وغيره أعاد تحريك ذاكرة أبو إلياس: "بكى القلب لهول ما رأيت لأنه نقل موقفاً إبادياً حدث بصمت فقد شهدت بعيني إعداماتٍ ميدانية وموتاً جماعياً".
أما حكمت المصري التي قررت مشاهدة المسلسل الذي عاد بشريط ذكرياتها لحرب لم تنتهِ تفاصيلها تقول لرصيف22: "اختلط صوت المسلسل بصوت القصف والدراما بالواقع، ولم أعد أميّز بين مشهدٍ يُعرض على الشاشة، ومشهدٍ يُكتب بدمنا كل يوم".
تضيف النازحة الفلسطينية: "رأيت الأزقة التي تشبه أزقتنا والبيوت التي تشبه بيوتنا قبل أن تصبح ركاماً، وسمعت اللهجة القريبة من قلوبنا. فبكيت، لم يكن بكاءً عادياً، كان بكاء من يضع الملح على جرح مفتوح".
بكثير من الحسرة والألم تروي: "نحن الذين عشنا التفاصيل لا نستطيع مشاهدتها ببرود المتفرج، نحن لسنا جمهوراً، نحن الحكاية نفسها".
تختم المصري حديثها بالقول: "لم يكن صحاب الأرض مجرد مسلسل بل بدا كأنه رواية حيّة عما جرى ويجري في غزة، كأن العمل أراد أن يقول للعالم: انظروا جيداً فهذه الأرض لها أصحاب وهذه الحكايات ليست أرقاماً في نشرات الأخبار".
لم يكن تمثيلاً
يعبر فراس أبو شرخ، من مدينة غزة، عن شعوره حينما شاهد حلقاتٍ من المسلسل قائلاً لرصيف22: "حين شاهدت صحاب الأرض، شعرت وكأن الشاشة لم تعد تفصلني عن الواقع، بل كشفت ما نحاول كل يوم أن نخفيه خلف صبرنا".
ويضيف الشاب المكلوم من فقد أحبته وأقربائه: "هذا العمل لم يكن تمثيلاً، كان وجعاً حقيقياً يُعاد ترتيبه على شكل حكاية نحن أبطالها".
"اختلط صوت المسلسل بصوت القصف والدراما بالواقع، ولم أعد أميّز بين مشهدٍ يُعرض على الشاشة، ومشهدٍ يُكتب بدمنا كل يوم"
لم يشاهد أبو شرخ المسلسل بإرادته، وفق ما يقول: "لأنه على غير العادة لم يكن مسلسلاً عادياً، إذ ثمة ما يشعرني بأن المعاناة لم تُنسَ، وأن هناك من يوثقها فنياً".
يضيف: "شاهدته، ولم أخرج كما دخلت، فقد خرجت وأنا أحمل ثقل التفاصيل التي نعيشها يومياً، لكنها هذه المرة كانت بصوتٍ أعلى وصورةٍ أوضح".
الذاكرة الثقيلة
في المقابل، يرى غزيّون آخرون أن تفاصيل المسلسل ومشاهده تظل قاسية حدّ إعادة الصدمة، لذلك تبقى تجربة المشاهدة مرتبطة بالحالة النفسية لكل فرد، وبمدى قدرته على مواجهة ذاكرته الخاصة.
تقول الصحافية مرح الوادية: "أستغرب من الغزيين الذين يتابعون المسلسل، فتفاصيل الإبادة لا تفارقني، تطاردني حتى وأنا في بلد يُفترض أنه آمن. كل مشهد يوقظ فيّ ألماً دفيناً، ويغرس في صدري شعوراً هشّاً بأن ما أعيشه اليوم كناجية قد يكون مؤقتاً وزائلاً".
وتضيف لرصيف22: "أعيش على أعصابٍ مشدودة، كأن الأحداث لم تنتهِ بعد، وكأنها ما زالت تتكرر في داخلي بلا توقف. كيف استطعتم مشاهدة المسلسل؟ كيف منحتم أنفسكم القدرة على نبش جراح نحاول جاهدين الهروب من تفاصيلها؟
"هذا العمل لم يكن تمثيلاً، كان وجعاً حقيقياً يُعاد ترتيبه على شكل حكاية نحن أبطالها"
بكل أسى ومرارة مما مرت به غزة خلال عامين من الحرب، ما زال السؤال يراود الوادية قائلة: "هل استطاع المسلسل فعلاً أن يصف ما مررنا به أم أنه لم يكن سوى شذراتٍ بسيطة من واقعٍ أثقل وأقسى مما يُروى؟".
التجربة عينها التي عاشها الصحافي والمصور الفلسطيني محمود الهمص من مدينة رفح حين كان شاهداً على كثير من المجازر التي ارتكبت خلال الإبادة، يقول لرصيف22: "أقدر جهود القائمين على المسلسل في أنه عرض مشاهد قريبة من الواقع، وهي جزء بسيط مما شهدناه على الأرض".
ويضيف: "المسلسل يجب أن يُفهم باعتباره منصة لإظهار صورة المظلومين وتسليط الضوء على معاناتهم وصمودهم، لا باعتباره أداة لتلميع أدوار سياسية، فالرسالة يجب أن تكون مركّزة: الإنسان أولاً والحق أولاً والحقيقة أولاً".
وتمنى الهمص أن "يتأثر المشاهد العربي بما حمله المسلسل من أحداث، طالما أن الكثير منهم لم يتأثر بالمشاهد الحقيقية".
أما الإعلامية الفلسطينية مادلين شقليه من مدينة غزة، فتثمن فكرة إنتاج المسلسل، لكنها ترى أن الواقع كان أوضح وأصعب مما عرض، وتقول بلهجتها الغزاوية: "كل يوم كانت بتنعرض مجازرنا وموتنا على كل الشاشات والصورة كانت بث حي ومباشر ولا حد حرك شي ولا وقف هالإبادة".
وتضيف لرصيف22: "ما عندي فضول أشوف وجعنا كمان مرة لأنو إحنا محتاجين ننسى اللي شفناه وعشناه".
تختم شقليه حديثها بصوت تخالطه الدموع قائلة: "شكراً لفكرة إنتاج المسلسل، بس إحنا كنا المسلسل اللي اتفرج عليه العالم كل يوم".
ومع انتهاء حلقات المسلسل ينتهي الوجع عبر الشاشات، لكن في غزة لن يُسدل الستار، إنما ستبقى الحكاية معلّقة، وكل آمال الغزيين مُعلّقة في أن يستمر هذا التوثيق الفني والإعلامي لإبادتهم التي ما زالوا يعانون من ويلاتها.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
