التقاليد والطقوس المرتبطة بشهر رمضان بين المجتمعات التركية لها تاريخ طويل، غير أنّ كثيراً من التقاليد التي تُرى اليوم في تركيا تشكّلت في زمن الإمبراطورية العثمانية. فبعد أن اعتنق الأتراك الإسلام في القرون الوسطى، ولا سيما في زمن دول مثل سلاجقة الروم، أخذت شعائر الصوم ومراسم رمضان الدينية تدخل تدريجياً في حياتهم الاجتماعية. ومع ذلك، حين أصبحت إسطنبول في القرن الخامس عشر عاصمة للدولة العثمانية، اكتسب رمضان شكلاً جديداً وتحول من عبادة فردية محضة إلى تجربة جماعية ومدينية. كانت المساجد الكبرى في المدينة مثل مسجد آيا صوفيا ومسجد السليمانية تُضاء في ليالي رمضان بالمصابيح والفوانيس، وكانت تُثبت بين المآذن كتابات مضيئة تُعرف باسم "ماهيا"، تعرض رسائل دينية أو أدعية قصيرة.
وكلمة "ماهيا" التي كانت تُكتب وتُقرأ في العهد العثماني "ماهیه"، مكوّنة من الاسم الفارسي "ماه" واللاحقة العربية "ية"، وتعني "شهري" أو "خاص بالشهر". ومن الشائع في تركيا أن يُشار إلى أشهر رجب وشعبان ورمضان بين الناس باسم "الأشهر الثلاثة" من دون ذكر أسمائها. وكلمة "ماهيا" أيضاً، من دون أن تذكر اسم شهر محدد، اكتسبت معنى "الخاص بشهر رمضان"، لأن هذا العمل لا يُقام – إلا في حالات نادرة – إلا في شهر رمضان. وليس معلوماً في أي تاريخ أقام العثمانيون أول ماهيا، غير أنّ صورة وردت في رحلة الرحالة الألماني الشهير شوایگر سنة 1578 تُظهر ماهيا بين مئذنتي مسجد بوضوح.
في ذلك الزمن كان "الماهياجي" يرسم أولاً نموذجاً صغيراً للماهيا التي سيقيمها على قماش أطلس أخضر أو أحمر، مستخدماً لآلئ كانت تُرسل إليه من البلاط. فإذا نال هذا النموذج إعجاب السلطان، أقام الماهيا تماماً وفق ذلك التصميم. وكان الخط الأنسب لتصميم الماهيا هو خط الثلث، وأحياناً كانت تُرسم بجانبه صورة زهرة أو زهرتين من اللبلاب، أو الورد، أو النرجس، أو نجمة، أو هلالين ينظران إلى نجمة في الوسط، إلى جانب عبارات مثل "مرحباً رمضان"، أو "تبارك الله"، أو "بسم الله". وكانت الماهيات في ذلك العصر تعتمد على مصابيح زيتية، وكان زيت المصابيح يُبدّل كل ليلة، بحيث كان يُستخدم لكل ماهيا في المتوسط ستة إلى سبعة لترات من زيت الزيتون في الليلة الواحدة. وفي أواخر العهد العثماني بدأ الماهياجيون تدريجياً يستبدلون المصابيح الزيتية بالمصابيح الكهربائية. ولا يزال بالإمكان في شهر رمضان مشاهدة الرسائل الأخلاقية أو الدينية التي تتلألأ في سماء إسطنبول بين مئذنتي المسجد.
وفي إسطنبول وبعض مدن الأناضول كان الناس يعتقدون أن المصابيح المعروفة باسم ماهيا تتلألأ أحياناً في الليلة الأولى من رمضان بأشكال خاصة تحمل رسائل رمزية عن السنة القادمة؛ فمثلاً كان لون معيّن من ألسنة اللهب يدل على وفرة الخبز أو على صحة أفضل للمجتمع. وعندما يتزامن رمضان مع فصل الشتاء، كان بعض الناس يرمون قليلاً من الثلج أو الجليد من سطح البيت قبل الإفطار، معتقدين أن ذلك يجلب البركة إلى مائدتهم.
رمضان… عيد السلاطين
في تلك الفترة أيضاً تشكّلت كثير من العادات المدينية المرتبطة برمضان. قبل غروب الشمس كان النشاط يملأ الأحياء؛ فالخبازون كانوا يخبزون خبز رمضان الخاص، المعروف باسم "بيده رمضان"، في أفرانهم الحجرية، وكانت طوابير طويلة تتشكل أمام المخابز. وكان بائعو الحلويات يضعون قبل الإفطار بقليل صواني كبيرة من البقلاوة والحلوى في واجهات محالهم، وتفوح رائحة الأشربة المعطرة في الأزقة. ومع اقتراب موعد الإفطار كان يُطلق المدفع في بعض نقاط المدينة ليعلم الناس لحظة الإفطار؛ وهو تقليد شاع في القرن التاسع عشر، ولا سيما في المدن الكبرى للإمبراطورية العثمانية.

كاراغوز
وبعد الإفطار تمتلئ الشوارع والساحات بالناس. كانت العائلات تخرج للتنزه الليلي، وتُقام أسواق مؤقتة حول المساجد، ويعمل باعة الشراب والقهوة والمكسّرات حتى ساعات بعد منتصف الليل. وكانت الساحات توفر أيضاً وسائل تسلية للناس؛ من عروض خيال الظل لشخصيتي "كاراغوز" و"حاجي عيواظ" – وهما شخصيتان من أقدم ألعاب الظل التقليدية في تركيا – إلى رواية القصص والموسيقى. وهكذا لم يكن رمضان في إسطنبول العثمانية شهراً للعبادة فحسب، بل تحوّل إلى نوعاً من الاحتفال الليلي المديني الذي يجمع بين البعد الديني والبعد الاجتماعي والثقافي.
في بعض القرى والأحياء القديمة كان يُعتقد أن صوت طبل رمضان في وقت السحور، عندما يمتزج بالريح، ينتج نغمة تنقل نيات الصائمين الخفية إلى آذان الملائكة. ولهذا كانت العائلات والأطفال يسيرون في الريح خلف الطبال وهم يرددون الأدعية
في كثير من البيوت كان الصوم يُفطر على التمر أو الزيتون، ثم تُقدَّم – بحسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسرة – الحساء الخفيف والخبز الطازج وأطباق اللحم. وفي زمن الإمبراطورية العثمانية كان من أبرز مظاهر رمضان إقامة موائد إفطار عامة للفقراء؛ وهي عادة لها بُعد ديني، لكنها كانت أيضاً نوعاً من إظهار السخاء والمكانة الاجتماعية لدى الطبقة الأرستقراطية. وكان كثير من الأغنياء والتجار وموظفي البلاط يقيمون في بيوتهم أو في ساحات المساجد موائد كبيرة ليجلس إليها المارة والمحتاجون وحتى المسافرون من دون سؤال أو تكلف. وكانت هذه الإفطارات غالباً تُقام في إطار المؤسسات الخيرية الإسلامية المعروفة بالوقف، أي إن الأثرياء كانوا يوقفون جزءاً من أموالهم لتوزيع الطعام كل ليلة من ليالي رمضان.
وفي كثير من المدن، وخاصة إسطنبول، كانت هذه الموائد تُحضَّر في المطابخ العامة التابعة للمجمعات الدينية. وكانت قدور كبيرة من الحساء والأرز واللحم تغلي ساعات طويلة على النار، ويقوم الخدم قبل الغروب بتوزيع الأطباق على الناس. وكان بعض الأغنياء يجلسون أيضاً إلى جانب ضيوفهم حتى لا يشعروا بالحرج، ويفطرون معهم بالطعام نفسه. وكان هذا التقليد الرمزي في الثقافة العثمانية ليس مجرد مساعدة للفقراء، بل طقساً اجتماعياً لتعزيز الروابط بين طبقات المجتمع المختلفة.

رؤية الليل
في البلاط العثماني كان الإفطار يبدأ بالتمر والأشربة الباردة، ثم تُقدَّم أنواع الحساء والأرز ولحم الضأن والحلوى. ويُروى أنه في مطبخ قصر طوب قابي الملكي كانت تُحضَّر عشرات الأنواع من الطعام للإفطار. ومع ذلك كان إفطار السلطان غالباً بسيطاً نسبياً، لأن التقاليد الإسلامية توصي ببدء الصوم بطعام خفيف. وكان السلطان أحياناً يدعو أشخاصاً عاديين مثل الجنود أو موظفي القصر إلى الإفطار إظهاراً لتواضعه. وفي بعض الفترات، خاصة في عهد السلطان مراد الرابع في القرن السابع عشر، كان السلطان يرسل أشخاصاً متخفين بين الناس في رمضان لمعرفة أجواء المدينة الحقيقية. كان هؤلاء يتجولون بملابس عادية في الأسواق والمقاهي وساحات إسطنبول ليروا هل تُراعى آداب رمضان وكيف هي أحوال المدينة.
"أكرم الضيف المجهول، فربما هو السلطان!" كان السلاطين يتجولون متنكرين سراً بين الموائد. لم يكن الهدف مراقبة الصائمين، بل التأكد ألا يبيت أحداً جائعاً، أو يرتفع سعر الخبز.
وكان السلطان مراد الرابع نفسه – المعروف بتجوله في إسطنبول متنكراً – يخرج أحياناً متخفياً في المدينة ليرى الأوضاع عن قرب. ولم يكن الهدف من ذلك مراقبة الصوم فقط، بل كان يريد أن يعرف شخصياً: هل بقي فقير بلا طعام في الأحياء؟ وهل ارتفعت أسعار الطعام في الأسواق أكثر من اللازم؟ فإذا وصل إلى السلطان خبر عن غلاء فاحش أو فوضى في السوق، كان التاجر أو صاحب الدكان يُعاقَب بسرعة في اليوم نفسه. وتذكر بعض الروايات أن السلطان كان يدخل أحياناً إلى مقهى دون أن يعرفه أحد، أو يجلس إلى موائد إفطار الناس ويستمع إلى أحاديثهم. وبعد أن شاعت هذه القصة بين الناس، صار مثل يتداول في المدينة يقول: "في شهر رمضان أكرم الضيف المجهول، فربما كان السلطان جالساً على مائدتك".
رمضان؛ المدينة والناس في موائد الإفطار الفاخرة في بيوت الأشراف أو في البلاط، كان الضيوف يتلقون بعد الطعام هدية أيضاً. وقد تكون هذه الهدية نقوداً أو قماشاً أو عطراً أو حتى ذهباً. وكان المضيف يقول مازحاً وهو يعطي الهدية: "هذه أجرة أسنانكم"، أي إن الضيف تكبّد عناء مضغ الطعام، فيستحق مكافأة! وكان هذا التقليد نوعاً من اللطف الثقافي العثماني لتقديم المساعدة المالية للضيوف من دون أن يشعر أحد بالحاجة أو الخجل.
ومن معتقدات الناس في تركيا القديمة الاعتقاد بما يسمى "رؤية الليل" لدى الأطفال في رمضان. كان الناس يعتقدون أنه إذا مشى الأطفال في منتصف الليل في فناء البيت وقرأوا الدعاء، يمكنهم أن يروا مستقبلهم في المنام، بل وقد يرون أحياناً أحلاماً تنبؤية. وفي بعض القرى والأحياء القديمة كان يُعتقد أن صوت طبل رمضان في وقت السحور، عندما يمتزج بالريح، ينتج نغمة تنقل نيات الصائمين الخفية إلى آذان الملائكة. ولهذا كانت العائلات والأطفال يسيرون في الريح خلف الطبال وهم يرددون الأدعية. وكان الطبالون من تقاليد رمضان التي ما زالت مستمرة في معظم مدن تركيا حتى اليوم، ويعود أصلها إلى العصر العثماني؛ إذ كانوا يسيرون قبل الفجر في الأزقة ويوقظون الناس للسحور بدقات الطبل، ويقرؤون عادة أبياتاً قصيرة طريفة تبعث النشاط في الصائمين في الساعات الأولى من اليوم. وأحياناً في أيام عيد الفطر، أو في الليالي بعد الإفطار، يطرقون أبواب البيوت فيعطيهم الناس بقشيشاً أو حلوى.
ومن المعتقدات الطريفة أيضاً ما يتعلق بخبز الإفطار وحلواه. كان يُقال إنك إذا أعطيت آخر "بيده رمضان" بنية الخير لفقير أو ضيف، فإن هذا الطعام يتكاثر بطريقة عجيبة؛ فيكفي للآخذ ويظهر مرة أخرى على مائدة المعطي ويجلب البركة. ولهذا كان الناس ينتظرون أحياناً ساعات أمام المخابز لعلهم يحصلون على آخر رغيف بيده، بل إن شجاراً كان يقع أحياناً بسببه.

عهد أتاتورك
بعد تأسيس الجمهورية التركية سنة 1923 والإصلاحات العلمانية التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك، أُبعدت كثير من المظاهر الدينية من الفضاء الرسمي للدولة ومن ملامح المدينة. ومع ذلك استمر رمضان كتقليد اجتماعي بين الناس. ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، ومع تزايد حضور الدين في المجال العام، أُحييت كثير من تقاليد العصر العثماني، مثل إقامة خيام الإفطار الكبيرة من قبل البلديات، وتنظيم البرامج الثقافية والفنية في ساحات المدن، وظهور الأسواق والمهرجانات الخاصة بهذا الشهر.
كان الضيوف يتلقون بعد الطعام هدية قد تكون نقوداً أو قماشاً أو عطراً أو حتى ذهباً. فيقول المضيف مازحاً: "هذه أجرة أسنانكم" أي إن الضيف تكبّد عناء مضغ الطعام، فيستحق مكافأة! وكان هذا التقليد العثماني لتقديم المساعدة للضيوف من دون أن يشعر أحد بالخجل
واليوم في مدن مثل إسطنبول لا يُعد رمضان مناسبة دينية فقط، بل حدثاً اجتماعياً وثقافياً أيضاً. تقيم البلديات في الساحات التاريخية مثل ميدان السلطان أحمد برامج مثل حفلات الموسيقى التقليدية والعروض الفنية وأكشاك الطعام والحرف اليدوية والأسواق الليلية. وتعيد موائد الإفطار الجماعية التي تجمع آلاف الأشخاص إحياء تقاليد التضامن والضيافة في الثقافة المدينية التركية. وهكذا يجمع رمضان في تركيا اليوم بين الطقوس الدينية وذكريات التقاليد العثمانية ومظاهر الحياة الحضرية الحديثة في آن واحد.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
