ما هي أول صورة تأتي في مخيلتكم حينما ترد أمامكم سيرة بغداد العباسية؟ مدينة مطهمة بالعز، يرفل أهلها في الحرير والذهب، يعيشون في ضياعٍ شاسعة تجاورت فيها الفاكهة مع الفضة والجواري مع الغلمان والشعر مع الأغاني ومُلك فارس مع صحوة العرب.
حسناً، لم تبتعدوا كثيراً عمّا كان يجري في الواقع؛ كل هذا وأكثر كان يحدث بالفعل في قصور بغداد ومنازلها العامرة وغيرها من المدن العباسية التي شُيدت وفق فلسفة حياتية تحولت لاحقاً إلى القاعدة الهندسية "سُرّ مَن رأى" التي لخّصت نظرة أحفاد العباس لمُدنهم الكبرى بأنها يجب ألا تكون إلا عواصم لأعاجيب الدنيا.
"ألف ليلة وليلة" وغيره من كُتب التاريخ خلّدت هذا النوع من الحياة البغدادية المترفة حتى باتت كلمة "البغددة" مصطلحاً نستخدمه حتى اليوم للتعبير عن النعيم المبالغ به. حين ننطق كلمة "بغددة" فإننا لا نتصوّر أنها قد تحمل معنى معاكساً لم تتحمّله قواميسنا ولم تصطك له تعريفاً جامعاً يختصر أقصى درجات الألم والفقر التي قد يعيشها إنسان.
رغم الشهرة الزاعقة لنعيم بغداد فإن تلك الحياة لا تعكس إلا وجهاً واحداً من الحقيقة التي عاشتها عاصمة العباسيين، فخلف القصور والضياع والحدائق قبع عالم آخر لا نعرف الكثير عنه تشكّل في الحواري والأزقة الضيقة والبيوت القِنان التي خاصمها الحكام والذهب وراجت فيها كسرات الخبز الفاسد والمرض وروح التمرد.
عالم اشتدَّ فيه الفقر حتى عجز الناس عن إطعام أبنائهم وكساء أنفسهم، فقادوا الثورات ونازعوا الخليفةَ سُلطاتِه. لم نعرف عنهم الكثير ربما لأن المؤرخين اعتبروا حكاياتهم غير مثيرة بما يكفي لتسليط الضوء عنها فغضّوا الطرف عنهم وحبّروا الكُتب فقط بأخبار الملوك والسلاطين وزوار بلاطهم من الوزراء والأغنياء.
هنا سنعيد لهؤلاء الاعتبار المتأخر، وسنُلملم فسيفساء الأخبار التي ضنّت علينا المرويات بالكثير منها حتى نتمكن من الحديث، لأول مرة، عن فقراء بغداد وبؤسها الذي ربما لم ترَ مثله البلاد.
بغداد: مدينة التناقضات
بحسب ما أورده فهد المطيري كتاب "التاريخ الاقتصادي للدولة العباسية في العصر العباسي الثاني"، فلقد عاشت الدولة العباسية ازدواجية اجتماعية ضخمة بعدما وصل ترف الأغنياء إلى مرحلة باتت مضرباً للأمثال، وفي الوقت نفسه بلغ الفقر بآخرين درجة لا تُوصف.
بينما تلمع قصور بغداد بالذهب وتترنم حدائقها بأشعار الأغنياء، تخبو الأزقة الضيقة وتئن البيوت الفقيرة تحت وطأة الفقر، لتصبح المدينة لوحةً مزدوجة الأوجه تجمع بين العظمة والضياع في آن واحد
وحدّد المطيري في مؤلّفه الطبقاتِ الرئيسية التي تكوّن منها المجتمع العباسي في عصره المتأخر، وهي: الأغنياء، وهُم الخليفة وعائلته وأقرباؤه ويدخل معهم كبار الموظفين كالوزراء وكبار التجار. بعدهم تأتي الطبقة المتوسطة وتشمل التجار والموظفين وأصحاب الملكيات الصغيرة، وأخيراً الطبقة الأخيرة وتشمل الفلاحين وأهل الحرف وصغار الصنّاع والباعة المتجولين والجنود والفلاحين والعمال وغيرهم من أصحاب المهن المتواضعة.
بحسب الكتاب فإن هذه الفئات لم تكن مؤهلة للمشاركة في الحُكم ولا المشاركة في تحصيل التعليم والثقافة؛ الأمر الذي حكم عليها بحياة الفقر والجهل واستمرار تدهور أوضاعهم الصحية والمعيشية طيلة حيواتهم.
تلك الأوضاع المعيشية المتدهورة ازدادت سوءاً مع تعرض الدولة لأي كارثة يكون الفقراء فيها أكثر المتضررين منها، فبجانب تعرُّض بغداد لعدة فيضانات دمّرت كثيراً من بيوتها وأسواقها، خاضت الدولة حروباً مستمرة حتى داخل أقاليمها وضد ولاتها الطامعين في الاستقلال؛ ما ألقى بظلال سلبية على معيشة أهالي الطبقة الدنيا مثل الفلاحين الذين اضطرت جماعات كبيرة منهم لترك أراضيهم الزراعية في الريف واللجوء إلى المدن الأكثر حصانة من قراهم الصغيرة الفقيرة.
بحسب المطيري فإن حياة المزارعين اللاجئين إلى بغداد تحوّلت في أغلب الأحيان إلى فراغ قاتل بعدما سيطرت عليهم البطالة والشعور بالنقمة على الطبقات الغنية.
أكلوا الحيوانات والكلاب
في أطروحتها "الحياة الاجتماعية في الدولة العباسية بالعراق" استعرضت أحلام يوسف بعض جوانب حياة فقراء بغداد مؤكدة أنه بعكس الولائم الحافلة في قصور الأثرياء فإن طعام فقراء بغداد كان بسيطاً يتكون من الخبز الذي يُصنع عادة من القمح والشعير وحبوب أخرى أقل جودة. كذلك كان طعامهم قليل الدسم لا يحتوي الكثير من اللحم، فكانوا يأكلون من مطاعم الشواء المنتشرة في الأسواق ومن لحوم الرؤوس والسمك الصغير المقلي ولحوم الجمال وبطونها.
في بعض الأحيان كان الفقير البغدادي لا يجد ما يأكله من المواشي والطيور، فيمدُّ بصره تجاه حيوانات غيرها، حتى أن الجاحظ تحدث في كتابه "الحيوان" عن طائفة من فقراء بغداد كانوا يأكلون العقارب والجراد والكمأة.
وخلال أزمة اقتصادية وقعت سنة 330هـ كان الجراد يُباع علناً في الأسواق المائة قطعة بدرهمين وأقبل عليه الفقراء بل إن بعض المطاعم كانت تقدمه مطبوخًا ليسد به البسطاء جوعهم.
وفي كتابه "تاريخ بغداد" كشف الخطيب الطيب أنه سنة 360هـ كان الضعفاء من أهل بغداد يستهلكون "سويق الحمص شهرين أو ثلاث مع كونه غير طيب".
هذا الوضع المذري كان مغيباً عن قصر الخلافة أغلب الوقت فيروي المحسن التنوخي في كتابه "نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة" حواراً بين الخليفة المقتدر وأحد الملاحين تناول فيه الخليفة الطعام معه، بعدها طلب منه طبق الحلوى، فأجابه الملاح بأنه لا يعرفها، فاستغرب المقتدر قائلاً: "ما ظننتُ أن في الدنيا مَن يأكل طعاماً بلا حلوى بعده".
محاولات إنقاذ الأوضاع
بحسب ما أورد عبدالله جمعان في كتابه "النظام المالي الإسلامي في العصر الأول للدولة العباسية والمقارنة بالأنظمة الوضعية الحديثة"، فإنه خلال العصر العباسي الأول اهتم الخلفاء بمساعدة المساكين من ساكني دولته، فكان الخليفة العباسي الواثق يفرّق ملايين الدنانير عليهم في بغداد وغيرها من المدن الإسلامية الكبرى.
كذلك خلال عهد هارون الرشيد كان الفقراء والمساكين يتقاضون من بيت المال ما يعينهم على الابتعاد عن الفقر المدقع ويقربهم من أدنى مراتب الغنى واليسار، وهو ما لم يقتصر على المسلمين فقط، وإنما على غيرهم من المسيحيين واليهود أيضاً اقتضاءً بما فعله عمر بن الخطاب حينما جعل شيخاً يهودياً فقيراً من مستحقي الزكاة بعدما أسقط عنه الجزية.
وحسبما ذكر بدر عبد الرحمن في كتابه "الدولة العباسية: دراسة في سياستها الداخلية" فقد كان الرشيد يتصدق بألف درهم يومياً على فقراء بغداد.
أيضاً ورد عن الخليفة المأمون أنه وزع 24 مليون (ألف ألف ألف بحسب ما ورد بالرواية) درهم على فقراء بغداد، حسبما ورد في كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية" لابن الطقطقي. وفي بعض الأحيان كانت النجدة تأتي من الخارج مثلما حدث في عهد حاكم مصر أحمد بن طولون الذي أرسل إلى فقراء بغداد خلال مدة ولايته 1.2 مليون دينار، حسبما ذكر مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم".
أما في العصر العباسي الثاني الذي سادت فيه فوضى إدارية بعدما أوشكت سُلطة الخليفة على الانهيار وتأمّر القادة الأجانب على دولته واستقلال أغلب الولاة بولاياتهم، انعكس كل ذلك سلباً على بغداد التي تقاعست السُلطة فيها عن دعم فقرائها، بل زادت الضرائب عليهم ما أدى إلى انتشار الفقر والتذمر العام.
يقول عبد العزيز الدوري في كتابه "دراسات في العصور العباسية المتأخرة"، إنه في عهد البويهيين، وتحديداً بعد عضد الدولة، فإننا لا نكاد نسمع إلا الحديث عن الفقر والخراب وتكرر فيضان دجلة الذي خرّب الأرض والغلات لعدم تنظيم مياهه.
في العصر البويهي قاسى الفلاحون من الضرائب العالية ومن تدهور نظام الري وكثرة تعدي الأعراب على القرى إلى تكرر موجات الغلاء والمجاعات بشكلٍ لا سابق له حتى بلغت معاناتهم حدّاً غير مسبوق وصفه ابن مسكويه في كتابه "تجارب الأمم" قائلاً: "فمن بين هاربٍ جالٍ وبين مظلومٍ صابر لا يُنصف وبين مستريح إلى تسليم ضيعته إلى المقطع".
في كتابها اعتبرت أحلام يوسف أن شيوع مثل هذا النوع من الفقر المدقع في بدن الدولة العباسية بالغة الثراء يدلُّ "على تخلي الدولة العباسية عن مسؤوليتها تجاه هذه الفئة المحرومة اجتماعياً من أدنى حقوقها وتقصيرها الواضح في تقديم أبسط الخدمات الاجتماعية الضرورية لها".
الفقراء يريدون إسقاط النظام
تقول أحلام يوسف في كتابها "الحياة الاجتماعية في الدولة العباسية بالعراق"، إنه مع تزايد الفجوة في الحياة بين الأغنياء والفقراء بالعراق انقسم المجتمع العباسي إلى "طبقة عُليا مترفة أفسدت الحياة بترفها وطبقة فقيرة أساء الفقر إلى دينها ودنياها".
وهو ما يُمكننا الاعتماد عليه كتفسير متزن لظهور جماعات كبيرة نشأت في رحم أحياء الفقراء لم تكتفِ بتقديم الاحتجاجات إلى الخلفاء ووزرائهم، بل قادوا تمردات مسلحة زلزلت أركان الدولة.
بحسب المطيري فإنه بمرور الوقت شكّل الصناع والحرفيون فئة نشيطة داخل المجتمع العباسي بعدما بدأوا يتكتلون في تنظيمات موحدة لتنظيم مصالحهم المشتركة والدفاع عنها، وعندما عانوا من أزمات مالية نظموا حركات تمرد ضد الدولة للمطالبة بتحسين أوضاعهم الاقتصادية.
وكشف أن كثيرًا من هؤلاء العمال كانوا من غير العرب أي من الموالي الذين شكلوا طبقة واحدة لا يوجد تمييز عنصري بين مكوناتها وشملت الفرس والترك والزنوج والديالمة والروم والنبط والأرمن والأكراد وبسطاء العرب.
في كتابه "تاريخ العراق الاقتصادي" وصف عبد العزيز الدوري العيارين بأنهم طبقة من فقراء بغداد امتلكوا نظرة عدائية للأغنياء والتجار الموسرين والأشراف، لذا فإنهم كانوا على استعداد للثورة ضد طبقة النخبة التي احتكرت السياسة والمال. ورغم ما عُرف عن العيارين من تمسكهم بالأخلاق الحميدة فكانوا دائماً يقولون إن الفتى لا يزني ولا يكذب ويحفظ الحرم ولا يهتك ستر امرأة، إلا أنهم أحلوا لأنفسهم أموال الأغنياء باعتبار أنهم لا يدفعون الزكاة، لذا فأخذها منهم مسموح به، بل حلال شرعاً.
بمرور الوقت رتبت تلك الجماعات نفسها بشكل منظم في ظل استمرار تدهور الأوضاع السياسية حتى أصبحوا كُتلة أساسية في موازين القوى الرئيسية بالمجتمع العراقي، فلعبوا دوراً كبيراً في أحداث تاريخية كبرى، فخلال حصار المأمون لأخيه الأمين في بغداد سنة 196هـ، استعان بهم الأخير في محاولته الأخيرة لإنقاذ جيشه، حينها بلغت تقديرات المؤرخين بقوة العيارين أن عددهم فاق المئة ألف فرد!
وبحسب ما روي ابن الأثير فإن الأمين لم يكن يأمن جانبهم رغم انحيازهم لهم، فينقل في كتابه "الكامل في التاريخ" قول الأمين: "وددت أن الله قتل الفريقين جميعاً فأراح الناس منهم، فما منهم إلا عدو لي، أما هؤلاء -يقصد العيارين- فيريدون مالي وأما أولئك -جيش المأمون- فيريدون نفسي".
كذلك لجأ للعيارين أمير الأمراء العباسي ابن شيرزاد خلال حربه ضد البويهيين عام 334هـ. وبشكلٍ عام فإنه خلال العصر البويهي زادت قوة العيارين في المجتمع البغدادي بسبب انتشار الفوضى السياسية واتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء.
ولم يكن العيارون هم حركة الفقراء الوحيدة التي سخطت على أوضاعهم خلال الخلافة العباسية ورفعوا راية التمرد ضدها في أرض السواد وإنما كرر فعلتهم الزنج بثورتهم التي تفجرت في عهد الخليفة العباسي المهتدي سنة 255هـ. قاد تلك الثورة العبيد السود الذين كانوا يُجلبون من سواحل إفريقيا ويستخدمهم ملاك الأراضي وأصحاب الإقطاعات الزراعية في الخدمة.
وبحسب ما ورد في كتاب "دراسات في العصور العباسية المتأخرة" فإن النمو المطرد في طبقة كبار التجار وامتلاكهم مساحات شاسعة من الأراضي دفعهم لجلب العبيد من الخارج لاستغلالهم في الزراعة، وكان الزنوج الذين يُستقدمون من شرق أفريقيا اختياراً مثالياً لهذه المهمة بسبب ما عُرف عنهم من الصبر على العمل والقابلية للكدح.
لذلك نظم التجار حملات لاصطيادهم وشرائهم من شرق إفريقيا وأواسطها وبيعهم في بغداد حيث عملوا في ظروف عملٍ مروعة دفعتهم لتفجير واحدة من أخطر الثورات في العصر العباسي.
لاحقاً نجح هؤلاء العبيد في الاتصال ببعضهم بعضاً وأعلنوا التمرد ضد الطبقة الأرستقراطية العباسية، كان عددهم ضخماً وحركتهم بالغة التأثير، فانتشروا في البحرين وخوزستان وبعض أجزاء العراق بل إنهم نجحوا في الاستيلاء على البصرة. بسبب ما تعرضوا له فإن هذه الحركة حملت مقتاً كبيراً ضد كل ما هو عباسي وارتكبوا مجازر واسعة وأعمال انتقامية ضد المدن التي اقتحموها مثلما جرى في البصرة التي ما أن خضعت لهم حتى ذبحوا أهلها وحرقوا بيوتهم وخربوا مسجدها التاريخي.
وبحسب الدوري فإن التطرف في التنكيل بالعبيد انقلب إلى تطرف في الانتقام، فخلال ثورتهم ارتكب الزنوج كثيرًا من الأفاعيل والأمور المنكرات أظهرت عُمق حقدهم ليس على أسيادهم القساة فقط بل على المجتمع الإسلامي العباسي بأسره.
لم يكن بريق بغداد العباسية وحده ما صنع أساطيرها، بل أيضاً صرخات المقهورين الذين جاعوا بين الحواري، فكل حركة احتجاجية كانت صدىً لفقرٍ طالما تجاهله الحكام وراء أسوار القصور المزخرفة
لم تكن تلك الحركة الاحتجاجية بالموجة الهينة فلقد احتاجت الدولة العباسية إلى 14 عاماً من القتال حتى نجحت في احتواء تمرد العبيد السود.
وللمفارقة الكبرى فإن الدولة العباسية اعتمدت على العياريين في جهودها لقمع الزنج. تقول أحلام: "على الرغم من أن حركة الزنج قامت نتيجة لسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي كان يُوجب أن يتوحد العيارون معهم ويناصرونهم، إلا أنهم قد وقفوا ضدهم وسبب ذلك يعود إلى سياسة الدولة التي أدركت هذا الأمر فعملت على تقريب العيارين فأمرت لهم بالأرزاق لضرب الزنج وبهذا نجحت في التفريق بينهم".
لاحقًا أضيفت لهما حركة ثورية أخرى أشعل الفقر غضبها على الخلافة العباسية هي ثورة الزنط. يقول حسين قاسم العزيز في كتابه "البابكية"، إن الزنط هم سكان المنطقة التي تقع بين واسط والبصرة في مناطق المستنقعات المعروفة بالبطائح، حيث يربون الجاموس والبقر، عاشوا ظلماً شديداً دفعهم إلى التذمر والاحتجاج ثم الانتفاض ضد السُلطة.
بحسب العزيز فإن الاضطرابات بدأت سنة 205هـ\820م فعيّن المأمون لمحاربتهم عيسى بن يزيد الجلودي وبعد مضي أكثر من عام فشل الجلودي في مهمته، فأزاحه المأمون وعيّن قائداً آخر بدلاً منه ليتكرر نفس السيناريو وتفشل القوات العباسية في التوغل وسط الأهوار، حيث كان يعتصم الزنط الذين ظلوا على تمردهم حتى عام 219عـ\834م حين أرسل الخليفة المعتصم إليهم جنراله المخيف عجيف بن عنبسة، فنجح في سد مسالك المياه ومحاصرتهم والتغلب عليهم وإرسال قائد الثورة الزنطية ومساعده أسيراً إلى بغداد.
كذلك فإن ثورة القرامطة تنبت نهجاً اشتراكياً صارماً مضاداً للأرستقراطية الاستعبادية التي غرقت بها الدولة العباسية في عصورها الأخيرة. سنة 276هـ فرض القائد القرمطي حمدان بن الأشعث على أتباعه نظام الألفة وبموجبه تجمع أموال القرية في مكانٍ واحد وبعدها يجري توزيعها بالتساوي على السكان أجمعين.
هذه الفلسفة حكمت قناعة القرامطة في تمردهم ضد الخلافة العباسية مثلما فعلوا سنة 316هـ حين ثاروا ضد سلطة بغداد وهم يحملون أعلاماً بيضاً كُتب عليها: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين".
وفي ختام استعراضها لكواليس ظهور مثل هذه الحركات علّقت أحلام: "مثل هذه الحركات في المجتمع العباسي كانت نتيجة حتمية للتناقضات بين الطبقات، فكانت ردة فعل هذه الطبقات المحرومة بعد أن ملّت من سوء أوضاعها فلجأت إلى الثورة في محاولة منها لتغيير أوضاعها الاجتماعية".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



