في عام 2018 طُلب من طلبة الدكتوراه بكلية برلين للدراسات العليا في ثقافات ومجتمعات المسلمين المشاركة في يوم العلم الألماني عبر تقديم أنشطة تثقيفية للجمهور العام الذي يزور الجامعات في هذه المناسبة السنوية. تزامن الحدث مع شهر رمضان، وكان ضمن طلبة الدكتوراه في ذلك العام مجموعة من الطلاب المصريين -وكنتُ من بينهم- فاقترح بعض الزملاء أن تتضمن مشاركتنا معرضاً للمشروبات الرمضانية التي تتميز بها الثقافة المصرية.
بدت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها سرعان ما تحولت إلى مدخل غني للتعريف بجوانب متعددة من الثقافة اليومية في مصر: عادات الطعام، والذاكرة الجمعية، والرمزية الدينية، وحتى التحولات الاجتماعية المرتبطة بالمدينة والريف. فعلى مائدة الإفطار المصرية لا تُعد المشروبات مجرد سوائل تُشرب لإرواء العطش بعد ساعات الصيام الطويلة، بل هي طقوس اجتماعية متوارثة، وحكايات عائلية، وروائح وأسواق وأصوات بائعين، وألوان زاهية تختلط بمدفع الإفطار وازدحام الشوارع قبيل الغروب.
من هنا جاءت أهمية توثيق هذه المشروبات بوصفها جزءاً حياً من الهوية الثقافية، لا مجرد وصفات تقليدية.
فاكهة الصحراء وكنز رمضان
يُعد البلح المنقوع، أو التمر المنقوع، أبسط المشروبات الرمضانية وأكثرها التصاقاً بالوجدان المصري. ففي اللحظة التي يعلو فيها صوت الأذان، تمتد الأيدي إلى طبق التمر أو إلى الكوب الزجاجي الشفاف الذي نقعت فيه حبات البلح منذ ساعات الظهيرة. لا يحتاج هذا المشروب إلى مهارة أو أدوات خاصة؛ فالماء أو الحليب والتمر عنصران كافيان لصنع مشروب يمنح الصائم إحساساً فورياً بالراحة والسكينة بعد أن يبتل ريقه بمنقوع التمر الشهي.

ارتبط التمر في المخيال الإسلامي بكسر الصيام اقتداءً بالسنة النبوية، ما أضفى عليه بُعداً دينياً يتجاوز كونه غذاءً. وعُرف التمر في مصر القديمة حيث زُرعت أشجار النخيل على ضفاف النيل واستُخدمت ثمارها في التغذية وصناعة الحلوى. ومع دخول الإسلام، ازداد حضور التمر في المناسبات الدينية، وأصبح عنصراً ثابتاً في رمضان.
لم تكن المشروبات الرمضانية مجرد عصائر تُقدَّم على مائدة الإفطار، بل كانت سيرة شعب تُروى في كوب
يوفر التمر سكريات طبيعية سهلة الامتصاص، ما يساعد الجسم على استعادة طاقته بسرعة بعد الصيام. كما أن بساطته تجعله مشروباً عابراً للطبقات الاجتماعية، فهو حاضر في البيوت الثرية وكذلك البيوت الفقيرة، وفي المدن الكبرى وفي القرى النائية.
المنعش الحامض الحلو
يأتي التمر هندي على رأس قائمة المشروبات الأكثر انتشاراً في مصر خلال رمضان. ويتميز تمر الهند بطعمه الحامض الحلو الذي يجمع بين الانتعاش والعمق، ويُقدَّم غالباً بارداً في أكواب زجاجية كبيرة مملوءة بقطع الثلج، ما يجعله مشروباً مثالياً لأيام الصيف الحارة.

تعود أصول شجرة التمر الهندي إلى أفريقيا الاستوائية، بينما يرى آخرون أن اسمها ارتبط بالهند نظراً لازدهار تجارتها عبر الموانئ الشرقية. وصلت ثمارها إلى مصر عبر طرق التجارة في العصور الوسطى، وسرعان ما اندمجت في ثقافة المشروبات المحلية. وفي المدن التاريخية مثل القاهرة الفاطمية، ارتبط التمر هندي بأسواق العطارين وباعة العصائر الذين كانوا يطوفون الشوارع قبيل المغرب.
يُنقع لبّ التمر الهندي في الماء لساعات، ثم يُصفّى ويُحلّى بالسكر. ورغم بساطة المكونات، فإن طقوس التحضير نفسها تحمل طابعًا احتفاليًا داخل الأسرة؛ فالأمهات والجدات يتفننّ في ضبط اتزان الحلاوة والحموضة. وفي الذاكرة الشعبية، اقترن هذا المشروب بنداءات الباعة الجائلين وأصواتهم المميزة التي أصبحت جزءاً من المشهد الصوتي الرمضاني في مصر.
رغوة الحليب اللذيذة
السوبيا مشروب أبيض اللون، كثيف القوام نسبياً، حلو المذاق، ويرتبط في أذهان كثيرين بالبهجة والطفولة. ويظهر مشروب السوبيا بكثرة في الإسكندرية ومدن الساحل، لكنه حاضر أيضاً في القاهرة والوجه البحري، ويُباع في زجاجات بلاستيكية أو أكياس شفافة معلّقة أمام المحال.

يُعتقد أن السوبيا ذات أصول عثمانية أو مملوكية، وقد تطورت وصفاتها محليًا مع مرور الزمن. و تُحضَّر السوبيا المصرية من جوز الهند المبشور أو الأرز المطحون، ويُضاف إليها السكر وأحياناً الحليب أو الفانيليا. وهذا التنوع يعكس قدرة المطبخ المصري على "تمصير" الوصفات الوافدة ومنحها طابعاً محلياً خاصًا.
ترتبط السوبيا بمشاعر الامتلاء والانتعاش البارد، فهي تمنح الصائم إحساساً بالشبع وبل الريق بعد يوم طويل من الجوع والعطش، وكأنها بلونها الأبيض تُعلن عن بداية جديدة مع عالم الطعام والشراب بعد قطيعة دامت طيلة نهار رمضان.
مذاق الخروب الفريد
الخروب مشروب بني داكن يميل إلى الحلاوة الطبيعية، ويُعد خيارًا مفضّلًا لمن يرغبون في تقليل السكر المضاف. يُستخرج الخروب من قرون شجرة الخروب التي عُرفت في حوض المتوسط منذ آلاف السنين.

واستُخدم الخروب في الطب الشعبي كعلاج لاضطرابات المعدة ومهدئ للهضم، وهو اعتقاد لا يزال حاضراً في الثقافة الطبية الشعبية في مصر. وانتشر الخروب في المدن الساحلية والريف على حد سواء، وأصبح جزءاً من سلسلة المشروبات الداكنة التي تُقدَّم باردة في الصيف.
ويُحضَّر الخروب بغلي القرون المجففة ثم تصفيتها وتحليتها. ويُلاحظ أن كثيراً من الباعة يحرصون على عرض لونه العميق في أوعية زجاجية كبيرة تجذب المارة. وهذا الحضور البصري القوي جعل الخروب عنصراً ثابتاً في صور وملصقات رمضان الشعبية.
هدية النيل الترابية
يعتبر مشروب الدوم أقل شهرة خارج مصر، لكنه يحتل مكانة خاصة في الصعيد وبعض الأحياء الشعبية في القاهرة. يُستخرج الدوم من ثمار شجرة الدوم المنتشرة في وادي النيل، ويتميز بقوامه الكثيف ونكهته الترابية المميزة.

وعرف المصريون شجرة الدوم منذ العصور القديمة، واستُخدمت ثمارها في التغذية والطب الشعبي، ومع مرور الزمن، أصبح مشروب الدوم جزءاً من الموروث المحلي في الجنوب، ثم انتقل تدريجيًا إلى المدن الكبرى عبر الهجرة الداخلية.
وينسب كثيرون إلى الدوم فوائد تتعلق بصحة القلب وتنظيم ضغط الدم، وهي معتقدات متوارثة أكثر منها مثبتة علمياً، لكنها تعكس ثقة المجتمع في خبراته التقليدية. كما أن تحضير الدوم يتطلب وقتاً أطول نسبياً، ما يمنحه طابعاً "احتفالياً" داخل الأسرة.
الزهرة الحمراء المنعشة
الكركديه هو المشروب الأكثر جاذبية بصرياً بفضل لونه الأحمر القاني، ويُقدَّم بارداً أو دافئاً حسب الطقس والتفضيل الشخصي. ينتشر هذا المشروب في مصر والسودان منذ قرون، واستخدم تقليدياً كمشروب ضيافة في المناسبات. وأفضل أنواع الكركديه في السوق المصري الكركديه الأسواني.

يُحضَّر الكركديه بنقع زهور النبات المجففة في الماء، ثم يُحلّى بالسكر. ويُعتقد في الثقافة الشعبية أنه يساعد على ترطيب الجسم وربما تنظيم ضغط الدم، ما جعله خيارًا شائعًا في أيام الحر الشديد.
ويمثل الكركديه احتفاءً باللون والبهجة؛ فالكوب الشفاف المملوء بالسائل الأحمر يضفي حيوية على مائدة الإفطار، ويعكس ميل الثقافة المصرية إلى الاحتفال البصري بالطعام والشراب، لا الاكتفاء بالمذاق فقط.
فاكهة المشمش في عباءة رمضان
لا يكاد يخلو بيت مصري في رمضان من مشروب قمر الدين، ذلك العصير البرتقالي الكثيف الذي يجمع بين الحلاوة الطبيعية ونكهة المشمش المركزة. ورغم ارتباطه الوثيق بالمائدة المصرية، فإن أصوله تعود إلى بلاد الشام، وبالتحديد إلى منطقة الغوطة في دمشق، التي اشتهرت تاريخياً بزراعة أجود أنواع المشمش.
وتُصنع لفائف قمر الدين من عصير المشمش المركز الذي يُجفف تحت أشعة الشمس حتى يتحول إلى رقائق سميكة تحفظ لفترات طويلة، وهي طريقة تقليدية لحفظ الفاكهة تعود إلى عصور قديمة. ومع ازدهار التجارة بين مصر وبلاد الشام في العهدين المملوكي والعثماني، انتقل قمر الدين إلى القاهرة والإسكندرية، ليصبح جزءاً أصيلاً من الطقوس الرمضانية المصرية.

وثقافياً، يرتبط قمر الدين بفكرة "الترف الرمضاني"، إذ كان في بداياته يُعد من المنتجات المرتفعة الثمن نسبياً، فلا يُحضَّر إلا في المناسبات الكبرى. ومع مرور الزمن، أصبح مشروباً شعبياً متاحاً للجميع، لكنه ظل محتفظاً بهيبته الخاصة على مائدة الإفطار. ويُعرف عنه احتواؤه على نسبة جيدة من السكريات الطبيعية والطاقة السريعة، ما يجعله مناسباً لتعويض الجسم بعد ساعات الصيام الطويلة.
وفي الذاكرة الجمعية، يمثل قمر الدين أكثر من مجرد عصير؛ إنه طعم الطفولة، ورائحة البيوت قبيل المغرب، وصوت الأمهات وهن يذبن الشرائح في الماء الدافئ استعداداً لأذان المغرب
شفا وخمير يا عرقسوس
إذا كان قمر الدين يحمل دفء البيوت، فإن العرقسوس يحمل روح الشارع المصري في رمضان. هذا المشروب الداكن، المستخلص من جذور نبات عرق السوس، يعد من أقدم المشروبات الشعبية في مصر، وتعود جذوره إلى مصر القديمة حيث استُخدم لأغراض طبية وغذائية، وقد عُثر على آثاره في بعض المقابر القديمة.

وفي العصرين الفاطمي والمملوكي، ازداد انتشار العرقسوس في القاهرة، وارتبط بالمواسم الدينية والمناسبات العامة. ومع مرور الوقت، أصبح مشهد بائع العرقسوس بزيه التقليدي، مرتدياً الجلباب وحاملاً الوعاء النحاسي الكبير، جزءاً لا يتجزأ من المشهد الرمضاني في الأحياء الشعبية والأسواق القديمة.
يتميز العرقسوس بطعمه الفريد الذي يميل إلى الحلاوة الطبيعية مع مسحة مرارة خفيفة، ويُعرف بخصائصه المرطبة والمهدئة للجهاز الهضمي. ولعل أكثر ما يميزه في الثقافة المصرية هو حضوره الصوتي والبصري، فنداء البائع في الشوارع قبيل الإفطار يضفي على رمضان طابعاً احتفالياً خاصاً.
ورمزياً، يمثل العرقسوس مشروب البساطة والأصالة. فهو ليس مجرد شراب يروي العطش، بل علامة من علامات الهوية الرمضانية المصرية، وجسر يربط بين أجيال متعاقبة تشاركت نفس الطعم في نفس التوقيت من كل عام.
المشروبات الرمضانية المصرية ليست وصفات؛ إنها أرشيف شفهي من الحكايات والعادات والروائح
تُظهر هذه المشروبات كيف يمكن لعناصر بسيطة (ماء، سكر، ثمار، أعشاب) أن تتحول إلى رموز ثقافية تحمل طبقات من المعاني. فهي تربط بين الدين والعادة، وبين الطب واللذة، وبين الفرد والجماعة. وفي الأحياء الشعبية، تُرص أوعية العصائر أمام المحال مع فوانيس رمضان، وتتحول الشوارع قبيل المغرب إلى مسرح يعرض الألوانوالروائح والأصوات الرمضانية. وفي البيوت، تتوارث الأجيال وصفات "الميزان الصحيح" بين الحلاوة والحموضة، فتنتقل المعرفة عبر الممارسة اليومية لا عبر الكتب.
كما تعكس هذه المشروبات التنوع الجغرافي والاجتماعي داخل مصر؛ فالسوبيا أكثر حضوراً في المدن الساحلية، والدوم أكثر انتشاراً في الصعيد، بينما يحافظ التمر والتمر هندي والكركديه على انتشار كبير في كافة أنحاء الجمهورية. ومع التحولات الحديثة، دخلت عبوات جاهزة وأساليب تسويق جديدة، لكن الطقس الأساسي هو إعداد المشروب أو شراؤه قبيل الأذان.
لا يمكن التعامل مع هذه المشروبات باعتبارها مجرد عناصر توضع على مائدة الإفطار؛ فهي مفاتيح لقراءة تفاصيل الحياة اليومية في رمضان المصري. فمن البلح المنقوع بما يحمله من بساطة واقتداء، إلى ألوان الكركديه وقمر الدين الزاهية التي تبعث البهجة، تتشكل أمامنا حكاية مجتمع يصوغ هويته من تفاصيل صغيرة متكررة، لكنها عميقة الأثر والجمال. التأمل في المشروبات الرمضانية المصرية يكشف أن "كسر الصيام" فعلٌ ثقافي وجمالي بقدر ما هو حاجة بيولوجية، حيث تتحول هذه المشروبات إلى لغة مشتركة تصل الماضي بالحاضر، وتجمع بين البيت والشارع.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
