في وقتٍ ينتظر معظم المسلمين شهر رمضان بوصفه فرصة للصفاء الجسدي والروحي، يمر فيه آخرون كاختبارٍ قاسٍ لأجسادهم المتعبة، ويصبح هذا الاختبار أكثر قسوة للمصابين والمصابات بالأمراض المزمنة.
وسط جدل علمي وديني، كثيراً ما يتجاهل أن التشخيص الطبي يعطى لكل فرد بذاته ولا يجوز التعميم فيه بمقولة واسعة مثل "الصيام مفيد لمرضى الضغط" أو "الصيام ممنوع على مرضى الكلى".
في هذا الجدل الجديد القديم، تتداخل روايات المرضى مع آراء الأطباء ونتائج الدراسات العلمية، والتي يشير بعضها إلى فوائد محتملة للصيام تتعلق بتنظيم الاستقلاب وتحسن بعض المؤشرات الحيوية، فيما تحذر دراسات أو أبحاث أخرى من مخاطر قد تطال مرضى الأمراض المزمنة أو من لا يلتزمون بتعليمات العلاج وشرب السوائل.
متى يكون الصيام فرصة لتعزيز الصحة؟ ومتى يتحول إلى مخاطرة ينبغي التوقف عندها؟
الغدة الدرقية على مائدة الصيام
تعاني رغد (23 عاماً) من قصور الغدة الدرقية وتتناول دواءها صباحاً "تيروكسين" على الريق، وقررت أن تصوم رمضان، وفق ما تقول لرصيف22: "في اليوم الأول أخذت أدويتي في وقت السحور، عانيت من بعض العطش لكن الأمور كانت مقبولة، في اليوم الثاني شعرت بالجفاف وتسارع ضربات القلب، أما في اليوم الثالث من الصيام بدأ التعب والإسهال لذلك امتنعت عن الصيام بعدها".
وسط جدل علمي وديني، كثيراً ما يتجاهل أن التشخيص الطبي يعطى لكل فرد بذاته ولا يجوز التعميم فيه بمقولة واسعة مثل "الصيام مفيد لمرضى الضغط" أو "الصيام ممنوع على مرضى الكلى"
هنا تعلق الطبيبة رزان عبدالله، على حالة رغد، بالقول إنّ ارتفاع معدل ضربات القلب قد يكون استجابة طبيعية لنقص سوائل الجسم، وإشارة لمحاولة القلب أن يعوض من نقص الماء عبر ضخ الدم بسرعة: "يبدو واضحاً أنّ نقص الماء ليس مناسباً للمريض، أما بخصوص الإسهال فقد يكون ناجماً عن الدواء بحد ذاته، وعدم تناول المريضة لأي طعام خلال اليوم قد زاد من امتصاص الدواء"، وفق ما تشرح لرصيف22.
في الواقع، يُحدث قصور الغدة الدرقية عندما تنتج الغدة في الرقبة هرمونات أقل من اللازم، فتتباطأ عمليات الجسم الحيوية. يظهر ذلك على شكل تعب، زيادة وزن، برودة مستمرة وتساقط شعر. غالباً سببه أمراض مناعية أو نقص اليود.
العلاج يومي بهرمون بديل، والالتزام بالجرعة والتوقيت ضروري لتجنب المضاعفات، وهذا لا يتوافق مع صيام رغد التي بدلت توقيت أدويتها لتناسب وقت السحور الذي يتبدل من يوم لآخر.
أثر لا يُقاس بالتحاليل
تقول ريم (29 عاماً) لرصيف22 إنّ والديها يصومان رمضان بانتظام، وتشعر بذلك بتحسن في صحتهما العامة، إذ يصبح نظامهما الغذائي أكثر تنظيماً ويصبح المنزل أكثر اهتماماً بنوعية الطعام من تمر وسلطة متنوعة الخضار والشوربة ثم الوجبة الرئيسة، إضافة إلى تركيزها العامل النفسي، إذ تلمس تحسناً في المزاج العام لديهما خلال شهر رمضان.
خلصت مراجعة منهجية نشرها باحثون في نهاية شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت لـ 20 دراسة، أنّ 72.7% من الدراسات أفادت بانخفاض أعراض الاكتئاب، و66.6% بالقلق، و85.7% بالتوتر، بينما أظهرت 71.4% منها تحسناً في الصحة النفسية خلال الصيام، كما تحسنت الوظائف الإدراكية في 50% من الدراسات.
في المقابل، أفادت أكثر من نصف الدراسات بتدهور جودة النوم (57.1%) خلال شهر رمضان.
وأشار المشرفون على الدراسة إلى أن صيام رمضان قد يُقدم فوائد للصحة النفسية، ويمكن أن يُشكل استراتيجية غير دوائية ملائمة ثقافياً لدعم الصحة النفسية في المجتمعات المسلمة، مع ما يترتب على ذلك من آثار محتملة على سياسات الصحة العامة والممارسات السريرية.
العطش والحصيات... المعادلة الخطرة
تتحدث ليلى عن والدتها الستينية التي تعاني منذ سنوات من الديسك ومن حصى في الكلى، ومع بداية صيامها في رمضان، بدأت تعاني من آلام ظهر تحولت إلى ألم فظيع في الخاصرة، وبدأت تبول دماً. تقول لرصيف22: "على الفور أخذناها إلى الطبيب، الذي أجرى لها تصويراً بالسونار وأخبرنا أنها تعاني من استسقاء كلوي، وأكد لها الالتزام بأدويتها وشرب كأس من الماء كل ساعتين، مشدداً أنه يجب أن تشرب نحو ليترين ونصف ليتر من الماء، من دون احتساب البابونج والزهورات، إضافة إلى ضرورة المشي".
تعلق الطبيبة رزان أن هذا السيناريو متكرر لدى العديد من المرضى: "هي مريضة ديسك وبالتالي حركتها قليلة، ولديها تاريخ مرضي من تشكل الحصيات البولية، وجاء الامتناع عن شرب الماء خلال الصيام ليكون عاملاً مفاقماً للحالة، فنقص الوارد المائي يجعل البول ذا كثافة أعلى، ومحتوى أعلى من الأوكسالات والكالسيوم وحمض البول التي ستترسب على الحصاة الموجودة أصلاً لدى المريضة، لدرجة تسد الحالب وتسبب لها الاستسقاء الكلوي".
ويُعرف الاستسقاء الكلوي بأنه حالة طبية يحدث فيها توسّع وانتفاخ في نسيج الكلية نتيجة تراكم البول داخلها بسبب وجود انسداد يمنع تصريفه بشكل طبيعي إلى المثانة. إذا كان الانسداد جزئياً أو يتطور ببطء، قد تمر الحالة بأعراض خفيفة أو حتى دون ألم واضح، مما يجعل اكتشافها متأخراً أحياناً، أما إذا استمر الانسداد أياماً أو أسابيع من دون علاج، يحدث التهابات كلوية وقد تتراجع وظيفة الكلية تدريجياً، وفي الحالات الشديدة قد يخسر المريض الكلية.
جدل الدراسات الرمضانية
على رغم كثرة الدراسات والأبحاث والنصائح، لكن موضوع الصيام يبقى موضع جدل من المنظور الطبي، مع رفض التعميم بكونه صحياً أو غير صحي من دون أخذ تشخيص كل حالة بعين الاعتبار.
فعلى سبيل المثال، في دراسة أجرتها "Baylor College of Medicine" على 14 شخصاً يتبعون نموذج الصوم الإسلامي، لاحظ الباحثون زيادة في مستويات بروتينات واقية من السرطان، وتحسينات في تنظيم الغلوكوز والدهون، وظيفة الساعة البيولوجية، وإصلاح الحمض النووي، وتالياً يحمي من السرطان، السكري، الالتهابات، الألزهايمر، مع التأكيد على أنّ تناول الإفطار قبل الفجر حمى المشاركين من الارتفاعات الخطيرة في ضغط الدم والسكري، والذي يحدث عند تفويت وجبة الإفطار.
بين التجارب المتباينة والجدل الشعبي الدائر، يحذر بعض الأطباء من اعتبار الصيام بوصفه خياراً عاماً يصلح للجميع، فالصحة تختلف من شخص إلى آخر، وما يمنح البعض شعوراً بالراحة قد يدفع آخرين إلى مضاعفات ومخاطر جدية، فالأفضل هو استشارة الطبيب/ة المختص/ة، ومراقبة الأعراض، والتوقف عند أول إشارة خطر
بينما وجدت مراجعة منهجية وتحليلية كبيرة لـ91 بحثاً سابقاً شملت أكثر من 4400 مشارك في 23 دولة بين عامي 1982 و2020، أنّ صيام رمضان يوفر حماية مؤقتة قصيرة المدى ضد أمراض القلب والأوعية الدموية بين الأشخاص الأصحاء، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الدراسة شملت فقط الأصحاء الذين لا يعانون من أي مرض ويتبعون نظاماً صحياً منخفض الكربوهيدرات.
في المقابل أشارت دراسات أخرى إلى أنّ انخفاض الالتزام بتناول الأدوية أحد الجوانب السلبية المتأصلة في الصيام. وزيادة التهيج وحالات الصداع، مع انتشار الحرمان من النوم والخمول.
في السياق ذاته، وجدت دراسة أجريت على مرضى التهابات الأمعاء أن صيام رمضان لم يقلل بشكل واضح من المؤشرات الالتهابية، وأن بعض المرضى قد شهدوا ارتفاعاً في درجات النشاط السريري للمرض بعد الصيام.
وبين التجارب المتباينة والجدل الشعبي الدائر، يحذر بعض الأطباء من اعتبار الصيام بوصفه خياراً عاماً يصلح للجميع، فالصحة تختلف من شخص إلى آخر، وما يمنح البعض شعوراً بالراحة قد يدفع آخرين إلى مضاعفات ومخاطر جدية، فالأفضل هو استشارة الطبيب/ة المختص/ة، ومراقبة الأعراض، والتوقف عند أول إشارة خطر.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
