إبستين والموساد… العلاقة المُغَيَّبة في الإعلام الأمريكي

إبستين والموساد… العلاقة المُغَيَّبة في الإعلام الأمريكي

سياسة نحن والتنوّع

الاثنين 23 فبراير 202617 دقيقة للقراءة

ملفات إبستين واحدة من أكثر المواضيع التي تشغل الأخبار والرأي العام في أمريكا اليوم، وهي مجموعة ضخمة من وثائق المحكمة التي رُفعت عنها السرية أخيراً. تتعلّق هذه الملفات بجيفري إبستين، رجل أعمال وملياردير أمريكي امتلك شبكة علاقات واسعة مع نخبة من السياسيين والمشاهير حول العالم، وتبيّن لاحقاً أنه كان يدير شبكة للاتجار بالقاصرات واستغلالهن جنسياً. تحتوي هذه الملفات على أسماء أشخاص ذُكروا في أثناء التحقيقات، وهذا يشمل الضحايا، والشهود، والموظفين، وأشخاصاً سافروا معه أو عرفوه.

بعد الكثير من التأجيل، نجح عضوان في الكونغرس الأمريكي، أحدهما جمهوري كنت قد تطرّقت إليه في مقالة سابقة على رصيف22، يُدعى توماس ماسي، والآخر ديمقراطي من التقدميّين، وهو رو خانا، في طرح مشروع قانون "شفافية ملفات إبستين" صيف عام 2025، للكشف عن التحقيقات حول القضية، والتي تتضمن أسماء اعتقد المشرّعان أن الحكومة تحاول حمايتها. كانت الملفات السابقة في القضية تركّز على شهادات الضحايا والدعاوى المدنية. تبنّي بعض الجمهوريين الموالين لترامب للقانون الذي طرحه نائبا الكونغرس، وضع ترامب في أزمة. ترامب نفسه كان سيبدو متواطئاً لو نقض القرار بسبب شعبية هذا الملف، والذي كان سيمر حتى وإن رفضه.

تذكّر علاقة إبستين وويكسنر هنا بالعلاقة الدرامية بين رأفت الهجان وشارل سمحون في المسلسل المصري الذي يحمل نفس الاسم. هذه ليست محاولة المقاربة بين علاقة درامية متخيّلة وأخرى واقعية، القصد أن علاقة إبستين وويكسنر تشبه كثيراً طريقة قديمة ومعروفة في رفع شأن أحدهم لأغراض استخبارية

تحوّلت هذه القضية إلى قضية الساعة، وتحرّكت على إثرها لجان الكونغرس لعقد جلسات استماع، ووصلت الاتهامات إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه. أحرجت هذه الدفعة الأخيرة مشاهير ورؤساء شركات عملاقة، وأطاحت بأشخاص من مناصبهم. بينما ينشغل الأمريكيون وآخرون في دول حول العالم بـ"تنظيف البيت من الداخل" ممن نبذهم المجتمع، لا يزال ثمّة الكثير من الغموض الذي يلفّ شخصية جيفري إبستين. بعض هذه الأسئلة قد لا نجد لها إجابة واضحة. لعل أبرزها: كيف تحوّل جيفري إبستين، من معلم رياضيات فاشل في التدريس إلى ملياردير يشارك أغنياء العالم المائدة؟

رغم بساطة السؤال، إلا أنه في الواقع من أصعب الأسئلة في قضية إبستين، لأن معظم الأحداث التي تسبّبت في ثروة جيفري إبستين غير منطقية. مثلاً، استطاع إبستين في عام 1987 أن يصبح المدير المالي لثري فاحش الثراء رغم أنه لا يمتلك خبرة في إدارة الأموال. كان هذا الثري، ليس ويكسنر، مالك عدد من العلامات التجارية، على غرار فيكتوريا سيكريت الشهيرة للملابس الداخلية النسائية والتي غالباً ما روّجتها بوصفها وسيلة إغراء ورمز للوجاهة. كما أن ويكسنر، وهنا مربط الفرس، من أكبر الداعمين لإسرائيل في أمريكا، ومؤسس رابطة في تسعينيات القرن العشرين هدفها الوحيد التأثير على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط لدعم إسرائيل. وقد ارتبط اسمه بفضيحة تتعلّق بالموساد الإسرائيلي عام 1997، حيث صرّح ضابط مكافحة التجسّس في وكالة الأمن القومي الأمريكي بعدها بعام بأنهم كانوا على علم بعلاقة هذه الرابطة المباشرة بالموساد.

للمفارقة، تذكّرني علاقة إبستين وويكسنر هنا بالعلاقة الدرامية بين رأفت الهجان وشارل سمحون في المسلسل المصري الذي يحمل نفس الاسم وعرض لأول مرة عام 1988. كان سمحون يرى أنه يساعد ابن جاليته، الفقير والمحتال، بالدعم المادي لأنه يجد فيه مستقبل المشروع الصهيوني. لا أحاول المقاربة هنا بين علاقة درامية متخيّلة وأخرى واقعية، ولكن القصد أن علاقة إبستين وويكسنر تشبه بشكل كبير طريقة قديمة ومعروفة في رفع شأن أحدهم لأغراض استخبارية.

رغم أننا لا نستطيع أن نثبت قطعياً أن إبستين كان يعمل مع الموساد الإسرائيلي بما لدينا من أدلة، إلا أن التعاون الكبير بين جيفري وإسرائيل جعله عنصراً مهماً للمصالح الإسرائيلية في أمريكا، وطرفاً اهتم الموساد أن يتعاون معه. فهل يُعقل أن لا ينتهز الموساد فرصة كهذه؟

أهداف مشتركة

الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين أوضحت جوانب هامة عن علاقة إبستين بالحكومة الإسرائيلية، حيث تضمّنت تسجيلاً صوتياً لمحادثة بين جيفري إبستين وإيهود باراك استمرت لثلاث ساعات. باراك كان في وقت التسجيل على رأس عمله كوزير للجيش في الحكومة الإسرائيلية. وهناك الكثير من النقاط المثيرة للاهتمام في هذا التسجيل، أعتقد أن أهمها الجزء الذي كان يقول فيه جيفري إنه يسعى لمقابلة رئيس شركة بالانتير للتكنولوجيا، بيتر ثيل، والذي توقّع إبستين أنه سيرحب بباراك وقد يدعوه ليكون عضواً في مجلس إدارة الشركة. بالانتير اليوم، لمن لا يعرفها، تضطلع بدور مهم في إدارة ترامب في بناء قواعد بيانات حكومية. إيهود باراك وإبستين التقيا عشرات المرات، وقد فاجأني أن الشخص الذي عرّف احدهما بالآخر كان رئيس إسرائيل سابقاً شمعون بيريز.

بعدما ترك إيهود باراك منصبه رسمياً، وأعلن أنه اعتزل السياسة -رغم أنه لم يكن قد اعتزلها فعلياً- ازدادت وتيرة اجتماعاته مع إبستين. رسائل من إيهود باراك سُرّبت العام الماضي تكشف أن إبستين استغل علاقاته لطلب اجتماع بين إيهود باراك والرئيس الروسي فلاديمير بوتين صيف عام 2013. كان الهدف من الاجتماع إقناع روسيا بالعدول عن دعمها للرئيس السوري السابق بشار الأسد، لكن بوتين رفض الطلب. تبع ذلك محاولة أخرى فاشلة لإقناع إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالتدخّل في سوريا. وعندما تبيّن أن أوباما مهتم بعقد صفقة مع إيران، أعاد إبستين - بطلب من أوباما - فتح قنوات التواصل مع روسيا عام 2015. كان هذا خياراً إستراتيجياً إسرائيلياً لتوطيد علاقة روسيا بإسرائيل، بعدما خذل أوباما الكيان الصهيوني. كان باراك وقتها ينتقد رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو، في العلن، ولكنه كان حاقداً على أوباما، ويرى في علاقة قوية مع روسيا إنعاشاً للمشروع الصهيوني.

ارتباط إبستين بالمشروع الصهيوني ليس متعلقاً بعلاقته مع باراك وحسب. كما يقول العهد الجديد "لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ، هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضاً" (متى 21:6)، فقد ثبت أن إبستين، محب المال والسلطة، تبرع بـ25 ألف دولار لمؤسسة "أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي"، و15 ألف دولار للصندوق اليهودي القومي في إسرائيل. هذا الصندوق تأسّس مطلع القرن العشرين لشراء الأراضي في فلسطين أيام الانتداب العثماني، وتخرق نشاطاته القانون الدولي يومياً بدعم بناء المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.

في تحقيقين نشرهما موقع Drop Site الأمريكي، بيّن الباحثان مرتضى حسين وريان جريم دور إبستين الفاعل في تسهيل لقاء بنيامين نتنياهو بأحد البنوك الكبرى الأمريكية للاستثمار في حقل للغاز قرب حيفا، ودوره في بناء علاقات إماراتية إسرائيلية قبل "اتفاقيات أبراهام" بين الطرفين بعشر سنوات على الأقل.

وربما تكون العلاقة الأكثر حميمية في مسيرة إبستين، هي علاقته بالدبلوماسيين النرويجيين تيري رود لارسن وزوجته منى يول، مهندسا مباحثات أوسلو، والتي أدت إلى اتفاقية منحازة لإسرائيل بشكل كبير. بعدما لمع نجم الزوجين وانتقلا إلى نيويورك، تهافت أغنياء المدينة من اليهود عليهم، وكان منهم جيفري إبستين. العلاقة كانت حميمية لدرجة أن لارسن وصف إبستين بأنه "أقرب الأصدقاء، وشخص رائع، ويستحق أن يكون ملاكاً"، وتواصلت منى يول مع إبستين مباشرة حول يوميات العائلة وصحتهم. جيفري إبستين من جهته خصص 10 ملايين دولار لابن وابنة الزوجين في وصيته.

النظرية التي تدّعي أن ليس ويكسنر، الملياردير الذي أدار إبستين أمواله، أعطى هذه الفرصة لإبستين لبراعته المالية، وسمح له أن يشارك آخرين في مشاريع وصفقات دون علم ويسكنر، لا يدعمها المنطق، ولكنها لا تزال الرواية التي يتبنّاها ويكسنر علناً.

في كتابها من جزأين تحت عنوان "أمة واحدة تحت الابتزاز" الصادر عام 2022، تطرح الصحافية ويتني ويب نظرية أكثر منطقية. تعرض ويب بالتفصيل علاقة وكالتي الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية بالعصابات المنظمة، وتركز في الجزء الثاني من الكتاب على الأهداف من نشاطات إبستين. توضح أن ويكسنر استقدم إبستين ليكون واجهة شبكة منظمة كانت تعمل لعقود قبل أن يستلمها إبستين. كان هدف هذه الشبكة استخدام الابتزاز لتحقيق أهداف استخبارية، مستخدمة التعبير الإنكليزي الشائع "مصيدة العسل".

"مصيدة العسل"

التعاون بين وكالات الاستخبارات الأمريكية، وعصابات الجريمة المنظَّمة ليس موضوعاً جديداً أو غريباً رغم تهميشه. لدينا ما يكفي من المعلومات حول هذا التعاون خلال الحرب العالمية الثانية. تنطبق الحالة نفسها على الموساد الإسرائيلي. التعاون بين العصابات الصهيونية في فلسطين وعصابات الجريمة في نيويورك يسبق النكبة.

زعيم العصابات والعرّاب الذي استعان بتصوير السياسيين والمشاهير في أوضاع جنسية لابتزازهم، كان يدعى لويس روزنستيل. جمع ثروته كزعيم عصابة لتهريب الكحول أثناء فترة حظر الكحوليات في أمريكا. في شهادة متحرّ خاص طلب روزنستيل خدماته، اعترف المذكور في تحقيق نشر في كتاب عام 1993 بأنه قام بتجهيز غرفة للتنصّت لصالح لويس روزنستيل في خمسينات القرن الماضي.

استخدم روزنستيل هذه الغرفة لتصوير وتسجيل أهدافه في أوضاع جنسية، وكان أحد أهداف الابتزاز رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي إدغار هوفر شخصياً. طُعِن في هذه الشهادة ولا يأخذها الباحثون اليوم على محمل الجد، لكن ما نستطيع إثباته هو أن زوجة روزنستيل نفسها رفعت عليه قضية اتهمته فيها بالتجسّس عليها بطريقة مشابهة. للمفارقة محامي روزنستيل، والذي تبنّى هذه الطريقة في الابتزاز من بعده، كان روي كون، قدوة الرئيس الأمريكي الحالي، ترامب، ومحامي ترامب، ومستشاره في ثمانينات القرن العشرين.

ولا يفوتنا هنا أن نقول إن روزنستيل كان من أكبر الداعمين للمشروع الصهيوني في أمريكا، مادياً، ومعنوياً قبل النكبة، وبعدها. أما روي كون، فقد انضم إلى رابطة يهودية تدعم إسرائيل في أوج نكبة فلسطين في أيار/ مايو 1948.

ما علاقة هذه الشبكة بجيفري إبستين؟

بحسب الصحافية ويتني ويب، تبنّى ليس ويكسنر، والرابطة الصهيونية للأثرياء التي أنشأها، هذه السلوكيات في مدينة نيويورك. فاشترى ويكسنر منزلاً ضخماً في نيويورك، ووضعت أجهزة مراقبة في كل زاوية فيه، حتى الحمامات لم تسلم من كاميرات المراقبة. لم يسكن ويكسنر في المنزل قط، لكن جيفري إبستين استقر فيه فور إنهاء التجهيزات عام 1995. واستعمله كمنزل في نيويورك لـ15 عاماً، إلى أن قدم ويكسنر البيت هدية لإبستين دون مقابل. بمعنى آخر، باع ويكسنر منزلاً فخماً لإبستين في وسط مانهاتن، يساوي سعره اليوم أكثر من 50 مليون دولار أمريكي، بثمن قدره صفر من الدولارات.

إبستين لم يكن عميلاً للموساد بالمعنى التقليدي، ولن نجد اسمه ضمن ملفات العملاء الذين يقبضون رواتبهم من تل أبيب. ربما كان إبستين عميلاً موازياً، يعمل بالشراكة مع ضباط الموساد لخدمة هدف مشترك حيث كان يفتقر إلى مستوى الذكاء المطلوب لإدارة عملية بهذا الحجم

ولكن إبستين، معلم الرياضيات الفاشل غير قادر على إدارة عملية تجسّس معقّدة، فما الحل؟ هنا جاء دور عميل الاستخبارات الإسرائيلي البريطاني، روبرت ماكسويل، والذي توجد الكثير من الأدلة على أنه كان عميلاً مزدوجاً للموساد، رغم نفيه ذلك بشدة. أي شخص يتابع ملفات إبستين اليوم، سمع بابنته، غيلاين ماكسويل، والتي تقبع في سجن أمريكي اليوم بسبب عملها مع إبستين. غيلاين ورثت علاقات أبيها، وطرقه في العمل. انتقلت إلى نيويورك عشية وفاة والدها، حيث التقت إبستين عام 1991.

إبستين والموساد

أحد أهم إنجازات روبرت ماكسويل في الجاسوسية، كانت اختراقه وبيعه برنامجاً للتجسّس لعدة دول، لكن بعد أن تم تعديله بحيث يسمح للموساد الإسرائيلي باختراق النظام الإلكتروني في ما يسميه خبراء الأمن الرقمي "الباب الخلفي". هذا البرنامج نفسه، تم تطويره في ما بعد إلى نسخة أحدث تدعى "كاربين 911" في إسرائيل. وقد اشترك كل من إيهود باراك وجيفري إبستين في تمويل هذا المشروع بملايين الدولارات.

وهناك أدلة أيضاً على استخدام إبستين وغيلاين ماكسويل البيت في نيويورك للتجسّس على ضيوف حفلاتهم الجنسية في أوضاع مخلّة. لكننا لا نعرف أياً من الضيوف ابتز، وكيف حدث ذلك. الشهادات الوحيدة التي تؤكد نظرية الابتزاز هي من الضحايا من القاصرات، اللواتي كُنّ على يقين من هدف العملية.

بدأت المشاكل تظهر على السطح في نيويورك، ووصلت شكوى لمكتب التحقيقات الفيدرالي لم تؤخذ بجدية عام 1996 لسبب غير معلوم، فقرر إبستين وغيلاين نقل مركز عملياتهما إلى جزيرة معزولة في البحر الكاريبي، والتي تُعرف اليوم بـ"جزيرة إبستين".

من ناحية أخرى، الأدلة الظرفية التي تربط إبستين بإسرائيل أو بالعمليات الاستخبارية عديدة، ونذكر منها:

  1. حلول عميل الاستخبارات الإسرائيلي يوني كورين ضيفاً لدى إبستين في نيويورك في عدة زيارات خلال سنوات مختلفة.
  2. في تحقيق نشره موقع "On The Ditch" الأيرلندي، كشف صحافيون عن طلبيات للشحن من حساب إبستين الشخصي عن طريق شركة FedEx، قام بها ضابط في الجيش الإسرائيلي، واستمرت لخمس سنوات بعد وفاة إبستين، حتى أقفل الحساب بعد انتشار الخبر.
  3. أثناء تفتيش منزل إبستين بعد القبض عليه، عثرت الشرطة الفيدرالية على جواز سفر نمساوي مزور يحمل صورة إبستين، ولكن باسم آخر. بعد مراجعة الحكومة النمساوية تبيّن أن الجواز حقيقي، ولكنه لشخص آخر وأن إبستين غيّر الصورة في الجواز الأصلي. استخدم إبستين هذا الجواز في السفر الدولي في ثمانينيات القرن العشرين إلى فرنسا، وبريطانيا، والسعودية.

بعيداً من هذه الأدلة الظرفية، أقرّ ضابط سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، التابعة للجيش الإسرائيلي، بأن إبستين وغيلاين كانا يعملان لصالح الموساد الإسرائيلي. بحسب شهادته، فإن غيلاين كانت في الواقع عميلة الموساد الأساسية. بحسب الضابط، الذي عُزل من منصبه بعدما كشف أن إسرائيل باعت أسلحة إلى إيران، إبستين لم يكن أكثر من "رجل في الواجهة" يعمل تحت إدارة غيلاين. علاقات غيلاين ماكسويل من خلال عمل والدها، هي التي سمحت، بحسب الضابط، لإبستين ببناء شبكة علاقات واسعة.

رفض الرواية

ردت الصحافة الإسرائيلية بالإضافة إلى مسؤولين إسرائيليين على هذه التحقيقات والمراسلات الأخيرة باعتبارها "نظريات مؤامرة"، ووصفتها بأنها "لا علاقة لها بالحقيقة"، و"معادية للسامية". استغلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إحدى الرسائل المنشورة ضمن الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين، والتي كتب فيها إبستين: "أنا لا أحب إسرائيل، إطلاقاً" لدعم طرحها. أعتقد أن هذه جملة مستغربة من شخص زار إسرائيل، وكان سعيداً بارتداء قميص يدعم الجيش الإسرائيلي، وكرّس المال والوقت لدعم مصالحها. لكن هناك بعض الدلائل أن إبستين تغيّرت أهواؤه في الفترة الأخيرة من حياته، خصوصاً بعد الاتهامات التي وجهت إليه، وأنه أصبح غاضباً من بعض مناصري إسرائيل الأشد في أمريكا، وأحسّ بأن الجميع تخلّى عنه. هذه المقولة لإبستين كانت عام 2017، أي بعد معظم الأحداث التي أتينا على ذكرها، وقبل وفاته في السجن بعامين.

رفض إبستين نفسه الادعاءات بأنه عميل إسرائيلي قبل أن يموت في ظروف غامضة في زنزانته. محامو إبستين مثلاً برّروا حيازته جواز سفر نمساوياً باسم مستعار عام 1982 بأنه كان وسيلة لحماية إبستين في أثناء سفره؛ وثيقة مقنَّعة بدلاً من هويته الحقيقية كيهودي ثري قد يحاول خاطفون أو إرهابيون في الشرق الأوسط إيذاءه.

المستغرب في هذا الطرح أن إبستين سافر بهذا الجواز إلى دول مثل فرنسا وبريطانيا، والتي لا تتطلّب زيارتها هذا النوع من الاحتراز. كان يمكن لإبستين تزوير جواز مزيف لا قيمة حقيقية له ليسلمها إلى خاطفين محتملين، والاستغناء عن الوقت والمال لتحصيل جواز صدر في النمسا، ليستخدمه في السفر. كما أن إبستين لم يكن ثرياً بعد حتى بدأ يعمل لدى ويكسنر عام 1987، أي خمس سنوات بعد تزوير جواز السفر.

عميل أم …؟

لا أعتقد أننا سنجد إجابة قاطعة تؤكد أو تنفي أن إبستين كان عميل استخبارات جنّده جهاز الموساد الإسرائيلي، أو أنه ربما كان يعمل لصالح جهات أجنبية أخرى. الإجابة على الأغلب لن تكون بمفهوم الأبيض والأسود. كان لدى الصحافية ويتني ويب مثلاً ما يكفي من الحقائق والإفادات لتضع نظريتها حول علاقة شبكة إبستين بالموساد، والعصابات المنظَّمة. نشرت كتابها قبل الدفعة الأخيرة من الملفات التي تم الإفراج عنها والتي وضعت أسئلة جديدة حول إبستين وشبكته في الواجهة.

ما أعتقده شخصياً أن إبستين لم يكن عميلاً للموساد بالمعنى التقليدي، وأننا لن نجد اسمه ضمن ملفات العملاء الذين يقبضون رواتبهم من تل أبيب. ربما كان إبستين عميلاً موازياً، يعمل بالشراكة مع ضباط الموساد لخدمة هدف مشترك. إبستين لم يكن العقل المدبر. بعد أن قرأت مراسلاته، واستمعت إلى تسجيلات مطولة بصوته، بات واضحاً أنه يفتقر إلى مستوى الذكاء المطلوب لإدارة عملية بهذا الحجم.

إذا كان الطرح هو مناقشة علاقة إبستين بروسيا مثلاً، ليس لدى "الواشنطن بوست"، و"النيويورك تايمز"، و"سي أن أن"، الحرج في الخوض في أدق التفاصيل، ومناقشة صحتها، وتبنيها في بعض الأحيان. أما عندما يتعلّق الأمر بإسرائيل، فلا نسمع صوت هذه الصحف

كان إبستين الأداة التي استعملها ويكسنر وأصدقاؤه؛ أداة يمكن إنكارها، بل والتخلّص منها إذا لزم الأمر بعد أن تنفد صلاحيتها. هذا بالضبط ما فعله ويكسنر. ادّعى أن إبستين خدعه، على الرغم من أنه استمر في دعم إبستين مادياً حتى بعد أن وجِّهت إلى إبستين اتهامات باستغلال قاصرات جنسياً عام 2005. ليس مستغرباً أن إبستين هو الذي مات - أو انتحر كما يدّعون - بينما ما زالت غيلاين ماكسويل تعيش حياة مرفَّهة في السجن. تليق حياتها بزعيمة عصابة تملك الكثير من العلاقات مع أثرياء أمريكا والعالم، وأسراراً لا يريد كثيرون أن يعرفها العالم.

معضلة الغياب

ما يدهشني ليس الغموض، أو الآراء المختلفة والمتضاربة في قضية إبستين، ما يدهشني هو غياب هذه الحقائق، بل وتجنّب مناقشة صلة إبستين بإسرائيل تماماً في وسائل الإعلام التقليدية الأمريكية. الأمر يتعدّى مجرد الابتعاد عن نظريات المؤامرة. تعمل هذه المؤسسات الإعلامية بشكل لافت على تجنّب الخوض في تفاصيل هذه العلاقة.

إذا كان الطرح هو مناقشة علاقة إبستين بروسيا مثلاً، ليس لدى "الواشنطن بوست"، و"النيويورك تايمز"، و"سي أن أن"، الحرج في الخوض في أدق التفاصيل، ومناقشة صحتها، وتبنيها في بعض الأحيان. وسائل الإعلام الأمريكية التقليدية لم تترك سطراً في قضية إبستين إلا وأسهبت في تحليله، حتى وإن كانت الحقائق المعروضة هشة، أو غير مكتملة. ولا تُعرض هذه الحقائق أو الفرضيات على أنها نظريات مؤامرة كما تدّعي الصحافة الإسرائيلية.

أما عندما يتعلّق الأمر بإسرائيل، فلا نسمع صوت هذه الصحف. تعاملت الصحف كلها مع الأمر على أنه يخص إيهود باراك شخصياً، وعلى الخلاف العلني بينه وبين نتنياهو. هناك من يطرح هذه العلاقة للنقاش ضمن وسائل إعلام بديلة، ويجد هؤلاء إثر جهدهم جمهوراً متعطشاً في أمريكا من قطبي اليمين واليسار السياسي.

"النيويورك تايمز" - إحدى أشهر الصحف في العالم - ذهبت أبعد من غيرها في رفضها الخوض في المحظور. عندما تزايدت في الآونة الأخيرة التحقيقات التي تكشف علاقة إبستين بإسرائيل، نشرت تقريراً منذ أسبوع أعده مراسلو الصحيفة، بأن نظريات المؤامرة تجاوزت حدها في قضية إبستين، دون أن تذكر علاقته بإسرائيل ولو لمرة واحدة، لأنها تعلم أن المجتمع الأمريكي لن يصدق نفس الأكاذيب التي سيصدقها الصهاينة دون سؤال.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image