حين يلتقي تيم حسن بـ

حين يلتقي تيم حسن بـ"السحلية"… من إيران إلى قرية "مولانا"

ثقافة نحن والتنوّع

الأربعاء 25 فبراير 20268 دقائق للقراءة

في كل مرة يظهر فيها عمل درامي يتكئ على شخصية تلبس عباءة الدين، يتقدم السؤال القديم بثقلٍ جديد: هل نحن أمام نقدٍ للمؤسسة، أم مساءلة للإنسان؟ هذا السؤال يطفو مجدداً عند مشاهدة مسلسل "مولانا" (إخراج سامر البرقاوي) الذي يعرض خلال شهر رمضان الجاري (2026) على شاشة قناة MBC. أعاد المسلسل إلى الذاكرة الكثير من متابعي السينما الفيلمَ الإيراني "مارمولَك" (السحلية، The Lizard) الذي أخرجه كمال تَبريزي عام 2004 وقام ببطولته الممثل الإيراني الشهير بَرويز بَرَستوئي. ليس التشابه في الخطوط العريضة للحكاية هو ما يغري بالمقارنة فحسب، بل الطريقة التي يتسلل بها كل عمل إلى منطقة حساسة، حيث يختلط المقدس باليومي، والتمثيل بالحقيقة، والقناع بالوجه.

تدور أحداث مسلسل "مولانا" في إطار درامي مشوق حول رجل يدعى "جابر" (تيم حسن). يحمل جابر ماضياً مضطرباً وصراعات نفسية، يهرب من المجتمع الذي عاش فيه بسبب جريمة أو مآس مجهولة في البداية، فيتخفى في قرية نائية ومجهولة، مدعياً نسباً مقدساً يجعله يبدو كقائد روحي أو رجل دين أمام أهل القرية الذين كانوا ينتظرون مولى أو مرشداً دينياً بقوة.

في "مولانا" يصبح الدور الروحي عبئاً أخلاقياً، فيما يقترح "السحلية" (مارمولَك) أن الصدق قد يولد أحياناً من قلب التنكّر

تبدأ حكاية المسلسل من نقطة انكسار: رجل مثقل بماضٍ لا يُحكى كاملاً، يضيق به المكان والاسم والتاريخ الشخصي، فيختار الهرب لا بوصفه فعلَ جُبن، بل بوصفه محاولة أخيرة لإعادة ترتيب الفوضى. يصل الرجل إلى قرية يقطنها مجتمع صغير ينتظر كلمة تطمئنه، وإشارةً تعيد إليه يقينه المفقود. في لحظة ملتبسة، يتخذ الرجل قراراً قد لا يكون مخططاً بالكامل: أن يدخل الدور. لا يقدم نفسه نبياً ولا فقيهاً عظيماً، بل ينساب تدريجياً إلى موقع القيادة الروحية، مستفيداً من فراغٍ كان قائماً قبله.

لا يعلن المسلسل منذ البداية أن بطله محتال بسيط. بل يتركنا في مساحة رمادية: هل كان الدافع النجاة فقط؟ أم أن في داخله رغبة دفينة في أن يكون أفضل مما كان؟ هذا التردد هو ما يمنح الحكاية كثافتها. فكل مشهد يرسّخ مكانته في عيون الناس، يقابله مشهد داخلي مضطرب، حيث تتراكم الأسئلة في صمته. يصبح الرجل محاصراً بثقة الآخرين، وكأنها قيد جديد. الثقة هنا ليست نعمة خالصة، بل عبء أخلاقي؛ فحين يلجأ إليه الناس في شؤونهم الخاصة، أو يطلبون فتوى أو نصيحة، يتحول الدور إلى امتحان يومي لضميره.

مسلسل "مولانا"- رمضان 2026


في المقابل، تأتي حكاية الفيلم الإيراني "مارمولك" من مدخل مختلف. وللتوضيح فإن هذه الكلمة (مارمولَك: السحلية) توحي في الفارسية الشخصَ المراوق سريع الهروب من المآزق. رضا، اللص المعروف بخفة حركته، يدخل عالم الدين بمصادفة شبه ساخرة. الهروب من السجن هو المحرك الأول، والتنكر بزي رجل دين ليس سوى وسيلة عملية لتفادي القبض عليه. لكن المفارقة تبدأ حين يجد نفسه في بلدة تستقبله بحفاوة، وتنتظر منه خطبة الجمعة وإرشادات الحياة. في البداية، يتعامل مع الموقف كعرضٍ مسرحي مؤقت، يحاول حفظ بعض العبارات الدينية وترديدها دون اقتناع عميق. غير أن التماس المباشر مع الناس، وحاجاتهم البسيطة وأحلامهم المؤجلة، يفتح في داخله نافذة لم يكن يتوقعها.

مشهد من الفيلم الإيراني "مارمولَك", 2004


الفيلم لا يغرق في العتمة النفسية، بل يستخدم المفارقة والكوميديا ليقول شيئاً أكثر هدوءاً: الإنسان قد يفاجَأ بنفسه حين يُمنح فرصة ثانية، حتى لو جاءت عبر خطأ. رضا لا يتحول فجأة إلى قديس، لكنه يكتشف أن الكلمات التي ينطق بها -ولو بلا خلفية علمية عميقة- يمكن أن تكون جسراً حقيقياً بينه وبين الآخرين. ومع الوقت، يتغير إيقاع حضوره؛ يصبح أقل خوفاً من الانكشاف، وأكثر تورطاً وجدانياً في مصائرَ مَن حوله.

هنا يبرز الفرق في المزاج العام لكل عمل. "مولانا" مشدود إلى توتر دائم. الإخراج يصرّ على الإيحاء بأن السرّ قابل للانفجار في أية لحظة، وأن الماضي لم يُدفن بعد. كل شخصية ثانوية تبدو كاحتمال تهديد، وكل التفاتة عابرة قد تحمل شبهة اكتشاف. في هذا المناخ، يتحول السؤال الديني إلى سؤال وجودي: هل يمكن للإنسان أن يعيد كتابة تاريخه عبر دور يتقمصه؟ أم أن الحقيقة، مهما تأجلت، ستطالب بحصتها؟

أما "مارمولك" فينحاز إلى نبرة أخف، دون أن يكون سطحياً. السخرية فيه ليست استهزاء، بل أداة لكشف الفجوة بين الشكل والجوهر. حين يلقي "رضا" خطبة متعثرة، أو يجيب عن أسئلة الناس بإجابات بسيطة، ينكشف أن ما يبحث عنه هؤلاء ليس استعراض المعرفة، بل شعور بالاحتواء. الفيلم يقترح، دون خطاب مباشر، أن الدين في جوهره علاقة إنسانية قبل أن يكون منظومة قواعد. لذلك يصبح تحوّل رضا معقولاً ومؤثراً، لأنه ينبع من احتكاك حقيقي لا من وعظ مفاجئ.

سُحب "مارمولك" (السحلية) من دور العرض بعد أسبوعين تحت ضغط اعتراضات دينية وسياسية


على مستوى البناء الدرامي، يستفيد مولانا من امتداد الزمن التلفزيوني. المسلسل يملك رفاهية التدرج، فيرسم ملامح القرية بتفاصيلها، ويمنح الشخصيات المحيطة بالبطل مساحات للتعبير عن شكوكها أو إيمانها. تتشابك خطوط الحبكة، وتتداخل المصالح، ما يجعل الدور الروحي الذي يشغله البطل جزءاً من شبكة علاقات معقدة، لا مجرد موقف فردي. في هذا السياق، يبدو القناع أحياناً أداة سلطة، وأحياناً وسيلة نجاة، وأحياناً أخرى فخاً يضيق على صاحبه.

في "مارمولَك"، الزمن السينمائي أكثر تكثيفاً. الأحداث تتقدم بإيقاع أسرع، والتحول الداخلي يُختصر في لحظات مفصلية: نظرة طفل، اعتراف عابر، موقف تضامن غير متوقع. لكن هذا التكثيف يمنح الفيلم صفاءً خاصاً، حيث لا تتراكم التعقيدات بقدر ما تتضح الفكرة تدريجياً. حين يقرر رضا في النهاية مواجهة مصيره، يبدو القرار امتداداً طبيعياً لمسار بدأ ساخراً وانتهى جاداً.

طريقة تصوير المجتمع في كلا العملين مختلفة؛ في مولانا، المجتمع ليس كتلة واحدة؛ إنه مزيج من الإيمان الصادق والريبة والحسابات الصغيرة. بعض الشخصيات ترى في البطل خلاصاً، وأخرى ترى فيه فرصة لمصالحها، وثالثة تراقب بصمت. هذا التنوع يخلق مناخاً واقعياً، لكنه يزيد أيضاً من هشاشة الموقع الذي يشغله الرجل. أما في مارمولك، فالمجتمع أقرب إلى مرآة نقية تعكس احتياجات بسيطة: من يستمع، من يخفف، من يقول كلمة طيبة. ولا يعني ذلك غياب النقد، بل حضوره في خلفية المشهد، دون تصعيد حاد.

من جانب آخر، لا يمكن اختزال العلاقة بين العملين في حديث اقتباس أو تشابه سطحي. صحيح أن الفكرة المحورية واحدة: رجلٌ يدخل عباءة الدين من خارجها، لكن المسارين يتباعدان كلما تعمقنا. "مولانا" يسأل عن ثقل الدور حين يتحول إلى قدر، وعن الخوف الدائم من السقوط، و"مارمولك" يتأمل إمكانية أن يولد الصدق من قلب التنكر، وأن يقود الخطأ إلى معرفة غير متوقعة.


ربما تكمن جاذبية الحكايتين في أنهما تضعان المشاهد أمام مرآة غير مريحة. كم من الأدوار نلعبها في حياتنا حتى نكاد نصدقها؟ وكم من الأقنعة تبدأ كحيلة، ثم تتحول إلى هوية؟ بين القرية العربية المثقلة بالأسرار والبلدة الإيرانية التي تستقبل رجلاً هارباً ببراءة، تتكرر الحيرة ذاتها: هل يصنع الإنسان صورته، أم تصنعه نظرات الآخرين إليه؟

بين توتر "مولانا" وسخرية "مارمولَك" تتجدد الحيرة القديمة: هل يصنع الدور صاحبه، أم تصنعه عيون الذين آمنوا به؟

من هذا المنطلق، يفتح العملان باباً لتأمل أوسع في العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الحاجة إلى الإيمان والحاجة إلى الخلاص الشخصي. وإذا كان أحدهما يختار الطريق الوعر المليء بالشكوك، والآخر يميل إلى دفء المفارقة الإنسانية، فإن كليهما يذكرنا بأن الحقيقة ليست دائماً نقطة ثابتة، بل مساراً يتشكل مع كل خطوة. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو من كان صادقاً منذ البداية، بل من تجرأ على أن يواجه نفسه حين بدأ القناع يلتصق بالوجه.

يذكر أن فليم "مارمولك" كان فيلماً جدلياً عند عرضه في إيران، فبعد فوزه في الدورة الثانية والعشرين لمهرجان "فجر" السينمائي بجائزة أفضل سيناريو وأفضل فيلم من وجهة نظر الجمهور، عُرض في دور السينما الإيرانية، لكن عرضه لم يستمر طويلاً، إذ أُوقف بعد نحو أسبوعين فقط، إثر اعتراضات وضغوط من بعض الشخصيات الدينية والسياسية، فتم سحبه من صالات السينما، لكن الكثير في إيران شاهدوه عبر قرصنته.

وبعد مرور عقد على سحبه من دور العرض، طُرحت أقراص "مارمولك" المدمجة عام 2015 بشكل محدود، ثم نُشر رسمياً في نيسان/ أبريل 2020 عبر شبكة العرض المنزلي. وبعد نحو عقدين من عرضه القصير في صالات السينما الإيرانية، بُثّ "مارمولك" للمرة الأولى على القناة الأولى الإيرانية وشبكة العرض التلفزيوني خلال نوروز عام 2022.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image