يأتي هذا المقال ضمن نشرة أسبوعية متّصلة بتدقيق المعلومات، ينشرها رصيف22، بالتعاون مع "مجتمع التحقّق العربي"، وهو مشروع بحثي متخصّص يعتمد على البرمجيات لدعم منصّات التحقّق الإخباري العربية، وذلك عبر بضع آليات، منها استحداث قاعدة بيانات تجمع محتوى منصّات التحقّق إلكترونياً بمعايير تقنية موحّدة، مما يتيح أدوات بحث وتحليل واسعة النطاق.
تتصدى نشراتنا المختلفة لاضطراب المعلومات، والتحديات التي تُفرض علينا في الوصول إلى الحقيقة، مما يضمن تقديم أخبار دقيقة وموثوق بها للجمهور.
لا تزال الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مستعرة، وتترافق معها موجة من التضليل والادعاءات الكاذبة. بدايةً من زعم أسر إيران مجموعة من الجنود الأمريكيين، وادعاء آخر حول احتراق مطار دبي بفعل الضربات الإيرانية وخروجه عن الخدمة، مروراً بالحديث عن سقوط صاروخ إيراني في تل أبيب، واستهداف إيران مصفاة نفط في العاصمة الإسرائيلية، وصولاً إلى زعم حول خداع إيران الطائرات الأمريكية بمجسّمات ثلاثية البعد وغير حقيقية لأهداف عسكرية لاستنزافها، وادعاء آخر حول استهداف جسر الصداقة الواصل بين السعودية والبحرين، وغيرها من الادعاءات التي عملت منصات تدقيق معلومات عربية على تفنيدها وكشف أوجه الزيف فيها.
هل أسرت إيران جنوداً أمريكيين أخيراً؟
تداولت حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي صوراً تظهر فيها مجموعة من الجنود الأمريكيين جاثمين على ركبهم على متن قطعة بحرية، مع الزعم بأنها للحظة أسر إيران جنوداً أمريكيين.

تحقّقت منصة "صحيح مصر" المصرية من صحة الصور وأثبتت أنها تعود إلى واقعة احتجاز إيران لـ10 من عناصر البحرية الأمريكية في منطقة الخليج في كانون الثاني/ يناير 2016، وليست لجنود أمريكيين أسرتهم حديثاً خلال الحرب الحالية كما يرد في الادعاء المتداول.
لم يُعلن الرئيس عون الحرب على "حزب الله"، ولم يُنهِ نبيه بري التحالف مع الحزب الذي لم يربط بدوره شاباً سورياً إلى عمود تنكيلاً به… جولة في المعلومات المضلّلة التي راجت هذا الأسبوع مدفوعةً بالتطورات العسكرية المتلاحقة في المشهد اللبناني والعربي
هل أحرقت الصواريخ الإيرانية مطار دبي وأخرجته عن الخدمة؟
انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع أظهر حريقًا مع الادعاء أنه في مطار دبي الدولي، وتظهر فيه النيران مشتعلة في طائرة مشابهة لطيران الإمارات، وادعى ناشر المقطع أن مطار دبي أصبح خارج الخدمة.
تتبّعت منصة "متصدقش" المصرية المقطع الذي حاز نسبة مشاهدات عالية، وتبيّن أنه مصمم بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ يظهر بالفيديو بعض الأخطاء المميزة مثل الخطأ في كتابة كلمة "الإمارات" على الطائرة. ولم تنشر أي وسيلة إخبارية موثوق بها هذا الفيديو، كما أن الفيديوهات المتداولة عن حالة المطار بعد قصفه بمسيّرة في اليوم الأول للحرب.
هل ربطت عناصر "حزب الله" اللبناني شاباً سورياً في عمود إنارة؟
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا ولبنان مقطعاً مصوراً يظهر فيه شاب مربوطاً إلى عمود إنارة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مع ادعاءات بأنه شاب سوري تعرّض للاعتداء.
تتبّعت منصة "فارق" السورية المقطع وأثبتت أن الرواية مضلّلة وفقاً لهوية الشاب وظرف تصوير المقطع، إذ تبيّن أن الواقعة تعود إلى توقيف شبان لسارق بعد الضربات الإسرائيلية على المنطقة، ولم تتوافر أدلة على أنه سوري الجنسية.
يأتي هذا الادعاء بالتزامن مع حالة استنفار وتحشيد تشهدها دمشق وريفها وريف حمص الغربي تهدف إلى منع نازحين لبنانيين محتملين من أنصار "حزب الله" من العبور إلى الأراضي السورية، أو استقبالهم من بعض الأهالي، مما يعكس أهمية التزام الدقة والبعد عن استخدام معلومات مضلّلة مثل هذا الفيديو.
هل سقط صاروخ إيراني في تل أبيب؟
في غضون ذلك، رصدت منصة "مسند" اليمنية، تداول مقطع فيديو على نطاق واسع، مع الادعاء بأنه يوثّق انفجارات حديثة وقعت في تل أبيب إثر سقوط صاروخ ناتج من القصف المتبادل حديثًا بين إيران وإسرائيل و"حزب الله". المنصة اليمنية تتبّعت الادعاء وبينت أن الفيديو قديم، ومنشور في 14 حزيران/ يونيو 2025.
يتزامن نشر الادعاء مع استمرار الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث قصفت طهران أهدافاً عديدة في مدن خليجية بما فيها قواعد أمريكية، إضافة إلى استهدافها المستمر لإسرائيل.
هل استهدفت إيران مصفاة نفط في تل أبيب؟
ورصدت أكثر من منصة تدقيق معلومات عربية، مقاطع فيديو يُزعم أنها توثّق الانفجارات ونتائج الضربات الإيرانية على تل أبيب، وكذلك تلك التي تزعم رصد تبعات الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتبيّن أن معظمها كان غير دقيق ومضلّلاً في بعض الأحيان.
من ذلك، تحققت منصتا تحقّق الفلسطينية وصدق اليمنية من مقطع متداول يُزعم أنه يوثّق استهداف "حـزب الله" اللبناني مصفاة نفط في تل أبيب بسرب من المسيّرات الانقضاضية، حيث خلصتا إلى أن الفيديو لا علاقة له بالأحداث الراهنة، بل يوثّق اندلاع حريق في شركة "باندا انترناشيونال تريدينغ"، في شرق لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا الأمريكية، في حزيران/ يونيو 2016، مما سبّب عدة انفجارات للمغنيسيوم أثناء محاولة رجال الإطفاء السيطرة على الحريق.
هل احترقت اسرائيل بموجة صواريخ إيرانية انشطارية؟
في السياق نفسه، تحقّقت منصة "يوب يوب" من مقطع فيديو مزعوم أنه يرصد حرائق واسعة في تل أبيب بعد موجة صواريخ إيرانية انشطارية.
وجدت المنصة أن الفيديو يصوّر حريقاً في مستودع في دبي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أي لا علاقة له بالحرب الدائرة.
هل أعلن الرئيس اللبناني الحرب على "حزب الله"؟
وفيما يتعرّض لبنان إلى القصف الإسرائيلي المتكرّر، ونزح آلاف من مواطنيه من قراهم ومنازلهم، انتشر مقطع فيديو للرئيس اللبناني جوزيف عون، وهو يرتدي الزيّ العسكري، ويتلو قراراً للحكومة اللبنانية مفاده "حظر سلاح 'حزب الله'"، قائلاً إنه أعطى أوامرَه للجيش اللبناني بنزع سلاح "حزب الله" شمال نهر الليطاني، "فوراً ولو بالقوة، حتى لو أدّى هذا الأمر إلى مواجهة بين الجيش وحزب الله".
دقّقت منصات "تيقن" و"تحقّق" من فلسطين و"الفاحص" و"صحيح العراق" من العراق، في الفيديو وأثبتت أنه مولّد بالذكاء الاصطناعي، من خلال استخدام مقاطع من فيديو قديم لعون بنفس الزيّ والمكان، عندما كان قائداً للجيش اللبناني قبل تنصيبه رئيساً للبلاد، لكن بإدخال صوت جديد وإعادة تحريك اللقطات (تحديداً الشفاه واليدين) بما يتناسب مع الكلام والصوت.
ويرجع المقطع المأخوذة منه اللقطات إلى أيلول/ سبتمبر 2023، خلال افتتاح عون، بصفته قائداً للجيش اللبناني آنذاك، شبكة طرقات جديدة بمنطقة الهِرمل.
هل أعلن نبيه بري نهاية تحالف حركة أمل و"حزب الله"؟
في لبنان أيضاً، راج مقطع فيديو لرئيس مجلس النواب اللبناني وزعيم حركة أمل، نبيه بري، وهو يوجّه انتقادات حادة لـ"حزب الله"، متهماً قياداته بعدم الالتزام بتعهداتها والزج بلبنان في حرب لـ"إسناد إيران".
تتبّعت منصة "ترو بلاتفورم" السورية المقطع وكشفت أنه مولد بالذكاء الاصطناعي، كما تبيّن أن الفيديو يتناقض مع نفي رسمي صدر عن بري لتصريحات منسوبة إليه، مفادها: الوصول إلى هذه الحالة نتيجة قرار "حزب الله" فتح حرب إسناد ثانية في توقيت قاتل وأن "الحل للخروج من هذه الكارثة هو في إلزامه بتسليم سلاحه". لذا، تظهر خطورة نشر مثل هذا المقطع المفبرك في ظل التصعيد العسكري الحالي.
هل خدعت إيران المقاتلات الأمريكية بمجسّمات زائفة؟
نشرت مواقع التواصل الاجتماعي صورةً رفقة تعليق: "خدعة إيرانية صادمة! تقوم إيران برسم مجسم ثلاثي البعد لطائرات على المهبط، وتتفاجئ القوات الأمريكية والصهيونية بعد القصف أنها قصفت رسومات فقط! كل عملية قصف تكلف ملايين الدولارات".

فنّدت منصة "الفاحص" العراقية هذا الادعاء ووجدت أن الصورة المتداولة مولّدة بالذكاء الاصطناعي وليست لرسومات طائرات إيرانية تعرّضت للقصف. وبالتدقيق في تفاصيل الصورة، يمكن ملاحظة إشارات عديدة تثبت أنَّها مولّدة، من بينها الإحداثيات على جوانب الصورة التي تبدو غير منطقية، والأرقام الظاهرة على الجانب الأيسر لا تتدرج رقمياً بشكل منتظم، كما يمكن ملاحظة تشوّه في الأرقام على منتصف اليسار.
هل استُهدف جسر الصداقة الذي يصل السعودية بالبحرين؟
تداولت صفحات وحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر تفجيراً كبيراً في جسر، مع ادعاء بأنه لـ"استهداف جسر الملك فهد (الصداقة)"، الرابط بين السعودية والبحرين. وحظي المقطع بمشاهدات مليونية في بعض الحسابات.
لكن منصة "صحيح العراق" أثبتت أن الفيديو قديم، وأن المعلومات المرفقة مضلّلة، إذ يعود المقطع إلى شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 2022. ويُظهر جسر "كيرتش" الذي يربط شبه جزيرة القرم جنوبَ أوكرانيا بالأراضي الروسية، حين تعرّض لتفجير كبير بشاحنة مفخّخة أدّى إلى إغلاقه أمام العجلات والقطارات.
هل وجّه البرهان بياناً إلى السودانيين في دول الخليج؟
وفي السودان، تداولت العديد من الحسابات على وسائل التواصل بياناً منسوباً لرئيس مجلس السيادة الحاكم، عبد الفتاح البرهان، يوجّه فيه المواطنين السودانيين المقيمين في دول الخليج إلى أخذ الحيطة والحذر وضبط الخطاب وتجنّب التعليق على مجريات الحرب حتى لا تُتخذ هذه التعليقات ذرائع لاستمرار "التدخلات المعادية" في شؤون السودان.
لم تخدع إيران أمريكا بمجسّمات زائفة لطائرات، ولم تعتقل جنوداً أمريكيين في سياق الحرب الدائرة، بل ولم تُلهب تل أبيب بصواريخ انشطارية. هذه مجرّد أمثلة على موجة التضليل التي ترافق الحرب الدائرة في الشرق الأوسط. فكيف تصدّت لها منصات تدقيق المعلومات العربية؟
تحقّقت منصة "بيم ريبورتس" السودانية من الادعاء وأثبتت أنه مفبرك إذ لم يرِد في حساب مجلس السيادة الانتقالي ولا في حساب البرهان ولا في حساب وكالة السودان للأنباء. كما لم يُسفر البحث بالكلمات المفتاحية عن أيّ نتائج تدعم صحة الادعاء.
هل أخطأت مذيعة جزائرية في اسم السعودية ووصفتها بـ"المملكة المغربية"؟
ختاماً في المغرب حيث تداولت صفحة في موقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو منسوب إلى قناة الجزائر الدولية AL24، وزعمت أن مقدمة الأخبار أخطأت فيه بوصف السعودية بـ"المملكة المغربية".
لكن منصة "ألجيريا تشيك" الجزائرية أوضحت أن الفيديو المتداول مفبرك، حيث جرى التلاعب في الصوت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتغيير حديث المذيعة التي يُظهر الفيديو الأصلي بوضوح أنها ذكرت المملكة العربية السعودية بشكل صحيح، مما يؤكد أن النسخة المتداولة معدّلة ومضلّلة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
