حيوانات غريبة ووجوه مشوّهة... ماذا يشاهد الأطفال في فيديوهات الذكاء الاصطناعي؟

حيوانات غريبة ووجوه مشوّهة... ماذا يشاهد الأطفال في فيديوهات الذكاء الاصطناعي؟

حياة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 10 مارس 20269 دقائق للقراءة

لم تعد لعبة "الغميضة" والجري في الهواء الطلق تستهوي الأطفال، إذ باتوا يقضون وقتاً طويلاً وهم يحدقون في الشاشة لمشاهدة الرسوم المتحركة والبرامج التي من المفترض أن تجعلهم يتعلمون الأبجدية ويتعرفون إلى عالم الحيوان والطبيعة، غير أنه في الآونة الأخيرة، يكثر الحديث عن "أزمة أخلاقية" وراء بعض المنصات، والتي بدلاً من أن تكون "أداة تعليمية وتثقيفية" يستفيد منها الأطفال من خلال محتوى مبسط، تحولت إلى وسيلة مرهقة تجعل الصغار يخلطون بين الواقع والخيال وتشتت انتباههم وتؤثر سلباً في قدراتهم المعرفية.

"بكبسة زر" في يوتيوب، يجد الصغار مقاطع فيديو قصيرة تنطوي على مشاهد عنيفة ومسيئة لشخصيات كرتونية شهيرة جرى تعديلها بالذكاء الاصطناعي، فما تأثير ذلك في قدراتهم المعرفية وكيف يمكن ضبط ما يحصل؟

تشكيل مرحلة الطفولة

يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مرحلة الطفولة بوتيرة غير مسبوقة، فقد أصبح الآن في صميم التطبيقات التي يستخدمها الأطفال يومياً، إذ تُوصي الخوارزميات بمقاطع الفيديو التي يجب مشاهدتها في وقت تتزايد فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية التي تُنشئ المحتوى الذي يستهلكه الأطفال.

من دعم التعلّم إلى إنجاز الواجبات المدرسية، بات الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة في حياة الأطفال، إذ تشير الأدلة الحديثة إلى سرعة انتشار الذكاء الاصطناعي، بحيث يلجأ أكثر من ثلث الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 9 و11 عاماً في الأرجنتين إلى تطبيق "شات جي بي تي" للحصول على المعلومات، ومع ذلك كشفت منظمة اليونيسيف أن هناك فجوة كبيرة في ما يتعلق بإمكانية الوصول وأنماط الاستخدام والتعرض للمخاطر.

"بكبسة زر" في يوتيوب، يجد الصغار مقاطع فيديو قصيرة تنطوي على مشاهد عنيفة ومسيئة لشخصيات كرتونية شهيرة جرى تعديلها بالذكاء الاصطناعي، فما تأثير ذلك في قدراتهم المعرفية وكيف يمكن ضبط ما يحصل؟

فقد أعرب بعض الأطفال عن مخاوفهم بشأن الذكاء الاصطناعي، لا سيما عند إساءة استخدامه وأبدوا قلقهم بشأن سلامتهم ورفاهيتهم وخصوصيتهم.

وبناء على مركز الأبحاث التابع لليونيسف في فلورنسا (UNICEF Innocenti) والذي أجرى مشاورات مع أطفال تراوح أعمارهم ما بين 10 و17 عاماً حول ما يحقق مصالحهم الفضلى في البيئة الرقمية، فإن أبرز مخاوفهم تدور حول المحتوى الضار الذي يتم إنشاؤه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، وتقنية التزييف العميق المضللة، والتي قد تؤدي إلى الأذى والتنمر.

معلومات مضلّلة وتأثير خطير

يحذر الخبراء من أن مقاطع الفيديو منخفضة الجودة التي تنتجها برامج الذكاء الاصطناعي والموجهة بشكل خاص لتعليم الأطفال، غالباً ما تحتوي على معلومات مضللة وتفتقر إلى بنية سردية متماسكة، وقد تكون مرهقة من الناحية المعرفية، مما قد يؤثر سلباً في نمو الأطفال.

في الواقع، نتيجة لأدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة بسهولة في وقتنا الراهن والبرامج التعليمية المنتشرة عبر الإنترنت، أصبح عدد كبير من الفيديوهات المولدة عبر الذكاء الاصطناعي والمخصصة لتعليم الأطفال تحظى بملايين المشاهدات في يوتيوب، لا سيما وأنه يتم إنتاجها بوتيرة سريعة والترويج لها بشكل كبير على مدار اليوم، وبخاصة أن صنّاع المحتوى يجنون أرباحاً طائلة وسط رقابة ضئيلة من يوتيوب.

في هذا السياق، يكشف تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" أن خوارزمية يوتيوب تروج لمقاطع مصورة تزعم أنها تهدف إلى تعليم الصغار الأبجدية والحيوانات لكنها تُنتج بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، وغالباً ما تكون غريبة وغير منطقية.

واللافت أن هذه الفيديوهات تظهر أشخاصاً وحيوانات بوجوه مشوهة أو أجزاء زائدة من الجسم (حيوانات لديها أرجل إضافية)، علاوة على أنها غالباً ما تحتوي على نصوص غير مفهومة، كما أن معظمها مليء بالمعلومات المضللة وحتى في منصة "يوتيوب كيدز"، المفترض أنها مصممة لتوفير بيئة رقمية أكثر تحكماً للأطفال، يسهل العثور على هذا النوع من الفيديوهات المولدة عبر الذكاء الاصطناعي.

على مدار عدة أسابيع، ركزت صحيفة "النيويورك تايمز" بشكل أساسي على فيديوهات يوتيوب القصيرة من قنوات أطفال شهيرة مثل "كوكوميلون"، وذلك من خلال متصفح خاص وفي أوقات مختلفة من اليوم.

وفي جلسة مشاهدة مدتها 15 دقيقة، تبين أن أكثر من 40% من الفيديوهات القصيرة تحتوي على صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي، واللافت أن بعض هذه المقاطع كان "سلساً" لدرجة يصعب على العين المجردة اكتشاف أنها معدّة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

والمفارقة أن هذه المقاطع لا تتجاوز مدتها 30 ثانية، مما يعني أنه ليس هناك من وقت كاف لتطوير الأفكار أو التكرار الضروري الذي يسمح للأطفال بالتعلم منها.

تعليقاً على التأثير السلبي لهذه المقاطع على عقول الأطفال، تقول طبيبة الأطفال المتخصصة في النمو والسلوك، جيني راديسكي: "إنها خيالية ومليئة بوسائل جذب الانتباه لدرجة أنها تُرهق الأطفال معرفياً"، موضحة أن هذه المنصات تعمل بمثابة مرآة تعكس العالم الذي يعرفه الأطفال، فهي تساعدهم في فهم العالم ليس فقط من خلال الحروف والأرقام إنما أيضاً من خلال التعرف إلى المشاعر والعلاقات الاجتماعية.

من هنا، تعرب راديسكي عن قلقها بشأن المحتوى المولد عبر الذكاء الاصطناعي والذي بات شديد الواقعية بخاصة بالنسبة إلى الأطفال الذين لا يستطيعون التمييز بين الواقع والخيال، وهو الأمر نفسه الذي علّق عليه عالم النفس والباحث في جامعة جورج تاون، ماكول بوث، بالقول: "قد يواجه الأطفال صعوبة أكبر في المستقبل في تحديد المحتوى الزائف".

"فوضى رقمية"

في ظل هذه "الفوضى الرقمية"، بدأت بعض المنصات بتشديد قواعدها المتعلقة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، فقد وفر موقع "بينترست" ميزة تمكين المستخدمين/ات من تحديد كمية هذا النوع من المحتوى الذي يرغبون في مشاهدته، كما أعلن "تيك توك" أنه يختبر طرقاً مختلفة لتقليل كمية محتوى الذكاء الاصطناعي في الصفحة الرئيسية للمستخدمين/ات، وبدوره، أعلن يوتيوب عن أدوات تحكم جديدة تسمح للأهل بتحديد مدة عرض مقاطع الفيديو القصيرة على يوتيوب.

يكشف تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" أن خوارزمية يوتيوب تروج لمقاطع مصورة تزعم أنها تهدف إلى تعليم الصغار الأبجدية والحيوانات لكنها تُنتج بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، وغالباً ما تكون غريبة وغير منطقي

وكانت صحيفة "النيويورك تايمز" قد طلبت تعليقاً من يوتيوب بشأن سياستها المتعلقة بفيديوهات الأطفال المولدة عبر الذكاء الاصطناعي وشاركت 5 قنوات مختلفة كأمثلة، ورداً على ذلك، علّق يوتيوب جميع هذه الحسابات من برنامج شركاء يوتيوب، مما يعني أنها باتت غير مؤهلة لكسب عائدات الإعلانات وممنوعة من الظهور على "يوتيوب كيدز".

وبالمثل، أرست الصحيفة 3 أمثلة لفيديوهات معدة بواسطة الذكاء الاصطناعي وفائقة الواقعية في "يوتيوب كيدز" وأزالها يوتيوب، كما أزال فيديو يخالف سياسة سلامة الأطفال، بحيث يُظهر حيوانات يتغيّر لونها بعد حقنها.

عبء على الأهل

في حين أن صنّاع المحتوى لا يفصحون باستمرار عمّا إذا كانت مقاطع الفيديو تحتوي على مؤثرات بصرية معدّة بالذكاء الاصطناعي لجعل المحتوى يبدو أكثر واقعية، يبدو أن مهمة تصنيف هذه المقاطع وتحديد محتوى الذكاء الاصطناعي تقع على عاتق الأهل، وهو عبء كبير في ظل التطور السريع للأدوات المستخدمة في إنتاج مثل هذا المحتوى، كما أن العديد من حسابات يوتيوب التي تحمّل محتوى الذكاء الاصطناعي الموجه للأطفال، مجهولة الهوية ومن غير المعروف من يقف وراءها.

وفي حين لا يزال الجدل قائماً حول الآثار الصحية طويلة الأمد لمثل هذه الفيديوهات ونظراً إلى وجود مقاطع فيديو رديئة الجودة موجهة للأطفال قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بفترة طويلة، يخشى الخبراء من أن الكمّ الهائل من هذه الفيديوهات قد يؤدي إلى حرمان الأطفال من فرص التفاعل مع المحتوى الجيّد أو ممارسة أنشطة أخرى كالقراءة والتي قد تعود عليهم بفوائد عديدة.

ويوضح الخبراء أن التعلم يكون من طريق مشاهدة المحتوى الذي يتميّز بسرد واضح وشخصيات يسهل على الأطفال التعلق بها ومشاهد ترتبط بحياتهم الواقعية، وتعد اللغة البسيطة والعبارات القصيرة مفيدة أيضاً في تنمية القدرات المعرفية لدى الأطفال، هذا ويمكن للبرامج التي تعلّم الأطفال مفاهيم مثل حلّ المشكلات أو التي تتضمن تكراراً مقصوداً أن تساعد في استرجاع المعلومات.

ورداً على سؤال عمّا إذا كانت الفيديوهات التي تتضمن عناصر من الذكاء الاصطناعي قادرة على تعزيز التواصل الإنساني، تجيب الأستاذة المساعدة في كلية الدراسات العليا في جامعة هارفرد، يينغ شو، أن المحتوى المصمم بطريقة جيدة عبر الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم تعلم الأطفال، من خلال إشباع فضولهم والمساعدة في الإجابة عن أسئلتهم.

في جلسة مشاهدة مدتها 15 دقيقة، تبين أن أكثر من 40% من الفيديوهات القصيرة تحتوي على صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي، واللافت أن بعض هذه المقاطع كان "سلساً" لدرجة يصعب على العين المجردة اكتشاف أنها معدّة بواسطة الذكاء الاصطناعي

وتضيف: "لا أوافق على استخدام البالغين الذكاء الاصطناعي لتحقيق الربح أو لإنتاج مقاطع فيديو منخفضة الجودة بكميات هائلة، لكنني أعتقد أنه يوفر أداة للأطفال للتعبير عن أنفسهم"، مشددة على أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة الأطفال على المشاركة في سرد القصص من خلال إنشاء محتوى الوسائط المتعددة الخاص بهم يجب أن يكون دائماً بإشراف الأهل.

يذكر أنه في شهر شباط/ فبراير جرت عدة محاكمات في الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى تحميل شركات التواصل الاجتماعي مسؤولية الأضرار المزعومة التي تلحق بالأطفال، إذ تم اتهام كل من ميتا ويوتيوب بتصميم منتجات قد تُلحق الضرر بالصحة النفسية للمستخدمين/ات بسبب محتواها الإدماني.

وقد توصلت شركتا تيك توك وسناب، اللتان ورد اسمهما في القضية، إلى تسوية مقابل مبالغ لم يُفصح عنها.








رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image