النقل الذكي في مصر… رحلات تبدأ بالتطبيق وتنتهي بالتحرش والملاحقة

النقل الذكي في مصر… رحلات تبدأ بالتطبيق وتنتهي بالتحرش والملاحقة

حياة نحن والنساء

السبت 7 مارس 202611 دقيقة للقراءة

أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج.

استقلت آيات محمد مركبة تتبع أحد تطبيقات النقل الذكي الموجودة في القاهرة. فوجئت الشابة الثلاثينية بتلقّي رسائل تحرش عقب انتهاء الرحلة، مصحوبة بصورة فوتوغرافية التقطها لها السائق دون علمها، خلال استقلالها سيارته.

استخدمت آيات مركبة ضمن تطبيق "إندرايف" لتنتقل من أكتوبر إلى منطقة جامعة القاهرة (ضمن محافظة الجيزة). تقول الفتاة: "بعد عودتي إلى منزلي، فوجئت برسائل تحرش من رقم غريب على الواتساب". تحققت آيات من رقم الهاتف لتجد أنه يعود لسائق المركبة التي طلبتها للقيام برحلتها في اليوم ذاته.

توضح أن التطبيق لا يشير إلى وجود أي كاميرات داخل المركبات التي تعمل تحت مظلته. تضيف: "لا أعلم كيف صوّرني السائق، لم أرَ كاميرا، ولا يحق لشركة نقل ذكي تركيب كاميرات دون إعلان ذلك".

تحرش وابتزاز

لم تسلم خلود خالد هي الأخرى من التعرض للتحرش والإساءة اللفظية على يد سائق تطبيق نقل ذكي، عقب طلبها سيارة تقلها من منطقة 6 أكتوبر إلى مدينة الإسماعيلية.

"لا أعلم كيف صوّرني السائق، لم أرَ كاميرا، ولا يحق لشركة نقل ذكي تركيب كاميرات دون إعلان ذلك"... تحرّشات ومضايقات وتهديد وابتزاز وانتهاك لخصوصية فتيات ونساء بسبب تطبيقات النقل الذكي في مصر

وثّقت الفتاة تفاصيل الواقعة عبر منشور على فيسبوك، أوضحت فيه أنها فوجئت بالسائق، عقب طلب الخدمة على "إندرايف"، يوجه لها عبارات مسيئة وغير لائقة ويتحرش بها عبر محادثات داخل التطبيق، وفقاً لما نشرته.

لم تكن هاتان الحادثتان منفردتين؛ وثقت معدة التقرير سبع حالات لضحايا تعرضن للتحرش الجنسي والملاحقة والتتبع الإلكتروني من سائقي تطبيقات نقل ذكي عبر رسائل واتساب، وأخرى تلقتها الضحايا داخل التطبيق ذاته، في الفترة بين عامي 2020 و2025. من بين الضحايا مَن تعرضت لقيام السائق بتوزيع رقمها على مواقع سيئة السمعة؛ ما دفعها إلى تحرير محضر شرطي ضده، وفقاً لما كتبته على حسابها بفيس بوك. تواصلنا مع هذه الضحية، لكنّها رفضت التحدث عن ملابسات الواقعة.

اعتداءات من نوع آخر

لم تتخيل نرمين محمود، 29 عاماً، أن رحلتها عبر تطبيق "ديدي" سينتهي بتعرّضها للسرقة على يد سائق المركبة. تروي نرمين التفاصيل لـ"أريج" قائلة: "ركبت السيارة من نادي السكة، إلى منطقة الأهرامات بالجيزة. تذرع السائق بتعطل خاصية تحديد الموقع، فأعطيته هاتفي ليتابع الطريق. لاحقاً طلبت استعادته، قال لي: مفيش موبايلات، ثم استولى على أموالي. بعد أن أغلق لوك السيارة ورفض إنزالي".

فوجئت نرمين بتنصل الشركة من مسؤوليتها بداية الأمر، قالوا لها: "ليس لنا علاقة"، دون إعادة مسروقاتها، فحررت محضراً ضد السائق واتهمته بالسرقة واحتجازها داخل السيارة، وفق تأكيدها.

لاحقاً، اكتفت الشركة في ردودها بـ"معلش، إحنا آسفين يا فندم، وإحنا مشيناه"، وفق نرمين. كما تمّ حفظ المحضر في واقعة سرقة هاتفها المحمول، الذي بلغت قيمته 28 ألف جنيه مصري، وبعض الأموال والمقتنيات، لتبلغ قيمة المسروقات نحو 36 ألف جنيه مصري، وفق تقديرها.

تطالب نرمين بتحري شركات النقل الذكي عن السائقين قبل توظيفهم، مع إتاحة خاصية الطوارئ عند الحاجة.

تلاعب واحتيال

يعمل سيد أحمد سائقاً على تطبيق"إندرايف" بالإضافة إلى تطبيقات أخرى. يقول إن الشركات تحصل على بيانات الراكبات، ويمكن للعميل إظهار رقم هاتفه أو إخفائه، كما هو الحال في تطبيق "إندرايف". عمل سيد سابقاً على تطبيقات أخرى مثل "ديدي" و"Bolt" و"كريم".

ويؤكد استخدام بعض السائقين أرقام المستخدمات بطريقة غير مهنية في التطبيقات التي تكشف أرقامهن. لكنّه أشار إلى أن الشركات قد تتحيز أحياناً للعميل على حساب السائق، فتوقفه عن العمل بشكل تعسفي دون تحقيق.

كما أشار سيد إلى بيع السائقين حساباتهم لآخرين؛ إذ يلجأ إلى هذه الحيلة السائقون الذين مُنعوا من العمل وتلقوا حظراً "بلوك" من الشركات لتورطهم في وقائع ضرب أو تحرش، موضحاً أنهم قد يحصلون على حسابات أخرى للعمل من خلالها. ليجد الراكب سائقاً آخر يختلف عن المُدرَجة بياناته على الحساب.

خلال العمل على التقرير، رصدنا إعلانات نشرها سائقون يعرضون فيها بيع حساباتهم، في حين كان يبحث آخرون عن حسابات لشرائها، بالإضافة إلى إعلان البعض عن توفير فرص عمل للسائقين، دون ضرورة تقديم "فيش وتشبيه" (السجل الجنائي) لمن تلقوا الحظر "بلوك"، مع الاكتفاء بالبطاقة الشخصية والرخصة فقط.

ووفق سيد أحمد، الذي يعمل على بعض تطبيقات النقل الذكي، فإن محتالين صفة شركات تطبيقات النقل الذكي يتواصلون مع بعض الأشخاص، عبر مكالمات تليفونية، ويزعمون إمكانية إنشاء حسابات للسائقين على بعض التطبيقات. ويُطلب من الشخص الراغب في الحصول على حساب إرسال "الفيش والتشبيه"، وصورة البطاقة والرخصة ورقم الهاتف، ومن ثم يتم إنشاء الحساب باستخدام تلك الوثائق.

يوضح أنه يُطلب لاحقا رمز الـOTP من السائق بعد أن يصله؛ إما لسرقته فوراً، وإما للسماح له بالعمل عليه لرحلتين أو ثلاث قبل الاستيلاء عليه، وتغيير رقم الهاتف وبيع الحساب.

مخالفات أخرى

يشترط قانون "تنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات"، رقم 87 لسنة 2018، حصول الشركات على ترخيص قانوني من الجهات المختصة، لمزاولة النشاط. ويُلزم القانون المُشغِّل بحسن اختيار السائقين خلقياً ومهنياً، وفحص عينات عشوائية شهرية لهم على نفقة الشركة، وإنهاء التعاقد فور ثبوت تعاطي الكحوليات أو المخدرات. كما يُلزم القانون بأن تكون بيانات السائق الظاهرة للمستخدم وقت طلب الخدمة هي نفسها الموجودة وقت تأديتها.

يوضح سيد أحمد، الذي يعمل على بعض تطبيقات النقل الذكي، أن شركات تطبيقات نقل ذكي تطلب "الفيش والتشبيه" من السائقين على فترات، ولا يحدث ذلك بالضرورة عند بدء العمل. وقد تطلبه بعض الشركات بعد عام أو عامين، أو بعد عدد معين من الرحلات، وفق سيد. كما أشار إلى وجود شركات توظف سائقين دون إخضاعهم لتحليل مخدرات.

تم رصد منشورات لسائقي تطبيقات النقل الذكي في مصر على فيس بوك، توضح طرق تحايل البعض لتزوير تحاليل المخدرات؛ مثل "تبديل العينة أو خلطها بالماء، فضلاً عن محاولات البعض التهرب من إجراء التحاليل لتعاطيهم المخدرات.

تكشف فتحي عن تلقي مؤسستها شكاوى من ضحايا تطبيقات النقل الذكي، خلال جلسات دعم نفسي جماعية تعقدها مرة شهرياً. ويتراوح عدد الحالات بين 25 و36 حالة، مبرزةً أن من أخطر الانتهاكات ابتزاز الضحايا بنشر صورهن الشخصية

في هذا السياق، يقول دكتور كريم كرم، أمين صندوق مركز الحق في الدواء لـ"أريج"، إن بعض الأشخاص يلجأون إلى تزوير عينات التحاليل عبر تبديلها، أو استخدام عقاقير طبية أو غيرها، لتعطي نتائج سلبية. بينما يؤكد أن خلط العينة بالماء يمكن كشفه طبياً.

تصاعد الابتزاز الرقمي

تكشف أسماء فتحي، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة "مؤنث سالم" لتمكين المرأة، عن تلقيهم شكاوى من ضحايا تطبيقات النقل الذكي، حيث تعقد المؤسسة جلسات دعم نفسي جماعية مرة شهرياً. ويتراوح عدد الحالات بين 25 و36 حالة وردت عبر تطبيقي "إندرايف" و"ديدي" خلال عام؛ نحو 80% منها كانت من نصيب التطبيق الأول.

وتوضح أسماء أن من أخطر الانتهاكات التي تلقتها المؤسسة، هي ابتزاز الضحايا بنشر صورهن الشخصية؛ إذ استولى المبتز على صورة الضحية من واتساب أو تطبيق النقل الذكي، ثم راسلها مدعياً نشر صور لها عبر الإنترنت، قبل تهديدها بنشر المزيد.

كشفت مبادرة Speak Up في تقريرها "Reality of Cyber Bullying and Blackmail Crimes in Egypt"، الصادر في آذار/ مارس 2024، عن نتائج دراسة حول الابتزاز والجرائم الإلكترونية، شارك فيها ثلاثة آلاف و176 شخصاً. وحسب النتائج، فإن الغالبية العظمى من الضحايا هن من الإناث بنسبة بلغت 90%، وفق العينة التي لم يوضح المصدر نسبة الإناث فيها. كما أفادت النتائج بتعرض نحو النصف لطلبات "خدمات جنسية". تقدم 10% فقط ببلاغات رسمية.

علاقات تعاقدية غامضة

تنص المادتان الثانية والثالثة من قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، على عدم جواز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها أو إفشائها، إلا بموافقة صريحة من المعني بالبيانات، أو في الأحوال المصرح بها قانوناً، على أن تُجمع لأغراض مشروعة ومحددة ومعلنة لصاحبها. كما تلزم المادة السابعة كلّاً من المتحكم والمعالج، حال علمه بوجود خرق أو انتهاك للبيانات الشخصية لديه، بإبلاغ المركز خلال 72 ساعة، مع إخطار جهات الأمن القومي فوراً في جميع الأحوال.

تؤكد هبة عادل، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة محاميات مصريات لحقوق المرأة، ضرورة حماية بيانات المستخدمين، بما يمنع حصول السائقين على نسخة منها، أو استخدام المشغّلين لها في أغراض خارج التطبيق.

وتضيف: "لا نعلم طبيعة العلاقة التعاقدية بين مقدمي الخدمات والمشغّلين، ولا البنود التي وقّع عليها السائقون قبل العمل معهم"، متسائلة عن الدور الرقابي للمشغّل في فحص السيارات، وعملية التأكد من إجراء "الفيش والتشبيه" إلى جانب الاستعلام الأمني عن السائقين بشكل دوري.

وتشير هبة إلى أن وزارة الاتصالات لا تملك الضبطية القضائية التي تمكنّها من مراقبة الاتصالات والرسائل داخل التطبيقات، حيث يُعنى المشغل بالرقابة لمنع تهديد سلامة الركاب، مع ضرورة تعامله مع شكاوى المستخدمين دون تقاعس، وإبلاغه الجهات المعنية بأي أضرار أو أخطاء يرتكبها السائقون، بعد استطلاع رأي المستفيد.

لكن للوزارة المختصة حق التدخل عند زيادة عدد الشكاوى المقدمة ضد إحدى الشركات، وثبوت تقاعسها، بما قد يصل إلى حظر عمل التطبيق في مصر أو منع الاتصالات عنه، حسب هبة. ومع ذلك، فهي ترى أن توقيع عقوبات على شركات دولية لا تمتلك مقرات داخل مصر أمر بالغ الصعوبة.

تواصلت معدة التقرير مع شركتي "ديدي" و"إندرايف" عبر البريد الإلكتروني، للاستفسار عن آليات التعامل مع شكاوى التحرش الإلكتروني بالمستخدمات، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى تاريخ نشر التقرير.

من جهته، قال إسلام الجزار، المتحدث الإعلامي باسم جهاز حماية المستهلك، في تصريح لـ"أريج"، إن مباحث الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات هي المعنية بالرقابة على تطبيقات النقل الذكي، والتحرش بالراكبات خارج نطاق اختصاص الجهاز، وتُحال البلاغات المقدمة في هذا الشأن إلى النيابة العامة للتحقيق.

تواصلنا مع وزارة النقل عبر الهيئة العامة للاستعلامات، للسؤال عن الإجراءات التي تتخذها بحق الشركات التي تُقدم شكوى تحرش بشأن سائقيها، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى تاريخ نشر التقرير.

غياب الترخيص

كشف تصريح للرئيس السابق لجهاز النقل الذكي، سيد متولي، عن عدم ترخيص شركات النقل الذكي في مصر، مشيراً إلى وجود ما يُسمى رخصة مزاولة نشاط، وذلك خلال اجتماع لجنة الاتصالات في أيار/مايو 2024. ووفق متولي، فإن لجنة بالجهاز المركزي تُنظم الاتصالات والنقل لتقنين أوضاع الشركات. وأوضح المسؤول السابق أنه يتم فحص المخدرات بمعرفة المرور والجهات الحكومية؛ بهدف الحفاظ على جودة الخدمة، لكن شركة أوبر تُجري الفحص عند معامل خاصة، مؤكداً أن هيئة النقل الذكي لم تتلقَّ أي عينات تخص فحص المخدرات.

"جهاز تنظيم النقل البري يضع شروطاً لترخيص مشغلي النقل الذكي؛ أبرزها الالتزام بالآداب العامة، وحماية البيانات الشخصية، وتسجيل الرحلات، والحصول على الترخيص المنظم للتعامل مع البيانات، مع حظر اطّلاع السائق على بيانات الراكب تفادياً لأي استخدام سيء لأرقام الهواتف"

بدوره، قال مصدر مسؤول في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لشؤون التنظيم وحوكمة السوق، في تصريح لـ"أريج"، إن تطبيقات النقل الذكي تخضع لقانون تنظيم خدمات النقل البري للركاب باستخدام تكنولوجيا المعلومات رقم 87 لسنة 2018، إضافة إلى قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، الذي يحدد القواعد والضوابط المنظمة للتعامل مع البيانات الشخصية للمواطنين.

وأضاف أن المرحلة الحالية تشهد تلقي طلبات شركات النقل الذكي للحصول على التراخيص، مشيراً إلى إنشاء مركز لحماية البيانات يتولى تطبيق القانون في هذا الشأن. وكشف المصدر أن تطبيقات "أوبر" و"كريم" و"إندرايف" و"ديدي" و"Bolt"، العاملة في مصر، لم تحصل حتى الآن على تراخيص بموجب القانون.

وبحسب المصدر، فإن جهاز تنظيم النقل البري يضع شروطاً لترخيص مشغلي النقل الذكي؛ أبرزها الالتزام بالآداب العامة، وحماية البيانات الشخصية، وتسجيل الرحلات، والحصول على الترخيص المنظم للتعامل مع البيانات، مع حظر اطّلاع السائق على بيانات الراكب تفادياً لأي استخدام سيء لأرقام الهواتف.

كما أكد المصدر أن التطبيقات التي تُفصح عن بيانات الركاب للسائقين، لن تحصل على رخصة عمل ما لم تلتزم بقانون حماية البيانات الشخصية، ويُحاسب قانوناً كل مَن يسربها، وفقاً لقانون مكافحة الجريمة الإلكترونية رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم النقل الذكي. تتدرج العقوبات بين الحبس والغرامة، حسب نوع الجريمة، أو المخالفة. ويضيف أن استخدام رقم الهاتف في الإزعاج وانتهاك الخصوصية جريمة، وفق المصدر.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image