ما إن يحل شهر رمضان سنوياً في فلسطين كما في عموم البلاد، حتى تتحوّل الحياة اليومية في مختلف المحافظات إلى لوحة متكاملة من العبادات والعادات الاجتماعية في مشهد تتناغم فيه الروحانية مع التقاليد، ويجمع بين الطقوس الدينية والهوية الثقافية. كما يتجاوز الصيام، في هذا الشهر، لكونه مجرد عبادة ليصبح مناسبة لتجديد العلاقات الأسرية وتعزيز أواصر المحبة بين الجيران وتجسيد قيم الكرم والتكافل.

رمضان فلسطين، بهذا المعنى، لا يعد شهر عبادة فقط وإنما أيضاً تجربة اجتماعية وروحية متجدّدة، تعكس عمق الانتماء للتراث والهوية وتجمع بين الماضي والحاضر في كل يوم من أيامه.
في هذا التقرير، يقوم رصيف22، بجولة على أبرز العادات الاجتماعية والروحانية الرمضانية في فلسطين التاريخية.
القدس... مدفع رمضاني متجدّد وعادات مندثرة بفعل الاحتلال
يحتفظ أهل مدينة القدس المحتلة بمجموعة من العادات الاجتماعية والروحانية منها مدفع رمضان، وهو إرث عثماني عمره قرابة 150 عاماً، يُطلق يومياً لإعلام السكان بمواعيد الإفطار والسحور، ويُعد جزءاً لا يتجزّأ من مشهد رمضان في المدينة ذات المكانة الدينية والتاريخية المتجذّرة.
في العرف النابلسي، رمضان حالة خاصة وفريدة، فجرت العادة أن يُستقبل اليوم الأول منه بمائدة إفطار يغلب عليها اللون الأبيض أو الأخضر، وذلك انسجاماً مع المثل الشعبي "أوله أبيض أو أخضر"، الأبيض هنا يرمز غالباً إلى منسف اللبن، فيما يشير الأخضر إلى أطباق مثل الملوخية والعكوب
يرتبط مدفع رمضان في القدس بعائلة صندوقة التي تناوبت على مهمة إطلاقه عبر الأجيال. ويطلق من مقبرة الساهرة (المجاهدين سابقاً) في شارع صلاح الدين وهو موقع مرتفع يتيح وصول الصوت إلى أرجاء المدينة، ورغم التحديات عبر العقود والمتمثلة في الاحتلال الإسرائيلي للمدينة، والتضييقات على أهالي القدس الفلسطينيين، تظل أصوات المدفع تتردّد لتذكِّر سكان القدس بروحانية الشهر ومجتمعهم المتماسك، مُثرياً بذلك لوحة العادات الرمضانية بلمسة من التاريخ والحياة اليومية.
وفي تقليد سنوي يرتبط بشهر رمضان، وبعد أن تنتهي صلاة التراويح في المسجد الأقصى، يتّجه أبناء العائلات المقدسية إلى طريق الواد والسوق القديم، حاملين القهوة الساخنة لتقديمها للمارين والمصلين في لفتة تعكس كرم المدينة ودفء رمضان. والحقيقة أن هذه العادة، التي توارثتها الأجيال، لا تنحصر في كونها مجرد ممارسة تتسم بتقديم مشروب دافئ ولكنها رمز للتواصل الاجتماعي وتعزيز روح المحبة والتكافل بين سكان القدس وزوارها خلال رمضان.
ومع كل ما تحافظ عليه القدس من تقاليد وعادات رمضانية حية، فقد شهدت المدينة في الماضي مجموعة واسعة من الطقوس الاجتماعية والدينية الأخرى التي كانت تضفي على رمضان ألواناً إضافية من الحياة والجماعة، غير أن الواقع القاسي للاحتلال والتضييقات الأمنية من حواجز وإغلاق الأزقة والشوارع الحيوية، أجبر العديد من هذه العادات على التراجع أو الانقراض تدريجياً.
لعل عادة جمع النقود من أبناء حواري القدس القديمة لتزيين هذه الحارات كانت واحدة من هذه العادات التي اندثرت، حيث دأب المقدسيون في السابق على تزيين الحواري استقبالاً لشهر رمضان، إلا أن بلدية القدس الإسرائيلية، ومنذ قرابة عشر سنوات، حاولت التحايل على الأهالي عبر تزيينها للحواري، قبل أن تتوقّف عن ذلك منذ اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
نابلس… "أبيض وأخضر" و"التوشيحة"
في العرف النابلسي، رمضان حالة خاصة وفريدة، فهو شهر يحمل في جعبته ما يدخل السرور والروحانية بالنسبة إلى أهالي المدينة، ولعل أولى تجليات هذا الشهر تبدأ باليوم الأول منه حيث جرت العادة في نابلس أن يُستقبل اليوم الأول من رمضان بمائدة إفطار يغلب عليها اللون الأبيض أو الأخضر، وذلك انسجاماً مع المثل الشعبي "أوله أبيض أو أخضر".
الأبيض هنا يرمز غالباً إلى منسف اللبن، فيما يشير الأخضر إلى أطباق مثل الملوخية والعكوب أو أي صنف يندرج تحت هذا اللون، ويرى الأهالي في هذين اللونين دلالات على السعد واليُسر والتوفيق لما لهما من بُعد مقدّر دينياً في الموروث الشعبي.
ويأمل الصائمون أن يكون الشهر بأكمله يسيراً في صيامه وسهلاً في أيامه وسريع الانقضاء بخيره وبركته، فتتحوّل المائدة بذلك إلى رسالة تفاؤل جماعية تتجاوز حدود الطعام إلى معانٍ رمزية متجذّرة في الوعي الشعبي.
وفي ليالي رمضان، تعود الحياة ليلاً إلى أسواق البلدة القديمة في نابلس، وتحديداً في منطقة باب الساحة، حيث أُعيد إحياء عادة "السوق نازل" بصيغة عصرية منذ عدة سنوات وإن كان ذلك يتفاوت بالنظر إلى الوضع الأمني القائم في عموم الضفة الغربية المحتلة، فتتوافد العائلات النابلسية وتُقام الفعاليات والأمسيات الفنية، فيما تنتشر أكشاك الطعام والحلويات بما فيها الكنافة النابلسية الشهيرة.
ورغم أن "السوق نازل" كان مرتبطاً سابقاً بجولات الأطفال حاملين الفوانيس ومرددين الأهازيج، فإن نسخته الحديثة تحوّلت إلى ما يشبه مهرجاناً عائلياً مفتوحاً يعكس تمسّك المدينة بروحها الرمضانية مع مواءمة العادات لنبض العصر.
وكما يحضر رمضان في المدينة اجتماعياً يحضر روحانياً، حيث تختتم نابلس شهر رمضان بإحياء ليالي العشر الأواخر بما يُعرف محلياً بـ"التوحيشة"، وهي تواشيح وترانيم وابتهالات دينية تُرتل عبر مكبرات الصوت الخاصة بالمساجد قبيل وقت السحور، ويعبّر بها المشاركون في "التوحيشة" عن وداعهم للشهر المبارك بحرقة وتأمل، مستحضرين معاني الرحمة والخيرات التي يختتم بها رمضان، من خلال أبياتٍ تُردد في الأزقة والمساجد.
يحافظ أهالي مدينة الخليل على عادة "السكبة"، حيث تتنقل أطباق الطعام المنزلي بين بيوت الجيران والأقارب قبل أذان المغرب، لتغتني موائد الجميع وتتكرّس معاني المحبة والتكافل
ومن أمثلتها:
"لا أوحش الله منك يا رمضانا
يا شهر الخيرات والإحسانا
شهر الصيام على الرحيل لقد نوى
يا طول ما تتذكروا رمضانا
يا ترى دوما نعود ونلتقي
في مثل هذا الشهر يا إخوانا"
ويُعد هذا التقليد جزءاً من الهوية الثقافية والدينية لمدينة نابلس، إذ يجمع بين الروحانية الجماعية والتواصل الاجتماعي، ويعكس حرص الأهالي على إضفاء بعد شعوري ووجداني على وداع شهر رمضان.
أما عادة "فقدة الولايا" أو "فقدة رمضان"، فهي ترتبط بصلة الرحم، وإن كانت منتشرة في فلسطين، إلا أنها تحظى بانتشار كبير في مدينة نابلس بشكل خاص إضافة إلى مدينة القدس، وفي هذا التقليد يزور الأب بناته المتزوجات ويزور الأشقاء شقيقاتهم ويقوم الأعمام بزيارة قريباتهم محملين بالهدايا والحلويات.
وتعكس الفقدة حضور العائلة وتماسكها وتجديد أواصر المحبة في شهر معروف بالتواصل والبر، ورغم التحديات الاقتصادية وصعوبة التنقل والحواجز العسكرية التي تقطع أواصر المدن الفلسطينية، يبقى جوهر العادة حاضراً وفعل محبة ووفاء للتقاليد.
الخليل… روحانيات الحرم ودفء السكبة
في "خليل الرحمن"، يجمع رمضان بين الرمزية الدينية العميقة وممارسات اجتماعية متوارثة، لتتشكل بذلك لوحة متكاملة تعكس قيم الكرم الإبراهيمي والتكافل الإنساني.
منذ نحو ألف عام، تواصل التكية الإبراهيمية في مدينة الخليل أداء رسالتها التاريخية، محافظةً على تقليد تقديم الوجبات الساخنة الطازجة للفقراء وعابري السبيل، ومع حلول شهر رمضان تتكاتف أيادي الخير وتتضاعف الجهود لتصل وتيرة العمل إلى تقديم نحو 5000 وجبة يومياً بما يغطي آلاف العائلات المحتاجة، وتتراوح الوجبات التي تقدمها التكية إلا أنها تتميز بطهي حساء النبي إبراهيم المعروف محلياً باسم "الدشيشة" أو "الجريشة" المحضَّر من القمح المجروش واللحم الطازج، ليكون جزءاً من التراث الغذائي الرمضاني العريق في المدينة، لذا اشتهرت الخليل بكونها المدينة التي لا يجوع أهلها بفضل هذا الصرح الإنساني.

وفي أروقة الحرم الإبراهيمي، الذي يتربع في وسط بلدة الخليل القديمة، تتجلّى عادات دينية متوارثة منذ عقود، أبرزها التسميع العثماني والأذان السلطاني الأول، قبل صلاة الجمعة أسبوعياً، إلا أن هذه العادات تكتسب حضوراً مضاعفاً خلال شهر رمضان، حيث تبدأ المراسم بمدائح وابتهالات نبوية، يعقبها الأذان السلطاني الذي يردده أربعة مؤذنين جماعياً بمقامات متعددة، في مشهد روحاني يخشع له المصلون.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يحافظ أهالي مدينة الخليل على عادة "السكبة"، حيث تتنقل أطباق الطعام المنزلي بين بيوت الجيران والأقارب قبل أذان المغرب، لتغتني موائد الجميع وتتكرّس معاني المحبة والتكافل.
"فقدة الولايا" و"السوق نازل" و"التكية الإبراهيمية" و"الأبيض والأخضر" ووداع بـ"الفسيخ"... عادات وطقوس فلسطينية تزيّن ليالي رمضان وتصبغه بصبغة روحانية فريدة
غزة… إفطار على حافة البحر ووداع بـ"الفسيخ"
في غزة حيث يمتد البحر كنافذة وحيدة للقطاع المنكوب على العالم، ارتبط رمضان منذ عقود بعلاقة خاصة بين الناس والساحل، حتى بات الإفطار على شاطئ البحر طقساً اجتماعياً مميزاً كلما سمحت الظروف. وكانت العائلات الغزية تتجه نحو الساحل قبيل أذان المغرب بقليل حاملةً أطباقها المنزلية البسيطة حيث تفترش الرمال وتنتظم في مجموعات متجاورة، بينما يركض الأطفال قرب المياه وتعلو أصوات الدعاء انتظاراً للحظة الإفطار. ففي العرف الغزي، لم يكن البحر يوماً مجرد خلفية جغرافية ولكن مساحة تنفس جماعي في مدينة ضيقة ومحاصرة، ومتنفساً يخفف وطأة الاكتظاظ وضيق المكان.

ولكن، ومنذ أن اندلعت الحرب الأخيرة لم يعد الإفطار أمام البحر طقساً اختيارياً، بل تحوّل لدى كثيرين إلى واقع فرضته ظروف النزوح، فمع تدمير إسرائيل لقطاع غزة لم يجد الغزي خياراً إلا الإقامة في خيام أمام البحر، وتالياً السحور والإفطار على الشاطئ في ظروف جوية صعبة، وهذا طبعاً إن توافر الطعام.
أما عادة "الفسيخ"، فلا تزال حاضرة بالرغم من قسوة ما مر به القطاع. فالبحر ما زال يغدق الأسماك على أهالي غزة وإن كان ذلك بنسب متفاوتة، حيث الزوارق الحربية الإسرائيلية تترصّد الصيادين لتنقض عليهم. و"الفسيخ" في غزة علامة على انقضاء شهر رمضان وحلول العيد، وهو وجبة من الأسماك المملحة التي تغزو رائحة طهيها شوارع وأزقة قطاع غزة، وهي تقليد يعكس ارتباط القطاع بتاريخه الساحلي وثقافته البحرية، إلا أن حضور هذه الوجبة لم يعد كما السابق، لأن فكرة الاحتفال نفسها بدت بعيدة في ظل الفقدان اليومي وغياب الاستقرار.

رغم التباين الجغرافي والظروف المختلفة بين المدن الفلسطينية، يظل رمضان في فلسطين مناسبة تتجاوز كونه شهراً عبادياً ليصبح تجربة جماعية تعكس صمود المجتمع وتمسكه بالهوية والتراث، من أصوات مدفع القدس إلى ألوان نابلس، مروراً ببحر غزة ووصولاً إلى دفء الخليل، تتشابك الطقوس الروحية والاجتماعية لتصنع لوحة فلسطينية فريدة في كل عام.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
