سكان المقابر في غزة... كيف يستقبلون رمضان؟

سكان المقابر في غزة... كيف يستقبلون رمضان؟

حياة نحن والمشرّدون

الجمعة 20 فبراير 20265 دقائق للقراءة

ككل عام، يضج العالم العربي والإسلامي بالاحتفالات والاستعدادات لاستقبال شهر رمضان بالكثير من الحلوى والفوانيس والأنوار والأغنيات، إلا أن الظروف في غزة مختلفة – كعادتها –، ففي هذا المكان المزدحم بالخيام، باتت بعض العائلات تفترش القبور للنوم، وتختلط لديها مظاهر الحزن بالفرح، حتى تكاد لا تستطيع التفرقة بين الأحياء والأموات.

لم تتسبب الاقتحامات البرية بإجبار سكان مدينتَي رفح وخان يونس وبعض المناطق الشمالية مثل بيت حانون وبيت لاهيا على التنقل من مكان إلى آخر فقط، بل أدت أيضاً إلى طمس طقوسهم الاجتماعية والدينية، ومنها الاحتفال بشهر رمضان.

منذ بدء الحرب على غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يعيش الغزيون بلا اهتمام لتفاصيل الحياة التي يفكر بها الناس عادة – الضرورية وغير الضرورية – وأقصى ما يطمحون إليه هو الأمان والنجاة من الموت المحتوم. واليوم، بعد عامين من النزوح والتشرد وافتقار الناس لأماكن الحياة المعتادة وخدماتها، لجأت بعض العائلات التي لم تجد مساحة لخيمها بين الأحياء إلى المقابر، بين الأموات.

"بطلت تفرق"

"أيام رمضان صارت زي أي يوم، بدون طقوس وبدون تكاليف"، هكذا تصف منور (56 عاماً) وضعها وانعدام بهجة الشهر. وهي التي تسكن برفقة والدتها المريضة التي تضطر لغسل الكلى باستمرار، إلى جانب أربع عائلات أخرى من نفس العائلة في إحدى المقابر الصغيرة التي تعاني ظروفاً إنسانية صعبة وتفتقر لأدنى مقومات الحياة.

بين القبور المتراصة على امتداد الأرض، تتوسط خيمة ابتسام أبو شهلة المقبرة، محاطة بالشواهد من كل جانب. تحاول ابتسام اقتناص فرحة قدوم رمضان بتزيين خيمتها عبر تحويل علب المشروبات الفارغة إلى فوانيس

لا تمتلك هذه العائلات أي عمل أو مصدر دخل يوفر لهم سبل العيش البسيطة، وبالنسبة إلى منور، تكمن طقوسها الدينية في قضائها ساعات من يومها بجوار قبري ابنيها اللذين استشهدا في الحرب، فتسقيهما الماء صباحاً، وتقرأ القرآن ليلاً، ثم تبكي حتى الفجر لتبدأ نهارها برعاية والدتها المريضة وحمل المياه من أماكن بعيدة من المقبرة التي تسكنها.

تتلعثم كلماتها عندما تُسأل عن إفطار أول يوم في رمضان فتجيب بحسرة: "معناش شيء، بنستنى أهل الخير". وكغيرها من سكان المقابر، لم تعد الحياة تعني لها شيئاً، ولم تعد المناسبات تشبه أيامها. بحسب ما تحدثت لرصيف22، فإن المساعدات لا تصل إلى هذه المنطقة المهمشة، حيث "تأكل رصاصات طائشة أكثر من الأطعمة والوجبات المقدمة".

أما خالد (37 عاماً)، فهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، يعاني من إعاقة حركية في قدميه، وهو أب لأربعة أطفال. يستقبل خالد رمضان بطقوس دينية تجمعه بأسرته في ظل خيمة بين القبور، وبين سكون الليل يصدح صوته بتلاوة القرآن وصلاة التراويح إحياءً لشهر رمضان. وأكثر ما يحزن خالد هو مرض زوجته التي تتحمل كل الأعباء الحياتية اليومية عنه. لكن تدهور حالتها الصحية أدى إلى لجوئها أحياناً للمستشفى وأحياناً إلى الطب البديل في محاولات لتخفيف الآلام الناتجة من حمل الماء والطهي على النار وغيرها من المشقات.

"نفرح عندما تمر بنا الجنائز"

بين القبور المتراصة على امتداد الأرض، تتوسط خيمة ابتسام المقبرة، محاطة بالشواهد من كل جانب. تحاول ابتسام اقتناص فرحة قدوم رمضان بتزيين خيمتها عبر تحويل علب المشروبات الفارغة إلى فوانيس، على أمل أن تعيد لأطفالها الثمانية فرحتهم التي سلبتها ظروف الحرب. تقول ابتسام: "أولادي بطّلوا يفرحوا لأي شيء، إلا لما بيجي شهيد جديد على المقبرة"!

تقول ابتسام: "أمير ذو الأربع سنوات يصب الماء على القبور كل حين، ظناً منه أنهم قد يعطشون في طريقهم إلى السماء كما شعر هو بالعطش أثناء النزوح"

ويعاني ابنها (13 عاماً) من آلام شديدة في الظهر، ويشتبه الأطباء بإصابته بانزلاق غضروفي، إضافة إلى حاجته لعملية فتاق بسبب الجهد البدني الذي يبذله بطريقة تفوق عمره في خدمة أسرته ونقل الماء من أماكن بعيدة. وفوق الأسباب الجسدية، هناك حزنه لحرمانه من التعليم والذهاب للمدرسة.

تأسف ابتسام لأن الأفراح غادرت حياتهم، حتى باتت هي وأطفالها يتعاملون مع من بالقبور كأنهم جيران لهم، يتشاركون الحزن والفرح والهموم معاً، ويتمنون لو يشاركهم الموتى وحدتهم تحت الأرض، ويحلقون مع أرواح الراحلين في السماء ليضفوا بعض البهجة على أيامهم.

أما أطفالها الثلاثة دون سن الخامسة، فلا يأبهون لرمضان بقدر ما هم منشغلون بخوفهم من أن الأموات قد يستيقظون ليلاً وفق معتقداتهم الطفولية. تقول ابتسام: "أمير ذو الرابعة يصب الماء على القبور كل حين، ظناً منه أنهم قد يعطشون في طريقهم إلى السماء كما شعر هو بالعطش أثناء النزوح".

ورغم وقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ أشهر عدة، لا تزال العائلات في المقابر، حيث لم يتغير واقعهم. يتعاملون وكأن الحرب لا تزال قائمة، فهي تزورهم كل يوم خلال الخروقات.





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image