يقال إن "للعين رمشٌ يحميها"، لكن الأذن المسكينة ليس لها رمش ينغلق تلقائياً إن دهمها صوت لا يروقها. العين تغمض فوراً إن رأت ما لا يعجبها، أما الأذن فتبقى تحت رحمة اليد، وكأن حاسة السمع في صيغتها الإيجابية هي وظيفة الأذن، أما في صيغتها السلبية فوظيفة اليد.
الأذن مفتوحة دائماً، تلتقط الهمسة بالطريقة ذاتها التي تلتقط بها الضوضاء، وتستقبل الموسيقى بنفس التسليم الذي تستقبل به النشاز، كما أنها لا تستطيع بمفردها أو بإرادتها الخاصة أن تمارس اختيارها، بل هي بحاجة لإصبع أو لكف كاملة، أو حتى لسدّادة شمعية لكي تتقي ما لا تريده.
"الصمت موقف". أما المعتادون على السمع فيستدرجون الكلام رغماً عن أفواه جلسائهم. ألم يقل سقراط: تكلّم حتى أراك؟
الأذن مجبرة، إذاً، لا تمتلك رفاهية الالتفات كالعين، ولا موهبة الاستنشاق كالأنف. لا تتلمّظ كالفم إن أرادت التذوّق، ولا تمتد كاليد حين ترغب باللمس. لعل "سمعاً وطاعة" لم تُقل من فراغ، بل لأن السمع لا ينتقي الأصوات التي يريدها، كما أنه لا يملك القدرة على تأجيل نفسه إلى اللحظة التي يكون فيها مستعداً، حتى لو أراد ذلك، فيطيع.
أقصد من كل هذا أن السمع، على عكس بقية الحواس، حاسّة يقررها الآخرون ولا تخضع دائماً لتحكّم صاحبها. هل هذا استنتاج اعتباطي مني؟ في الغالب هو كذلك. لكن دعونا نفكّر بآلاف الاستنتاجات الراسخة في وجداننا وكأنها حقائق لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من يسارها. خذوا مثلاً مقولة "يمكنك أن تأخذ الحصان إلى النبع لكن لا يمكنك إجباره على الشرب" هل هي حقيقية؟ بالطبع لا.
ففي صغري، كان لدينا في البيت حصان يستخدمه أبي لحراثة الأرض، وقرّرت مرة أن أجرب هذه المقولة، فأمسكت برسن الحصان وحاولت جرّه نحو البركة المتشكّلة من مياه الأمطار على بعد عشرين متراً من البيت، لكن الحصان أحرن وتسمّر في مكانه، مما جعلني أفكر بأنه ربما سمع بهذه المقولة وقرّر أن يفسدها عليّ، أو ربما لم يستسغ أصلاً أن أستخدمه في الحراثة والأمثال معاً.
رفض الحصان أن يكون برهاناً على مقولة، ورفض أن يتحرّك من مكانه لمجرد أن هذه المقولة تقتضي ذلك… هكذا اعتقدتُ في صغري. لكنني حين كبرت، وربما لأنني سلكتُ طريق الشعر والأدب، تغيّرت وجهة نظري تماماً، فصرت أنظر إلى الحادثة من زاوية الرسن الممدود بيننا، وليس من زاوية الشخص الذي يُصدر أوامره وعلى الحصان أن يجيب "سمعاً وطاعة". صحيح أن الرسن يوصل الحصان بيدي، لكنه من زاوية أخرى يوصلني برأس الحصان، فمن يقود الآخر هنا؟ أنا أم هو؟ خصوصاً إذا اتفقنا أن البركة ظلّت على بعد عشرين متراً منا نحن الاثنين.
العناد يكسب إذاً، أو لأكون أكثر دقة، فإن العناد المُعبَّر عنه بالصمت، أو بعدم إصدار الأوامر أو بعدم الانصياع إلى الحِكَم والمقولات يكسب أحياناً، أو كما قال الشاعر البحريني قاسم حداد في جلسة خاصة قبل سنوات، وفي تعليق له على أحداث الثورة السورية: "الصمت موقف". أما المعتادون على السمع فيستدرجون الكلام رغماً عن أفواه جلسائهم. ألم يقل سقراط: تكلّم حتى أراك؟ أما أنا فلا أفعل شيئاً إلا التأرجح بين مقولتين متناقضتين، مقولة صديقي العزيز قاسم، الشاعر الذي باغتني بهذه المقولة الفلسفية العميقة، ومقولة فيلسوفي المفضل سقراط والتي أعتبرها بيتاً من الشعر الصافي.
هذا التأرجح الذي يقود إلى تأرجح آخر يخص السمع؛ هل هو بقرار من الآخرين أم برغبة ذاتية، أي هل الأذن بريئة تماماً ولا تملك إلا أن تكون بوابة لاستقبال الأصوات مهما كانت، أم هي انتقائية تستطيع الاختيار وتمارس نوعاً من خفض نبرة ما لا يعجبها فتزيحه إلى الهامش، ثم تُعلي من نبرة ما يُطربها فتبقيه؟
هذا شأنها على كل حال، أما ما يعنيني هنا، وما ألف وأدور لكي أصله، فهو ما تطلبه الأذن لا ما يصلها. أشياء من قبيل: قل لي ولو كذباً كلاماً ناعماً، قولي أحبك كي تزيد وسامتي، قل لي لماذا اخترتني من بينهم… وعشرات الصيَغ من المطالب التي يقدّمها المستمع لصاحب الصوت، مستدعياً صوتاً معيناً يريده بشدّة في هذه اللحظة بالذات، إما من أجل الاطمئنان، أو من أجل الفرح، أو لإثارة الدهشة، أو حتى لتنييم الأذن وعزلها تماماً عن بقية الأصوات.
ولعل أجمل مثال لهذه المطالب هو البيت الشهير للشاعر أبي نوّاس والذي يقول: ألا فاسقني خمراً وقُل لي: هي الخمرُ… ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ.
ورغم أن معظم كتب التراث التي أوردت هذا البيت، ككتاب الأغاني وكتاب العقد الفريد، وحتى كتب اللغة مثل كتاب "أسرار البلاغة" لعبد القاهر الجرجاني، كلها فسرته أو شرحته وعلّقت عليه استناداً إلى ثنائية الجهر والسريّة، واعتبرت الشاعر مخالفاً للوقار الاجتماعي، وداعياً للمجاهرة باللذة. وأما من أراد إنصافه فقد مدحه كشاعر لا يحب الرياء ولا يُظهر عكس ما يُبطن، رغم كل ذلك إلا أن أحداً لم يتطرّق لجملة: "قل لي هي الخمر" إلا من باب التوكيد اللغوي، وليس من باب رغبة الأذن بالسماع.
لماذا يطلب أبو نواس من الساقي، أو من شريكه في جلسة الشرب، بغض النظر من هو المخاطب هنا، لماذا يطلب منه أن يقول؟ أن يذكر اسم الخمر؟ الإجابة تتعلّق بما تفعله الخمر بالشارب، أي بالسُكر. والسكر هو سكر الحواس أولاً وأخيراً، فحاسة البصر تسكر برؤيا الكأس، وحاسة اللمس تسكر بحملها، والشم بقربها من الأنف، والتذوّق بارتشافها. أما حاسة السمع فلا شيء يُسكرها في كل عملية الشرب.
الحصان وأبا نوّاس استحوذا على الجزء الأكبر منه، ولم يتركا لي مجالاً للاستطراد. الأول أقنعني أن الرسن في اليد لا يعني القيادة بالضرورة، والثاني ألهمني أن السُكر أحياناً أجدى، وهما معاً يستحقان مقالاً لا ينتهي بحكمة مفيدة بل "بصحتكم" أو بصمت مفاجئ
وعندما لا تسكر حاسة السمع، فالسكر سيكون ناقصاً، لذا لا بد من إشباع حاجتها ورغبتها بالمشاركة. لهذا السبب فإن أهم طقوس احتساء الكحول هو قرع الكؤوس بين الندماء وقول كلمات من قبيل "بصحتك" والتي لا تقال عادة عند شرب عصير البرتقال أو عصير الجوافة، مع أن الله سيستجيب أسهل لدعاء الصحة إن كان مرافقاً لعصير صحي لا لكحول مُسكر.
لهذا، فأنا أعتقد أن الذي يخاطبه أبو نواس بهذا البيت غالباً رجل لا يشرب، أو نادل لا يستطيع ترك عمله خلف البار ليجلس معه ويشاركه المتعة، فقال له بصراحة: ما دمت لن تشرب معي ولن تقرع كأسك بكأسي، فعلى الأقل قل شيئاً يجعل حاسة السمع خاصتي تشارك أخواتها في السكر.
إذاً، كلمة واحدة هي ما يلزم لتكون حالة السكر كاملة غير منقوصة، وربما جماعية أيضاً، كلمة أو قرع كأس، أو صوت طبل، أو أزيز رصاصة... شيء بسيط يجعل الأذن ترضى ويجعل صاحبها يسقط مغشياً عليه آخر الليل أو آخر المعركة. هكذا كنت أنوي أن أختم هذا النص، والخاتمة لا تكون مقنعة إن لم يؤسَس لها جيداً، لكن الحصان وأبا نوّاس استحوذا على الجزء الأكبر منه، ولم يتركا لي مجالاً للاستطراد.
الأول أقنعني أن الرسن في اليد لا يعني القيادة بالضرورة، والثاني ألهمني أن السُكر أحياناً أجدى، وهما معاً يستحقان مقالاً لا ينتهي بحكمة مفيدة بل "بصحتكم" أو بصمت مفاجئ.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
