"الكتابة التي هجرتني"… عن الصمت ومحاولة العودة

مدونة نحن والحرية

الجمعة 6 فبراير 20265 دقائق للقراءة

اخترت الكتابة لأدوّن فكرة كانت ستمرّ من دون انتباه مني في طابور الأفكار المتجهة إلى حتفها، وبدلاً من أن أحكي فكرة واحدة باستفاضة، بوسع الكتابة أن تحكي كل الأفكار.

الفرق بين الحديث عن الكتابة والكتابة نفسها، أن الأولى تثير إعجاب الآخرين، فيما تثير الثانية إعجابي بنفسي، ولا أحد يعرف، سوى الكتّاب/ات، كم هي حزينة فكرة أن أحاول إثارة إعجاب الآخرين عوضاً من نفسي، قمة الإجحاف والإفلاس.

بين اعتياد الكتابة وأعذار الانقطاع
من الصعب أن أنقطع عن الكتابة بعد سنوات من الكتابة المستمرة، وبعد شرود متكرر في البحث عن مواضيع جديدة، وأحاديث طويلة عن التقارير، ومقالات الرأي، والمدونة، كانت تلك المرة الأولى التي تمرّ فيها شهور من دون أن أراسل المنصة التي اعتدت النشر فيها، ما أشعرني بفقدان ملاذ آمن لأفكاري.

سألت نفسي مراراً عن الحاجز الذي يقف بيني وبين المنصة لتقديم مقترح جديد كما كنت أفعل في السابق، ولم أجد إجابة مقنعة، تُهت بين أعذار واهية أقدمها لنفسي ككاتبة، وأعذار أكثر منطقية تتعلق بالانشغال وضيق الوقت والأمومة وملفها المكتظ، وانعدام الرغبة في الكتابة أصلاً، لكن الجملة الأخيرة كاذبة بالمطلق لأن الكتابة تركتني ولم أتركها، هجرتني لقلة إخلاصي لها وابتعادي عن "الآن" الذي بوسعي أن أجري فيه تغييراً إذا قررت إسكات كل الأصوات والاستماع لذلك الصوت الخفيض في رأسي، وما الكتابة سوى الانهماك في اللحظة والانشغال ذهنياً عمّا قبلها وما بعدها.

لا شك في أن كثرة المواضيع الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تحدث تُربك الكاتب/ة وتشعره/ا بالتردد في اختيار الأنسب منها للكتابة، علاوة على ذلك هناك دوماً من هو/هي أنشط كتابياً وأسرع في التقاط المواضيع التي لا تحتمل التأجيل، لذا تسيح أفكاري ولا يُكتب منها شيء.

غيرة مبررة ومتجددة

الكتابة الجيدة تثير غيرتي وتدفعني إلى تجربة صوتي من جديد. أُفلح أحياناً وأفشل أحياناً أخرى، فتكون مجرد غيرة عابرة، لكن أخيراً صرت أغار من الكتابة بأي شكل كانت.

الكتابة تركتني ولم أتركها، هجرتني لقلة إخلاصي لها وابتعادي عن "الآن" الذي بوسعي أن أجري فيه تغييراً إذا قررت إسكات كل الأصوات والاستماع لذلك الصوت الخفيض في رأسي

يُحسب للمنصات الثقافية، والنسوية خصوصاً، قدرتها على الترويج للمواد المتنوعة في حساباتها بمواقع التواصل الاجتماعي، بحسب طبيعة المادة واهتمام الفئة المستهدفة، والغيرة التي أتحدث عنها جاءت من مكانين: الأول أنني اختبرت السعادة التي تغمرني حين يصلني إشعار بإشارة إلى صفحتي حين ينتشر مقطع من قصيدة أو مقال لي، والتاني أن المحتوى الكتابي بات اليوم ينتشر بكثافة على إنستغرام.

بعض الشاعرات مثلاً يعملن بشكل فردي، تنشر إحداهنّ على حسابها الشخصي مقطعاً قصيراً من قصيدة ما مرفقاً بتصميم لافت وموسيقى مناسبة، أما أنا فأقف متفرّجة، أرشّ قلوب الحب الحمراء للجميع، ثم أغلق التطبيق، تهزمني الغيرة ويتبعها الغضب، أين كتابتي من كل هذا؟ا
صمت طويل بين كتابة وأخرى

يحدث الصمت في الكتابة، من دون شك، لكني أجهل كيفية التعامل معه، فقد وجدت علاقة بين الصمت الكتابي والأمومة، كأن الأخيرة فرضت صوتاً أعلى من كل الأصوات الأخرى في حياتي، وسلبت مني بديهتي التي كانت حاضرة في النبش في الأفكار والعوالم داخلي ومن حولي، ولأنني لم أختبر الصمت الكتابي قبل الأمومة، بدا لي أنني علقّته على شماعتها.

من جانب آخر، الصمت يعني انعدام أهمية القول، إن كان موجوداً أصلاً. لن أدعي أنني حبست ما يمكن أن يقال أو منعته، لقد كان صمتاً حقيقياً حدث وأريده أن ينتهي.

لم يكن بوسعي اختيار موضوع ثقافي أو شخصي أعود من خلاله للكتابة، وكانت الأشهر الماضية ثقيلة لأنني فقدت قدرتي على الاتصال مع الكتابة كفعل مجرد وشخصيّ جداً، وما أحتاجه اليوم هو أن أذكّر نفسي بأن الأمكنة الافتراضية التي لجأت إليها لا تقل أهمية عن الأمكنة في واقعي الملموس، وأن حادث السير الكتابي الذي تعرّضت له ألحق الضرر بكل ما جربت الكتابة فيه: الشعر، الصحافة، والسرد.

صار الاعتراف بذلك واجباً، لعلّي أجد طريقاً للتعافي والعودة إلى حالة تمتزج فيها العفوية بالاندفاع والرغبة في الكتابة والتجريب، واقتناص الفرصة للتدخل في النقاشات العامة عبر الكتابة عن موضوع يشغل الرأي العام ويدفع الجميع للقراءة، كما اعتدت أن أفعل دائماً. أما بالنسبة إلى الشعر، فقد اعتدت دلاله وبطأه في المجيء وأعرف أنه في طريقه إليّ.

ما أفعله الآن يشبه عودتي لشلّة صديقات اعتدت الخروج برفقتهنّ كل خميس: نسهر ونضحك ونفكّر ونبكي، ثم نعود إلى البيت، لكنني لسبب ما ابتعدت عنهن وأطفأت هاتفي وأعدت تشغيله يوم الخميس، علَّ وعسى أن تعود الأمور إلى مجاريها.

الكتابة والجنون

ليس ثمة فرق كبير بين المجانين والكتّاب، لحظة الانزلاق من الوعي إلى اللاوعي هي ذاتها لحظة التزحلق نحو قول الشيء كما هو، من دون زخرفة، وهذا ما حدث هنا.

في الكتابة فقط، تكون العودة في كل مرة أجمل من سابقتها، فهي علاقة تزداد شغفاً ولهفة مع الزمن

حاولت مراراً أن أكتب عن نفسي بمنأى عن الحقيقة وبطريقة تشبه قص الفروع الزائدة من النبات وتهذيب شكله، لكنني فشلت ولا بأس، فأنا، بشكل أو بآخر، أدرب نفسي على العودة من كل الأماكن الموحشة إلى الكتابة، ومن كل الطرقات المظلمة والباردة إلى دفء الشعور لحظة تدفّق الأفكار، ومن كل المخاوف والهواجس والارتياب والشك إلى طمأنينة تفرض نفسها حين تُزيّن النقطة آخر النص.

في الكتابة فقط، تكون العودة في كل مرة أجمل من سابقتها، فهي علاقة تزداد شغفاً ولهفة مع الزمن. إنها فعل لا يمكن إسكاته بالمشي ولا بالجلوس مع من نحبهم من البشر، ولا حتى الاختلاء بالنفس. وهنا تكمن المعجزة.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image