لم يكن رمضان في القاهرة مجرد شهر اعتيادي يمرّ بهدوء في دفاتر الرحّالة الأجانب، بل كان تجربة صادمة بالمعنى الثقافي للكلمة. صدمة ناتجة عن انقلاب الزمن، وتبدّل إيقاع المدينة، وتحول الشارع من فضاء اقتصادي إلى مسرح مفتوح للطقوس والشعائر التي اعتادت أن تدمج الديني بالاجتماعي، والإلهي بالبشري. لهذا لم يكتب الرحّالة عن رمضان باعتباره شعيرة دينية فحسب، بل باعتباره نظاماً اجتماعياً كاملاً، وكرنفالاً سنوياً يعيد ترتيب ثنائيات اليوم والليل، والجسد والروح، والسلطة والدين. في هذا المقال، نلقي الضوء على ملاحظات بعض الرحالة الأوروبيين الذين زاروا القاهرة ووصفوا تقاليد المصريين في شهر رمضان، لنرى كيف تعامل هؤلاء مع الشعائر الرمضانية التي كانت غريبة عن ثقافتهم الأصيلة.
استطلاع الهلال… حين تنتظر السلطة إشارة السماء
شدّ طقس رؤية الهلال انتباه معظم الرحّالة الذين زاروا القاهرة منذ القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر، لا بسبب طابعه الديني فقط، بل لأن الدولة نفسها بدت وكأنها تنتظر إشارة سماوية لتعلن بدء الزمن الجديد.
في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، زار الرحالة الإنكليزي إدوارد وليم لاين القاهرة، ووصف ما رآه في كتابه الشهير "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم". في بداية تناوله للتقاليد المتبعة في شهر رمضان، وصف الرحالة الإنكليزي مشهد الخروج إلى الصحراء القابعة على أطراف المدينة، طلباً لرؤية الهلال الوليد، فقال: "وينطلق المحتسب وشيوخ بعض التجارات المختلفة (الخبازون والطحانون والجزارون وبائعو اللحم والزياتون والخضرجيون) ولفيف من أعضاء هذه التجارات وفرق المزيكاتيين -الموسيقيين- والفقراء يرأسهم الجنود في هذه الليلة في موكب من القلعة إلى محكمة القاضي وينتظرون عودة أحد الأشخاص الذي ذهب للرؤيا أو شهادة مسلم آخر رأى القمر هلالاً ويحتشد الناس في الشوارع التي يمرون بها وجرت العادة أن تنضم إلى الموكب طائفة من الجياد المغطاة أسرجتها بشكل مزركش".
كتب الرحّالة عن رمضان كما يكتب المرء عن مدينة تتغير فجأة؛ تصوم نهاراً وتستعيد حياتها كلها مع أول أذان مغرب
اللافت في كلام لين أنه لم يقم بتوصيف الحدث باعتباره احتفالاً دينياً فقط، بل بوصفه مسرحاً عاماً، تشترك فيه السلطة والناس، السماء والأرض؛ ما يتأكد في شهادته التالية: "وبعد أن يصل الخبر اليقين بأنه تمت رؤية القمر إلى محكمة القاضي ينقسم الجنود والمحتشدون فرقاً عديدة ويعود فريق منهم إلى القلعة بينما تطوف الفرق الأخرى في أحياء مختلفة في المدينة تهتف: 'يا أتباع أفضل خلق الله! صوموا صوموا'. وإذا لم يروا القمر في تلك الليلة، يصرخ المنادي: 'بكرة شعبان، ما فيش صيام، ما فيش صيام'، ويمضي المصريون ردحاً كبيراً من تلك الليلة يأكلون ويشربون ويدخنون وترتسم البهجة على وجوههم كما لو أنهم يتحررون من شقاء يوم صوم… وتتلألأ الجوامع أنواراً كما في الليالي المتعاقبة وتعلق المصابيح عند مداخلها وفوق المآذن".
المهندس والجغرافي الفرنسي إدم فرنسوا جومار، الذي صاحب الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 وصف الاحتفال نفسه تقريباً في كتابه "وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل"، إذ كتب: "ويبدأ رمضان مع ميلاد هلال هذا الشهر ويُعلن عن ذلك موكب احتفالي يسبق بداية الشهر بيومين. ويتكون هذا الموكب من حشد كبير من الرجال يحمل بعضهم المشاعل وبعضهم الآخر يحمل عصيّاً يقومون بأداء حركات مختلفة بها. ويفتتح سير الموكب آلاتية -العازفون- يمتطون ظهور الجمال يضربون كوساً معدنية، بينما يمتطي آلاتية آخرون ظهور الحمير ويضربون كذلك على الطبل أو يعزفون على بعض آلات النفخ الأكثر صخباً والتي يمكن أن نتصورها. ويأتي بعد ذلك رجال يرتدون لباساً أحمر وعلى رؤوسهم قلنسوات عالية متصل بها ثوب أبيض فضفاض يسقط على الظهر، ومقدمة القلنسوة مزينة بالنحاس، وهو لباس مشابه للباس الإنكشارية؛ ويختم الموكب شيوخ ممتطين صهوة خيول مجللة بفخامة".
توضح الأوصاف السابقة الأهمية الكبيرة التي مثلتها شعيرة استطلاع الهلال في الوجدان الجمعي المصري في تلك الفترة التاريخية. فالهلال هنا ليس مجرد أداة حساب، بل علامة إلهية لدخول الجماعة في زمن مشترك، ما يتوافق مع روح الشعائر التعبدية الإسلامية التي تتم ممارستها بشكل جماعي.
نهار رمضان… مدينة تمشي على مهل
أكثر ما أدهش الرحّالة في القاهرة هو النهار الرمضاني؛ مدينة كبرى، كانت توصف دائماً بالصخب، بدت لهم وكأنها تخفّف صوتها عمداً. الأسواق أقل ضجيجاً، الحركة أبطأ، والوجوه أكثر تحفظاً.
يكتب لين واصفاً سوء الحالة المزاجية للصائمين في نهار رمضان: "وتكتسي الشوارع نهاراً منظراً كئيباً وتغلق معظم المحلات أبوابها… ويكون المسلمون طوال صيامهم نهاراً نكدي المزاج".
الأمر ذاته، كتب عنه الرحالة الأيرلندي رتشارد ف. بيرتون في كتابه "رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز"، وذلك عندما زار القاهرة في منتصف القرن التاسع عشر. كتب بيرتون: "هذا الشهر الفضيل يجعل المسلمين غلاظ الطباع غير متسمين بالملطف، وذلك بسبب الامتناع عن الطعام والشراب والتدخين واستنشاق السعوط (النشوق)". ويتابع الرحالة الأيرلندي عبر صفحات كتابه فيسهب في الحديث عن مظاهر العنف التي يكتسي بها نهار القاهرة طوال شهر رمضان؛ فالرجال يتلاعنون ويضربون النساء، والنساء بدورهن يسئن معاملة الأطفال، أما الأطفال فيفرغون طاقتهم السلبية في التعامل بقسوة مع الكلاب والقطط.
ليالي رمضان… حين تستعيد القاهرة روحها
إذا كان النهار زمن الإمساك عن الطعام والشراب وما يرتبط بذلك من كسل وفتور وسوء أخلاق، فإن الليل هو زمن الانفجار الاجتماعي. هنا تتحول القاهرة، في وصف الرحّالة، إلى مدينة لا تنام. الأضواء، الفوانيس، الأصوات، حلقات الذكر، المقاهي، كلها عناصر شكّلت ما يشبه كرنفالاً ليلياً ذا طابع ديني-اجتماعي مميز.
يتحدث بيرتون عن القاهرة مع قرب وقت المغرب، فيصفها "وكأنها أفاقت من غشيتها". كما أن الناس تبدأ في ترقب ما سماه بـ"ساعة الخلاص". الأمر ذاته الذي أكده الرحالة الفرنسي جومار عندما ذكر أن تعب الصيام "يتبعه استمتاع كاف يساعد على نسيان هذا الحرمان".
يفصل جومار الطقوس التي يؤديها الصائمون عقب تناولهم لطعام الإفطار. فيقول إنهم: "يرتدون الملابس الجميلة، ويجتمعون مع بعضهم البعض، ويأكلون الحلوى اللذيذة"، وينتشر حشد هائل من الناس في الشوارع، "وينشد رجال بصوت عال ابتهالات دينية تصحبها أصوات ناشرة للطبل والمزمار". فضلاً عن ذلك، تعود الأسواق والمحال التجارية لنشاطها المعهود، وتتحسن أمزجة الناس لتعلو أصوات الضحكات في كل مكان.
المسحراتي… صوت الجماعة في قلب الليل
من بين كل مظاهر رمضان، ربما كان المسحراتي هو المظهر الأكثر إثارة لفضول الرحّالة. هذا الرجل، الذي يجوب الشوارع ليلاً بطبلته وعصاه، بدا لهم ككائن خارج الزمن الحديث.
يذكر الموسيقي الفرنسي جيوم أندريه فيوتو، والذي صاحب الحملة الفرنسية على مصر في كتابه "الموسيقى والغناء عند المصريين المحدثين" أن المسحراتي اعتاد أن يدق بعصاه على الطبلة التي يحملها، بينما يتجول في الأزقة والشوارع التابعة لنطاق نفوذه، ولا يتوقف إلا أمام بيوت أولئك الذين يتوسم فيهم أنهم سيجزلون له العطاء مكافأةً له، فينادي عليهم بأسمائهم، ويطلق العنان للسانه في مدحهم، وبعد أن يتلو بعض الأدعية، يقوم بإنشاد بعض القصص الشعرية.
أيضاً، التفت الرحالة الأوربيون لبعض السمات التي استأثرت بها وظيفة المسحراتي في المجتمع المصري، والتي استحوذت على قدر كبير من دهشتهم واستغرابهم. من أهم تلك السمات الحرية الكبيرة التي تمتع بها المسحراتي في دخول البيوت. يذكر فيوتو أن المسحراتي كان بوسعه أن "ينفذ إلى عتبة الحريم، وأن ينشد بعض أشعار رقيقة لا تخلو من غزل". بينما يؤكد لاين أن المسحراتي كان يتعامل مباشرةً مع نساء الطبقة المتوسطة. وأن الكثير من النساء اعتدن على وضع بعض العملات الفضية في قطع من الورق "وترميها من النافذة إلى المسحراتي بعد أن تكون أضرمت النار في الورقة حتى يرى مكان وقوعها. فيتلو المسحراتي حسب رغبتها أو بملء إرادته سورة الفاتحة ويخبرها قصة قصيرة غير موزونة القافية ليسليها، كقصة 'الضرتين' وشجارهما. وتبعد بعض قصصه عن باب اللياقة والاحتشام".
رمضان في القاهرة لم يكن طقسًا دينيًا فحسب، بل زمنًا مختلفًا يعيد ترتيب إيقاع المدينة بين نهارٍ صامت وليالٍ لا تنام
هكذا، رأى الرحالة في وظيفة المسحراتي تناقضاً صارخاً بين صورتين، حملت أولاهما معاني التدين والعبادة والتقديس، أما الثانية فقد مالت إلى التحرر والتباسط وكسر الجدار العازل بين الجنسين. ما فات هؤلاء أن المسحراتي -بوظيفته التي تجمع بين الديني والدنيوي في آن- لم يكن فرداً معزولاً، بل ذاكرة متحركة للحي. هو يعرف الناس لأنهم يعرفونه، ولأنه جزء من شبكة اجتماعية متماسكة، وشديدة التعقيد. من هنا، فإن صوته ليس مجرد منبه، بل تأكيد ليلي على أن الجماعة مستيقظة، وأنها مستعدة لممارسة نفس الطقوس في نفس الوقت. من جهة أخرى، كان المسحراتي يمارس -إلى حد ما- دور الراوي القصاص الذي اعتاد الرجال على الإنصات لحكاياته بشغف في المقاهي العامة. ولكن -وعلى عكس القصاص- كان المسحراتي هو الذي يذهب للنساء في البيوت، ليمنحهن حظهن من التسلية التي تُنسيهن مشقة الصيام.
ليلة القدر… البحث عن المعنى لا عن العلامة
في العشر الأواخر من رمضان، رصد الرحّالة تصاعداً واضحاً في التوتر الروحي؛ المساجد تمتلئ، السهر يطول، والناس يبحثون عن ليلة القدر. يذكر لاين، في كتابه سابق الذكر، أن ليلة القدر تمتعت بأهمية كبيرة بين المصريين؛ فهي خير من ألف شهر، وتتنزل الملائكة فيها على الأرض، وتفتح فيها أبواب السماء لدعاء المؤمنين ولصلواتهم المتضرعة حسب معتقداتهم.
في السياق نفسه، ذكر لاين بعض المعتقدات الشعبية الشائعة بين المصريين بخصوص تمييز ليلة القدر، ومنها أن الماء المالح يتحول إلى ماء حلو في تلك الليلة؛ من هنا لم يكن من الغريب "أن يقضي بعض الأتقياء الذين لا يستطيعون التأكيد أي من الليالي العشر في رمضان هي ليلة القدر هذه الليالي بخشوع كبير ويجعلون أمامهم وعاءً فيه ماء مالح يذوقون طعمه ليروا إن بات حلو المذاق فيتأكدون أن تلك الليلة ليلة القدر".
ما الذي رآه الرحّالة وما الذي لم يروه؟
كتب الرحّالة عن رمضان في القاهرة كثيراً، لكنهم كتبوا من موقع المراقب الخارجي، لا من موقع المشارك. رأوا الطقوس، لكنهم لم يعيشوا الزمن. وصفوا المظاهر، لكنهم لم يلمسوا المعاني.
رمضان، كما تكشفه هذه النصوص، ليس مجرد شهر ديني، بل بنية اجتماعية كاملة، تعيد تشكيل المدينة، وتؤجل الصراع، وتمنح الناس فرصة سنوية لإعادة تعريف أنفسهم. وربما كانت أكبر مفارقة في نصوص الرحّالة، أنهم، وهم يكتبون عن الآخر، كشفوا دون قصد عن عجز عينهم عن فهم الجماعة. فالقاهرة في رمضان لا تُفهم بالوصف، بل بالمعايشة. ومن لم يصم مع الناس، ولم ينتظر الهلال معهم، ولم يسمع المسحراتي باسمه، سيظل يرى رمضان دون أن يعيشه حقاً.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
