شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
من حبّ الشرق وإيران إلى الأفيون والدّروَشة… المستشرق إدوارد براون

من حبّ الشرق وإيران إلى الأفيون والدّروَشة… المستشرق إدوارد براون

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

المستشرق البريطاني إدوارد براون (1862-1926)، هو مستشرق محب للثقافة الإيرانية، ساهم بشكل كبير في تعريف الثقافة والأدب الإيرانيَين المعاصرَين للغرب، وحقق شهرةً واسعةً بفضل إبداعاته المتألقة مثل "تاريخ الأدب الإيراني"، و"الثورة الدستورية"، بين المستشرقين في الغرب. لكن ما ميّزه عن جميع الخبراء في شؤون إيران والمستشرقين السابقين واللاحقين، هو حبه للأفيون وتعاطيه إياه، وتالياً قصة تعافيه من الإدمان.

طبيب في عائلة تصنع السفن

وُلد إدوارد براون، في 7 شباط/فبراير 1862، في جنوب إنكلترا. كان والده رجلاً ثرياً وصاحب مصنعٍ لبناء السفن، وكانت أمنيته أن يصبح ابنه إدوارد مهندساً كبيراً، ليعمل في مهنتهم العائلية الخاصة، ولكن إدوارد أبدى اهتماماً بالطب وبدأ يدرسه في جامعة كامبريدج عام 1879، وبجانب دراسته قضى وقته في تعلم اللغة الفارسية والتحدث إلى أصدقائه الإيرانيين.

إدوارد براون

كان اهتمام إدوارد براون بالشرق الأوسط يعود إلى سن الخامسة عشرة، عندما سمع باندلاع الحرب بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية، وفي تلك الأثناء بدأ بدراسة الثقافة التركية والعربية والإيرانية، فتعلم أولاً اللغة التركية ثم الفارسية، وفي ما بعد العربية. كان إدوارد لا يهتم بدراسة اللغويات، إذ كانت طريقته في تعلّم اللغات عمليةً وغير أكاديمية، أي قراءة النصوص التي يمكن العثور عليها، والتشاور مع الخبراء، والتفاعل مع أولئك الذين يتحدثون التركية أو العربية أو الفارسية بوصفها لغتهم الأم.

ساهم المستشرق البريطاني إدوارد براون بشكل كبير في تعريف الثقافة والأدب الإيرانيين المعاصرين للغرب، لكن ما ميّزه عن جميع الخبراء في شؤون إيران والمستشرقين السابقين واللاحقين، هو حبه للأفيون وتعاطيه إياه

بعد تخرجه من كلية كامبريدج في عام 1882، أقنعه والده بأن يتابع دراسته الطبية، وفي مقابل ذلك، أرسله في رحلة صيفية إلى إسطنبول. بعد هذه السفرة وعودته إلى بريطانيا عام 1888، قضى حياته في جامعة كامبريدج، وبدأ بتدريس اللغة الفارسية فيها، ولم يكن فيها قبله فرع لتعليم هذه اللغة، فأصبح أول أستاذ للّغة فارسية في هذه الجامعة، ومنذ عام 1902 حتى وفاته عمل في تعليم اللغة العربية.

الطبيب الذي أصبح من الفقراء... الحاجي بيرْزاده وإدوارد براون

أحد الإيرانيين الذين التقى بهم براون في لندن، كان الدرويش حاجي بيرزاده، وعلى ما يبدو فإن براون كان قد أصبح صديقاً له، بهدف تطوير لغته الفارسية، لكن هذه الصداقة كان لها تأثير أكبر عليه. عام 1885، في لندن، التقى براون بالحاجي بيرزاده، الذي كان من الحكماء والمفكرين المشهورين في عهد القاجاريين، وبعدما توسعت صداقتهما، حصل براون على لقب "مظهر علي" من بيرزاده وأصبح درويشاً أيضاً، والدراويش في إيران هُم شيعة يعتقدون أن "الحب" أعلى من "الشريعة"، وأن على كل مؤمن الترويج للحب، وإدوارد الذي أحب هذا النهج، بات يستخدم اسمه الدرويشي الجديد في لقاءاته مع الإيرانيين.

كان إدوارد براون يرى حاجي بيرزاده، مرشداً لطريقه وطريقته، وصندوق الأسرار الحقيقية. ولكن من هو حاجي بيرزاده؟

صورة لإدوارد براون في إيران

محمد علي بيرزاده النائيني، المعروف اختصاراً بالحاجي بيرزاده النائيني، كان من الحكماء المستنيرين والشهيرين في عهد القاجاريين، قضى 16 عاماً في رحلتين طويلتين إلى الغرب، حيث كانت هناك فرصة للإيرانيين القلائل الذين كانوا أغنياء بما فيه الكفاية، والذين كانوا ملمّين بما يكفي من المعرفة باللغات الأجنبية، وكانوا متحمسين لاستكشاف الثقافات الأخرى.

بدأت رحلة بيرزاده الأولى إلى أوروبا في عام 1867، واستغرقت 13 عاماً. تمت الرحلة بعد إقامته الأولى في طهران ومن ثم انتقل إلى الدولة العثمانية، وأقام لفترة في مدينة إسطنبول. بعد ذلك ذهب لزيارة مكة المكرمة وأداء مناسك الحج، وعند عودته أصبح معروفاً باسم الحاجي بيرزاده، وفي نهاية تلك الرحلة، عاد بيرزاده إلى إيران عبر سوريا والقدس، وتزوج في طهران. بدأ حاجي بيرزاده رحلته الثانية في عام 1886، واستمرت لمدة 3 سنوات. وفي هذه الرحلة، مر بيرزاده بمدن بوشهر وبومباي والإسكندرية وباريس، وصولاً إلى لندن، حيث كان ضيفاً لدى ميرزا ملكم ‌خان ناظم ‌الدولة، سفير إيران في بريطانيا العظمى آنذاك، والذي قدمه للشخصيات السياسية البريطانية مثل رئيس الوزراء في تلك الفترة "ويليام يويرت غلادستون" و"إدوارد براون".

عام وسط الإيرانيين

تَعرُّف براون إلى بیرزاده، لم يؤدِ إلى معرفة المزيد عن إيران فحسب، بل طلب براون انضمامه إلى وزارة الخارجية البريطانية، وتمت الموافقة على اقتراحه، وأُرسل إلى طهران كقنصل في السفارة البريطانية لمدة عام، وبهذه الطريقة، قام إدوارد براون برحلة إلى إيران في عام 1888، وخلال هذا العام زار مدناً إيرانيةً عدة مثل يزد وكرمان وطهران. كما كرّس إدوارد براون وقته لدراسة اللغة الفارسية والتعرف على الأدب القديم الإيراني، وألمّ إلماماً تاماً بهذه اللغة، خلال هذا العام الوحيد الذي قضاه هناك، حيث أصبح على دراية كاملة بالثقافة والأدب والأساطير والعادات والتقاليد الإيرانية وأسلوب حياة الإيرانيين. كتابه "عام وسط الإيرانيين" يعكس تجاربه التي عاشها خلال هذه الفترة.

 قام إدوارد براون برحلة إلى إيران في عام 1888، وخلال هذا العام زار مدناً إيرانيةً عدة مثل يزد وكرمان وطهران. كما كرّس إدوارد براون وقته لدراسة اللغة الفارسية والتعرف على الأدب القديم الإيراني. 

تحدث إدوارد براون في هذا الكتاب عن رحلته إلى إيران، والأحداث التي شهدها خلال وجوده هناك، والأشخاص والمسؤولين الذين التقاهم، ومسار عودته إلى وطنه. كان هدف براون من هذه الرحلة الدراسة والبحث، كما اهتم بالتعرف على ديانة "الباب" في إيران. لهذا السبب، كان يبحث عن فرص للحديث مع أتباع هذه الديانة، وقد سجّل حواراته مع أتباع ديانة الباب والبهائية في مختلف أنحاء إيران.

وقام براون أيضاً خلال هذه الرحلة بشراء كتب الديانة البهائية وأخذها معه إلى كامبريدج وقام بترجمة بعضها إلى الإنكليزية وكتابة مقالات مفصلة حول هذا الدين، واليوم تُعدّ مكتبة كامبريدج الأكثر شموليةً لمؤلفات الباب والبهائيين.

يرى البعض البهائية ديانةً توحيديةً إبراهيميةً إيرانيةً، أسسها حسين علي نوري، الملقب ببهاء الله، في القرن التاسع عشر، ويعتقد البهائيون أن الأنبياء يندمجون من خلال "ظهور تدريجي للوحي"، ويقدّم الله تعالى تعاليمه تدريجياً وفقاً لظروف الزمان وقدرة الإنسان على الفهم، ومن هذا المنطلق، تعدّ أن الأديان تتطوّر تدريجياً، والأديان الجديدة تكون نهاية الأديان السابقة. البهائيون يعتقدون أن بهاء الله (1817-1892)، هو آخر المرسلين من قبل الله في سلسلة الأنبياء.

سِفر إدوارد براون، يتألف من 18 فصلاً ضمّنها وصفاً للحياة الروحية والجوانب الثقافية والاجتماعية للإيرانيين/ ات في عهد القاجاريين، كما قدّم صورةً واضحةً عن إيران في أواخر القرن التاسع عشر.

إدوارد براون والأفيون

يشير براون في جزء من سفره، إلى إدمانه على الأفيون في كرمان وسط إيران، حيث أصيب بآلام في عينه في أثناء رحلته إلى هذه المدينة، وعلى الرغم من أنه كان طبيباً، إلا أنه لم يستطع معالجة نفسه، ولهذا السبب اقترح رفاقه في كرمان عليه تجربة الأفيون، وبتعاطي الأفيون زال ألمه وتحسّن فوراً، وبعد ذلك، أصبح تعاطيه الأفيون مستمراً ويومياً وأصبح مدمناً عليه.

يشير براون في جزء من سفره، إلى إدمانه على الأفيون في كرمان وسط إيران، حيث أصيب بآلام في عينه في أثناء رحلته إلى هذه المدينة، وعلى الرغم من أنه كان طبيباً، إلا أنه لم يستطع معالجة نفسه، ولهذا السبب اقترح رفاقه في كرمان عليه تجربة الأفيون

وهنا وجد براون نفسه مدمناً، وأنه من الواجب عليه أن يجد طريقةً للعلاج من هذا الإدمان. يكتب: "هذا هو الأفيون، يمكنك استخدامه بين الحين والآخر وبفواصل طويلة دون أي أعراض جانبية، ويمكنك تعاطيه يومياً لبضعة أيام ومن ثم تركه من دون أي مشكلة. ثم، بعد بضعة أيام، كرر هذا المشهد واتركه مرةً أخرى من دون أي مشكلة، وبعد إعادة هذه الكرّة مرات عدة، ستدرك أنك لن تكون قادراً على عدم تعاطيه، وأن سلاسل الإدمان قد تلتف حول يديك وقدميك ولن تتمكن ربما من التحرر منها، وأنا أيضاً أصبحت أسيراً لهذه السلاسل".

وبالطبع، جرّب براون أيضاً الحشيش بعد الأفيون، لأن استهلاكه كان شائعاً في إيران في تلك الفترة. ومع ذلك، وجد براون حلاً لترك الأفيون، إذ يوضح في كتابه هذا تلك الطريقة، على النحو التالي: "خطة التخلص من الإدمان كنت قد رسمتها استناداً إلى المشاهدة والتفكير في أن تعاطي الأفيون في الواقع ليس خطيراً كثيراً، بل الخطر الرئيسي هو تعاطيه بانتظام وفي وقت محدد... كنت قد أدمنت على تعاطي الأفيون بانتظام بعد تناول العشاء، لذلك دائماً كانت تغمرني ذروة لا يمكن وصفها من الهوس ولم تكن هناك سوى وسيلة واحدة للتخلص منها، وهي تعاطي المخدرات، لذلك وبرأيي، كانت الخطوة الأولى للتخلص من الإدمان تغيير الوقت المحدد وتدريج تمديد الفترة، وأصبحت بدلاً من أن أنتظر فترة ما بعد العشاء، أقوم بتعاطي كمية قليلة من الأفيون بينما أشرب الشاي بعد الظهر، وبعد ذلك صبرت حتى حلّ الفجر وبهذه الطريقة قللت المدة بين المرتين من 24 ساعةً إلى 36 ساعةً.

وفي اليوم الثالث، بقيت مستيقظاً حتى الصباح الباكر وتعاطيت القليل قبل النوم، ونجحت في التغلب على الهوس قبل النوم، وفي اليوم الخامس لم أتعاطَ حتى وقت متأخر من الظهر، وبهذا النحو أطلقت مدةً زمنيةً أطول بين المرتين وصلت إلى 40 ساعةً. وبهذه الطريقة، استطعت تحرير نفسي من عبودية الإدمان، وبالتأكيد الطرائق الأخرى كانت صعبةً بشكل كبير".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard