تحمل بداية فصل الخريف من كل عام مناسبة مهمة للمزارعين وعائلاتهم في مختلف القرى الأردنية مع حدث لا يُنظر إليه كحدث زراعي بحت وإنما كحدث اجتماعي شامل يعكس العلاقة الأصيلة للإنسان بأرضه، وعلاقة العائلات بعضها ببعض، حيث تتحوّل حقول الزيتون في أيام قِطافه -أو كما يطلق عليها محلياً "تلقيط" أو "فراط" الزيتون- إلى ساحات للعمل الجماعي الدؤوب، وصنع الذكريات المشتركة، وتجديد روابط المجتمع، بالرغم من كل التغيّرات التي طرأت على حياة الفرد والمجتمع في العقود الأخيرة وعلى الرغم من تراجع محصول الزيتون لعوامل بيئية ومناخية وبشرية عديدة.
يأتي موسم قطاف الزيتون بعد أشهر طويلة من الانتظار والعناية، وغالباً ما يبدأ الموسم من شهر تشرين الأول/ أكتوبر ويستمر حتى نهاية العام. وفي بعض الأحيان، قد يمتد إلى بداية السنة الجديدة. ويعتمد المزارعون والعائلات على خبراتهم المتراكمة بالنظر إلى لون حبة الزيتون وحجمها لتحديد الوقت الملائم للقطاف، فيما يربط البعض "فراط الزيتون" بـ"أول شتوة" في الموسم المطري.

"العونة" و"الكالوك" و"الدور" و"البضارة"، تعابير ترتبط بموسم قطاف الزيتون في الأردن، فكيف تكرّس جميعها مفهوم التكافل الاجتماعي والهوية الواحدة المتوارثة؟
"فراط أول شتوة"
من هؤلاء ابتسام. ابنة محافظة عجلون (شمالي الأردن)، التي تقول لرصيف22: "أبهاتنا وأعمامنا دايماً بقولوا ما تفرطش الزيتونة إلا لما الدنيا تشتّي عشان تغسل الزيتون، وفيه ناس بستنوها لما الزيتون يستوي عشان ينتج زيت كويس".
تتشابه طقوس حصاد الزيتون في مناطق الأردن المختلفة، ففي جنوب البلاد، وتحديداً محافظة الطفيلة، يروي لنا يحيى وجواهر، وهما زوجان في نهاية عقدهما السادس، طقوس بدء موسم قطاف الزيتون، حيث تبدأ التجهيزات والاستعدادات من الليلة السابقة لأول يوم قطاف، عبر تحضير الأدوات التي تُستخدم في قطاف الزيتون والمفارش القماشية أو البلاستيكية التي سيتم فرطه عليها حتى لا يختلط بالتراب، مع تحضير الوجبات التي سيتناولها المشاركون والمشاركات في القطاف.
وفي يوم القطاف الأول، يتوجّه جميع أفراد العائلة بالسيارات في الصباح الباكر نحو حقول الزيتون الخاصة بهم في أجواء سعيدة ودودة. يقول يحيى: "قطاف الزيتون بيجي بالشتوية والمناخ بيتحكم بالمزارع، إذا فيه مطر أو رياح قوية ما بيقدر ييجي لمزرعته، فالمزارع بيغتنم الأيام اللي الجو بكون فيها كويس".
وتقسَّم الأدوار بعد ذلك بين كل الحضور، فهناك من يقطف عن الشجر، وهناك من يلتقط الزيتون المتساقط على المفارش ليبدأ بوضعها داخل "الشوالات" -الأكياس التي يُجمع فيها الزيتون- أولاً بأول، في حين يجلس كبار السن قرب الأشجار يراقبون ويوجِّهون ويشاركون في العمل، وغالباً ما يكون للوقت خلال الموسم نظاماً خاصاً يعتمد بشكل أساسي على عدد الأشجار المقطوفة، وهو ما يعتمد على حجم الحقل وعدد الأيدي العاملة المتاحة، ويبقى الجميع متيقظاً لضرورة إنهاء القطاف بحسب مواعيد عمل معاصر الزيتون التي تفتح أبوابها وتغلقها في مواعيد محدّدة.

الزيتون يجمع الأجداد والأحفاد
يرافق موسم الزيتون جهد وتعب واضحان ولكن تجمّع العائلة والأحبة يترك بصمة جميلة تبقى حاضرة في الذاكرة تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد، وهو ما تحكي عنه إسراء، وهي طالبة دكتوراه، لرصيف22، إذ تسترجع ذكريات طفولتها: "كنا نجتمع نحن وأعمامي وعماتي وأبناء وبنات العمومة، وعلى رأسنا جدّتي، في الأرض التي كانت مملوكة لجدي رحمه الله في منطقة بساتين عفرا. كنا نحن الأطفال نعيش تجربة متكاملة بين اللعب والتعلم والمراقبة فكان الإنجاز يكافَئ".
وتتابع إسراء: "أذكر جيداً كيف كان كل كالوك يحسب لنا بشلن (خمسة قروش)، وكنا نتنافس في ما بيننا على من يجمع أكبر عدد من الكواليك". والكالوك هو الوعاء الذي يُجمع فيه الزيتون تمهيداً لتعبئته في الشوالات، وهو في الأصل علبة سمنة معدنية يُعاد تدويرها وتهذيب أطرافها حتى لا تجرح أحداً وتستخدم لسنوات حتى تصدأ وتهترئ قبل استبدالها.
"لم أكن واعية حينها أن هذا الطقس الجماعي العابر للأجيال والذي لم يرق لنا في بعض الأوقات لكوننا نتوق للعب أكثر حينها، خصوصاً في الأجواء الباردة والأرض المشبعة بالأمطار، أنه كان درساً تربوياً غير مباشر لتعلم الصبر والمثابرة بإيقاع بطيء ومتكرّر لأيام متواصلة، وتعزيز قيمة العمل المشترك"، تستطرد.
أما جواهر، فتتحدّث عن طقس آخر مرتبط بالأطفال واسمه "البضارة"، وهي أن يجمع الأطفال أي ثمار زيتون متبقية على الأشجار التي انتهى الكبار من قطافها، ولا يضيفون ما جمعوه لمحصول العائلة بل يبيعونه لأنفسهم ويشترون ما طاب لهم، فيسعدوا بذلك ويكونوا جزءاً من هذا العمل.
وتضيف جواهر بعداً آخر كان يربط الأشخاص بالزيتون وهو إطلاق أسماء الأشخاص على أسماء الشجر. فسميت إحدى شجرات الزيتون باسم والدتها "شجرة فاطمة"، فكانت تجني ثمارها وحدها وتحتفظ بالعائد لنفسها، وهذا النوع من ربط الشجر بالأشخاص تقول إنه لم يكن يحدث مع أي شجر مثمر آخر غير الزيتون.
وهي تلفت إلى بعد إنساني واجتماعي مرتبط بقطاف الزيتون إذ يوزع صاحب المحصول جزءاً من إنتاج الزيتون على الجيران والأهل والمعارف، فضلاً عن تخصيص جزء للفقراء والمحتاجين من غير الأقارب.

أجواء تفاعل ومرح
وفق المصادر التي تحدّثنا إليها، غالباً ما يصاحب قطاف الزيتون أغان شعبية تشحذ الهمم وتخفّف التعب والمشقة. وفي بعض الأحيان يسود صمت المشاركين في القطاف وتعلو أصوات الطبيعة فلا يسمع حينها إلا صوت احتكاك الأغصان، أو صوت سقوط حبات الزيتون على المفارش أو في الكواليك.
وبالحديث عن الطعام، فصاحب الأرض التي يتم قطاف زيتونها هو المسؤول عن إطعام كل من حضر للمساعدة، ويشكل وقت تناول الفطور والغداء فرصتين لجلسات جماعية واستراحات مطولة يتوقف فيها العمل كلياً وتتبادل الأحاديث والمواقف والذكريات عن المواسم السابقة ومقارنتها بالموسم الحالي. وغالباً ما يتقدّم مائدة الفطور الزيت والزيتون المتبقي من الموسم السابق، فيما يُحضَّر طعام الغداء على النار. ويتخلّل القطاف أيضاً فترات استراحة قصيرة أخرى على مدار اليوم لاحتساء الشاي والقهوة.
"العونة"
شكل آخر من أشكال التكافل والتعاون الاجتماعي في أثناء موسم الزيتون يتجسّد في "العونة" وهي من الممارسات الاجتماعية التي يتم تنظيمها دون اتفاقات رسمية بل تحدث بشكل تلقائي عندما يشعر أحدهم بأن جاره أو أحد أقاربه يدهمه الوقت ولن يتمكن من إكمال قطاف زيتونه وحده فيتوجّه الجميع لمساعدته.
تقول إسراء إنّ أحد النشاطات المجتمعية في المدرسة، في حصص التربية المهنية، في الفترات المتزامنة مع موسم قطاف الزيتون، كان تطبيق مبدأ العونة، إذ يسير المعلم/ة بالطلاب والطالبات وتحديداً في المرحلة الأساسية، لمعاونة أصحاب المزارع القريبة من موقع المدرسة
وعن هذا الطقس تقول ابتسام: "في عجلون لا يزال هناك ارتباط قوي، حتى إن الجيران يساعدون بعضهم بعضاً. شقيقتي تعيش في عرجان ذهبنا لمساعدتها هذا الموسم"، مبرزةً أن الأجواء كانت إيجابية.
لكن يحيى يقول إن "العونة" أصبحت أقل حضوراً مما كانت عليه في السابق، مضيفاً "قديماً، كان كل واحد في مزرعته يكون عنده عونة. أحياناً كان كل أهل الحي يساعدون. هسّا ما زالت موجودة ممكن، بس ضمن نفس العائلة والأقارب مو مثل قبل".
في الأثناء، تقول إسراء إنّ أحد النشاطات المجتمعية في المدرسة، في حصص التربية المهنية، في الفترات المتزامنة مع موسم قطاف الزيتون، كان غالباً تطبيق مبدأ "العونة" هذا، إذ يسير المعلم/ة بالطلاب والطالبات وتحديداً في المرحلة الأساسية، لمعاونة أصحاب المزارع القريبة من موقع المدرسة. "بسأل دائماً أولاد أشقائي وشقيقاتي وما يزال هذا الطقس موجود"، توضح.

معاصر الزيتون و"الدور"
حين ينتقل الزيتون من الحقول إلى المعاصر يبدأ فصل آخر في هذا الموسم لا تقلّ أهميته الاجتماعية عن القطاف نفسه. فعلى امتداد الأردن من جنوبه إلى شماله، لا تزال الكثير من المعاصر تعمل وفقاً لنظام "الدور"، كما يقول محمد عَوَجان، ولديه معصرتا زيتون في محافظتي الطفيلة ومعان. بمجرّد قيام العائلة بتفريع حمولتها من الزيتون في المعصرة تحصل على كارت ورقم يمثّل دورها في العصر لتبدأ مرحلة الانتظار والترقّب لمعرفة كم "تنكة" زيت ستحصّلها هذا الموسم.
هذا الانتظار ونظام الدور ليس إجراءً تنظيمياً فحسب، بل جزء من التجربة الاجتماعية للموسم. يقول محمد: "وقت العصر له نكهته الخاصة ومشاعري خلاله فوق الوصف. لديّ استراحة في المعصرة يجتمع فيها المزارعون منتظرين دورهم والذي قد يمتد إلى ساعات طويلة تصل إلى 6 و7 ساعات يمضونها في تبادل الأحاديث حول الموسم والزراعة وغيرهما. يذكّرني هذا بجلسات المقاهي، إذ يتكرّر هذا المشهد لديّ كل يوم حتى انتهاء موسم العصر".
كذلك، يوضح محمد أن كثيراً من المعاصر لا تزال تتقاضى مقابل العصر على شكل حصة من الزيت يتفق عليها سلفاً بدلاً من النقد المباشر، وينمّ هذا النظام المتوارث عن نمط اقتصادي تقليدي قائم على الثقة والاستمرارية أكثر من كونه معاملة تجارية بحتة.
هذا النظام الذي لم تُلغه الحداثة بالكامل يعكس العلاقات الطويلة الأمد بين أصحاب أشجار الزيتون وأصحاب المعاصر. كما يراه بعض المزارعين أكثر عدلاً لكونه يربط صاحب المعصرة بجودة الزيت الناتجة وكميتها، ويعفي المزارع غير المقتدر من الدفع نقداً.
اللافت أن العمل في معاصر الزيتون هو عمل متوارث أيضاً حيث إن محمد (في عقده الرابع الآن) كان عمره سنتين فقط عندما افتتح جده معصرة الزيتون الأولى عام 1981 وبالرغم من أنه يحمل درجة الدكتوراه في العلوم ويعمل لدى وزارة التربية والتعليم إلا أنه لم يتخلَّ عن هذا الإرث بل وأشرف على افتتاح المعصرة الثانية المملوكة للعائلة قبل عشر سنوات، كما يقول لرصيف22.

عائد اقتصادي متذبذب
على الجانب الاقتصادي، يحتفظ الزيتون بمكانة مهمة لدى أصحابه، سواء عن طريق بيع الزيت والزيتون أو تخزينه للاستهلاك السنوي. لكن في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهجرة الشباب الأردني نحو المدن، وشح الأمطار فضلاً عن تغيّر المناخ والعوامل البيئية والطبيعية، تأثّرت أهمية الزيتون الاقتصادية وبات مورداً يصعب الاعتماد عليه في بعض المواسم. فعلى سبيل المثال، كان موسم 2025 من المواسم الضعيفة التي سجلت انخفاضاً ناهز من 30 إلى 40% مقارنةً بالسنوات السابقة.
ومع ذلك، يظل الحرص على امتلاك أشجار الزيتون وزراعتها أمراً مهماً لدى العائلات الأردنية ويُنظر إليه كعلامة على الاستمرارية، مما يضفي أهمية عاطفية وروحية أكبر لمواسم الزيتون حتى لأولئك الدين لم يعد الزيتون أو الزراعة عموماً مصدر دخلهم الأساسي.
عن هذا، تقول جواهر إنهم اضطروا لبيع الأرض المملوكة للعائلة بعد عقود من العمل فيها لتغيّر ظروف أولادهم وعدم مقدرتهم على الاهتمام بالمزرعة، إلا أنهم قبل عشر سنوات وعندما قرروا بناء منزل جديد لهم في أرض أخرى يملكونها، زرعوا ما يزيد على 40 شجرة زيتون قبل البدء ببناء المنزل حتى.
وتقول: "بدأ الإنتاج السنة الماضية والسنة هاي، بس كميات بسيطة لأنو شجر صغير، إحنا مبوسطين فيه لأنو لسا الزيتون موجود عنا، ارتباطنا بالزيتون ارتباط عادات وتقاليد ومحبة، ارتباطنا فيه ما بينتهي، وشجر مبارك مذكور بالقرآن، يعني ارتباط ديني، واجتماعي، ومادي، ومعنوي فما بنستغني عن الزيتون أبداً".
"المهراس الأردني" تراث ثقافي عالمي
ويحتل زيتون "المهراس" المعمّر، والذي يطلق عليه شعبياً اسم "الزيتون الروماني"، مكانة خاصة في الأردن إذ يكنّ له الجميع التقدير لكونه زيتوناً معطاء عاشر حضارات مختلفة منذ مئات السنين.
بعد إدراجها ملفاً أردنياً على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، كيف تتمتّع شجرة المهراس الأردني بمكانة خاصة وتقدير ملحوظ لدى الأردنيين؟

تقول ابتسام: "كان أبي وعمي دائماً ما يوصياننا بعدم ضرب الزيتون بالعصا وأنه من احترام الزيتون -لا سيّما الروماني منه- أن نقطفه بأيدينا فقط"، راويةً "أذكر في يوم دخلت أفعى في بنطال أبي وقد كان حينها جالساً على المفرش ولم يخف أو يتحرك حرصاً منه على سلامة الزيتون ونظافته رغم تنبيهاتنا له واستمر بالقول إن الأفعى ستخرج من نفسها وبالفعل خرجت ولم يصبه شيء".
في حين يوضح يحيى أنه يعرف الزيتون الروماني من حجم الشجرة نفسها وحجم جذعها، حيث يصل محيط جذعها إلى عدة أمتار أو بحجم غرفة بحسب وصفه، والشجرة نفسها أكبر حجماً وأكثر ارتفاعاً من جميع الأصناف الأخرى، وقد اعتاد أن يعطي الزيتون الروماني زيتاً بنسبة وجودة أعلى ونكهة مختلفة، وهو أكثر مقاومةً للأمراض والظروف المناخية القاسية.
والأردن من المواطن الطبيعية للزيتون ويشهد عليه زيتون المهراس ومعاصره الحجرية القديمة والتي كُشف عن أن إحداها تعود لما قبل 4500 عام.
وبحسب المركز الوطني للبحوث الزراعية في الأردن، يشكّل الزيتون الروماني بين 15 و20% من المساحة الإجمالية للأراضي المزروعة بالزيتون في الأردن، ويتركز في محافظات عجلون وإربد وجرش والطفيلة. كما يوجد في وادي رم، فيما تشكل نسبة زراعة الزيتون عموماً 72% من إجمالي الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة.
جرى التأكيد على مكانة زيتون "المهراس" الأردني عالمياً عبر إدراجه ملفاً أردنياً على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، ويأتي هذا الإدراج بمثابة الاعتراف بهذه العلاقة الخاصة بين المواطن الأردني وشجرة الزيتون بل وبأنها ليست مجرد شجرة وإنما منظومة وممارسة اجتماعية وثقافية متكاملة، وجزء أصيل من هوية المكان والإنسان.
*جميع الصور التقطتها معدة التقرير.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
