في سوريا اليوم، النجاة لم تعد فوزاً أو حقاً، بل حُكماً على الأحياء بأن يكونوا صامتين. كل نفس مسموح به يُقاس بمدى امتثال الجسد وكل خطوة خارج دائرة البقاء تُعتبر تهديداً. من سجن الأقطان في الرقة إلى سجن عدرا تثبت قضية اعتقال القاصرين في السجون بأنّ الحياة لا تُعاش بل تُمنح على قدر صمتك وخضوعك.
ففي كانون الثاني/ يناير 2026، خرج 126 طفلاً من سجن الأقطان في محافظة الرقة، لم يخرجوا من مدرسة ولا من ملعب، بل من مكان يُفترض أنه صُمم للبالغين المدانين لا للقاصرين. ووصفتهم التقارير بأنهم "أبناء وبنات سُرقت منهم طفولتهم… كان يجب أن يكونوا في الصفوف الدراسية لا خلف القضبان".
هذه الواقعة وعلى فداحتها ليست معزولة عن سياقها السوري الأوسع. ففي الأشهر السابقة لها شهدت مناطق أخرى حالات اعتقال أو احتجاز القاصرين تحت سلطات مختلفة وبمبررات متعددة منها أمنية، اجتماعية وعشائرية، كما حدث خلال اضطرابات السويداء حين وُجد أطفال محتجزون في سياق نزاعات محلية؛ وما يجمع هذه الحالات ليس الجهة التي قامت بالفعل إنّما المنطق الذي سُمح به التعامل مع الطفل بوصفه خطراً محتملاً، قبل أن يُنظر إليه كإنسان صاحب حقوق وموضوع حماية.
ما معنى الطفولة في سوريا أصلاً؟
القضية هنا لا تتعلق بتبرئة سلطة بعينها أو إدانتها، بل بسؤال أبسط وأقسى: كيف أصبح سجن الأطفال ممكناً أخلاقياً في مجتمع يُفترض أنه خرج من الحرب ودخل مرحلة البناء؟
حين يُزَجّ بقاصر أو أي فاقد للأهلية في زنزانة، لا يُعاقَب على فعلٍ محتمل فقط، بل يُعاد تعريف طفولته بوصفها مرحلة ينبغي ضبطها لا حمايتها، فيتعلّم مبكراً الصمت والامتثال والانضباط القسري بدل اللعب والتعليم وحق الخطأ والنمو.
لسنا كسوريين أمام حادثة منفصلة عن السياق العام، بل أمام منطق مرعب للحياة تشكّل في سوريا خلال سنوات العنف، وهو ما جعل البقاء الجسدي القيمة العليا، وأجّل كل ما عداها: الحرية، العدالة، وحتى الطفولة، وصولاً إلى أن السؤال لم يعد كيف نعيش حياة تستحق أن تُعاش، بل كيف نبقى أحياء بأي ثمن.
هذا التحوّل لم يكن لغوياً فقط بل وجودياً؛ إذ أُعيد تعريف الشجاعة بوصفها تكيّفاً، والعقلانية بوصفها خفضاً لسقف الطموح، والأخلاق بوصفها تجنّباً للخسارة لا دفاعاً عن المعنى. هكذا استقرّ الخطاب العام على ثنائية مريحة سياسياً: ضحايا وناجون؛ الضحية تُرثى والناجي يُحتفى به، فيما يُنزَع الاثنان بهدوء من حيّزهما السياسي.
ما يغيب عن هذه المعادلة هو السوري الذي نجا جسدياً لكنه يرفض أن تكون النجاة مشروعه النهائي، ولا أن يُقاس وجوده بمجرد أنه لم يمت. السوري الذي يطرح السؤال غير المريح: ماذا بعد النجاة؟
حوادث احتجاز الأطفال هي مثالٌ مكثّف على الطريقة التي يُعاد فيها تعريف الحياة في سوريا بوصفها بقاءً مُراقَباً لا حقّاً مكتملًا. فالطفل، في هذا السياق، لا يُنظر إليه ككائن في طور التشكّل، بل كمشكلة محتملة يجب ضبطها
في السنوات الأولى من الحرب السورية كانت النجاة بحد ذاتها ضرورة بديهية لا جدال فيها. القصف الدائر، الاعتقالات التعسفية، الحصار الاقتصادي، والنزوح الجماعي، جعل البقاء على قيد الحياة هدفاً مشروعاً لا يحتاج إلى تبرير. أيّ فعل يتجاوز حماية الجسد كان يبدو خطيراً أو مستهجناً، حتى لو كان مشروعاً أخلاقياً أو سياسياً، النجاة كانت الأولى والحرية، العدالة أو المشروع السياسي أصبحت لاحقة.
لكن ما حدث لاحقاً هو تحول هذه الضرورة إلى قاعدة أخلاقية عامة، بل إلى معيار يُقاس به نضج الفرد والجماعة. في هذا المنطق، السّوري العاقل هو الذي يعرف كيف يتكيّف، كيف يتجنب المخاطر بلا جدوى، كيف يوزع معاركه بعناية، وأحياناً كيف يتخلّى عنها نهائياً. النجاة لم تعد مجرد الإفلات من الموت؛ أصبحت قبولاً مشروطاً بالواقع الذي يُفرض عليك. الصمت أصبح حكمة، التنازل أصبح واقعية وتأجيل الأسئلة الكبرى أصبحت واجباً أخلاقياً تجاه الظرف.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر، النجاة التي كانت وسيلة للحياة، تحولت تدريجياً إلى أيديولوجيا داخلية. هذا الخطاب لم يعد مفروضاً فقط من قوى السلطة أو الجماعات المسلحة، بل تسلّل إلى داخل المجتمع نفسه، وأصبح جزءاً من رقابته الذاتية. السوريون أصبحوا يراقبون بعضهم بعضاً ليس فقط لتجنب الانتقام المباشر، بل لتجنب المخاطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بأي فعل يفوق حدود النجاة. فالفعل السياسي، أو المطالبة بالحقوق، أو حتى التعبير عن الغضب، أصبحت محاطة بتهديد خفي، الخطر لم يعد فقط الموت بل فقدان ما تبقّى من حياة مشروطة ومقيدة.
بالخلاص، يا شباب!
ترى حنّة أرندت في "The Human Condition"، أن الحياة البشرية لا تُقاس باستمرار الجسد أو البقاء البيولوجي، بل تتحقق بمعنى أوسع حين يصبح الإنسان فاعلاً سياسياً قادراً على الظهور والمشاركة في المجال العام، وممارسة حقوقه في النقاش، الاعتراض، والتحرك الجماعي.
فحين يُختزل الوجود إلى مجرد بقاء تتحول الحياة إلى حالة معلّقة؛ يُسمح للإنسان أن يبقى حياً لكنه يُحرَم من أفق المشاركة، ومن القدرة على تشكيل مجتمعه، ومن حقه في أن يكونَ صوتاً مسموعاً.
يرى ياسين الحاج صالح في "بالخلاص، يا شباب! 16 عاماً في السجون السورية"، أن أثر السجن يقوّض حقاً أساسياً لكل إنسان في ألا يكون معروضاً أمام عيون الناس 24 ساعة كل يوم.
وهنا يصبح البقاء المادي هدفاً بحد ذاته، ويغدو امتثال الفرد أو صمته شرطاً لبقائه على قيد الحياة مما يعكس بالضبط المعاناة السورية الحالية، ملايين الأشخاص ينجون جسدياً لكنهم عاجزون عن ممارسة أيّ فعل سياسي أو التعبير عن رغباتهم أو تحقيق كرامتهم ويعيشون ضمن حدود فرضتها الظروف والعنف والسلطة بحيث تُستنزف حياتهم من معناها السياسي والاجتماعي قبل أن تُستنزف أجسادهم.
يبيّن ياسين الحاج صالح في "بالخلاص، يا شباب! 16 عاماً في السجون السورية"، أن أثر السجن لا يقتصر على الجسد فقط، بل يقوّض حقاً أساسياً لكل إنسان في عرض الصورة التي يحبها عن نفسه وفي الجوهر حقه في الخصوصية، في ألا يكون معروضاً أمام عيون الناس 24 ساعة كل يوم.
وهذا لا يعني فقط إبقاء الجسد على قيد الحياة، بل يعني تقويض قدرة الإنسان على أن يفكر، أن يختار، وأن يكون فاعلاً سياسياً أو أخلاقياً في المجتمع الذي ينتمي إليه.
هذا الفكر لدى ياسين لا يتحدث فقط عن أسلوبِ العقاب في السجون إنّما عن منطق متجذّر في كل علاقة بين القوة والضعف داخل سوريا اليوم؛ فالسجن بهذا المفهوم ليس مكاناً يقتلُ الأجساد فحسب إنما هو مساحة تحول الحياة إلى حالة معلّقة حيث يُقاس وجود الإنسان فقط بقدرته على النجاة الجسدية ويصبح السؤال عن الحرية، العدالة، أو أيّ فعل سياسي أمراً ثانوياً أو حتّى مستحيلاً.
الفكرة الجوهرية هي أنّ تجربة السجن على غرار كل حالاتِ البقاء المشروط في المجتمع السوري تخلقُ إنساناً معلّقاً بينَ الحياة والموت، بينَ المسموح والممنوع، بين الحقوق المتأصلة والنجاة المفروضة. الإنسان السوري هنا لا يُقتل فقط جسدياً إنما يُستنزف سياسياً وأخلاقياً؛ يُعلَّم الصمت، يُدَرّب على الامتثال ويُحرم من القدرة على ممارسة الفعل السياسي أو اتخاذ القرار المستقل.
إذا عدنا معاً إلى المجتمع السوري الأوسع سنرى بأنّ هذا النمط لا يقتصر على جدران السجون؛ كل خطاب يقدّم النجاة كغاية عليا، كل أيديولوجيا تجعل البقاء هدفاً نهائياً، وكل إدارة للبقاء سواء عبر القصف، الحصار، أو توزيع المعونات تعيد إنتاج نفس المنطق. تجربة السجن الفردية تصبح بذلك مرآةً للمجتمع بأسره... الإنسان يُختزل إلى جسدٍ حي؛ حقوقه، أفكاره، وحتى وجوده السياسي تصبح جميعها معلّقة على السماح له بالبقاء!
ومن هنا يمكننا قراءة السجن على أنّهُ النموذج الصغير لما يحدث على نطاق المجتمعِ السوري؛ كل فرد يختبرُ حدودَ الحرية داخل دائرة النجاة ليصبحَ السؤال عن الحياة بمعناها الكامل الحرية، العدالة، المشاركة السياسية ترفاً محظوراً أو خطورة مميتة. وهكذا، تجربة السجن تتحوّل إلى درس مجتمعي صارخ فحواه أنّ النجاة وحدها لا تكفي للحياة والبقاء الجسدي لا يساوي وجوداً إنسانياً كاملاً.
إنقاذُ الجسد مع تعليق الإنسانية
إذا كان النظام السابق قد حكم عبر إدارة الموت المباشر، فإنّ المشهد الراهن يعتمد على إدارة البقاء. الفرق جوهري؛ إدارة الموت تُقاس بالعنف الصريح والإعدام والاعتقال، أمّا إدارة البقاء فهي أكثرُ نعومة وعمقًا في التأثير تستخدم الخوف من فقدان الحياة نفسها كأداة ضبط مستمرة مع ضمان ألّا ينهار الجسد بالكامل، لكنّها تحاصر الروح ضمن حدود الصمت والخضوع.
النتيجة تتحوّل السياسة من صراع على الأفكار والمشاريع إلى مجرد آلية إدارة المخاطر اليومية. يُقال للسوري: "كل ما لديك هو البقاء"، ويُطلب منه قبول أيّ سلطة، أيّ ترتيب سياسي، أيّ وضع اقتصادي، شرط أن يبقى حياً!! السياسة لم تعد فن التمثيل أو العدالة، بل فن إدارة المخاطر، وإقناع الناس بأنّ البديل أسوأ دائماً.
الاعتراض هنا ممكن، لكنّه محفوف بالمخاطر. فأيّ محاولة للقول إنّ هناك بدائل سياسية أو اجتماعية أفضل تعتبر مغامرة غير محسوبة. منطق البقاء يُدخل الأفراد في حلقة مفرغة ليس القتل المباشر هو ما يضبطهم بل التهديد المستمر بالضياع والخراب إذا ما خرجوا عن القاعدة.
حين يُختزل السوري إلى جسدٍ يجب إطعامه ومعالجته من دون الاعتراف به كفاعل سياسي، فإننا لا نحميه بل نعلّقه في منطقة رمادية؛ حيّ بما يكفي ليُحصى، وصامت بما يكفي ليُهمَل. هكذا تتحوّل الإنسانية من دفاع عن الإنسان إلى إدارة تقنية للبقاء ويُصبح مفهوم الحياة العارية مفتاحاً لفهم ما جرى ويجري
لذا، فإنّ هذا النمط الجديد هو حقيقةً أكثرُ خطورة من إدارة الموت المباشر، وذلك لأنّ إدارة الموت واضحة ويمكن مقاومتها أو الهروب منها أما إدارة البقاء فهي خفية ممتدة عبر الزمن وتنتج شعوراً دائماً بالعجز حتى لدى الناجين.
اللغة كحبل نجاة وحبل مشنقة
في هذا السياق، اضطلع الخطاب الإنساني بدور ملتبس. فمن جهة لا يمكن إنكار أنه أنقذ أرواحاً ووفّر الحدّ الأدنى من البقاء لملايين السوريين، لكن من جهة أخرى هو ساهم من حيث لا يدّعي في تكريس منطق النجاة بوصفه أفقاً نهائياً لا مرحلة مؤقتة.
اللغة الإنسانية السائدة تُركّز على مفردات مثل المرونة، القدرة على التكيّف والتعافي المبكر؛ هي مفردات تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها تخفي انزلاقاً خطيراً فبدلاً من السؤال عن الشروط السياسية التي تُنتج العنف يصبح التركيز على كيفية جعل الناس يعيشون معه بأقل خسائر ممكنة.
قد يعترض البعض ويقول إنّ العمل الإنساني لا يمكنه أن يكون سياسياً، وإن خلط الإغاثة بالسياسة يضرّ بالحياد ويعرّض الأرواح للخطر. هذا الاعتراض مفهوم ومبرّر جزئياً لكن المشكلة ليست في الحياد إنما في تحويل الحياد إلى أيديولوجيا، وفي التعامل مع الحياة بوصفها قيمة منفصلة عن شروطها السياسية.
فحين يُختزل السوري إلى جسدٍ يجب إطعامه ومعالجته من دون الاعتراف به كفاعل سياسي، فإننا لا نحميه بل نعلّقه في منطقة رمادية؛ حيّ بما يكفي ليُحصى، وصامت بما يكفي ليُهمَل. هكذا تتحوّل الإنسانية من دفاع عن الإنسان إلى إدارة تقنية للبقاء ويُصبح مفهوم الحياة العارية مفتاحاً لفهم ما جرى ويجري. الحياة العارية هي الحياة التي يُسمح لها بالاستمرار، لكن بعد تجريدها من أيّ مضمون سياسي. حياة لا تُقتل لكنها أيضاً لا تُسمَع.
يكشف احتجازُ الأطفال في سوريا أن منطق النجاة هو نظام يُعاد إنتاجه عبر الأجيال؟ فليس سؤالنا حول من يحتجز الأطفال؟ بل عن أيّ مجتمع يقبل أن تصبحَ الزنزانة بديلاً من المدرسة؟
فما فُرض على السوريين بدرجات مختلفة هو هذا الشكل من الوجود؛ أن يعيشوا في حالة استثناء دائمة، حيث تُعلَّق الحقوق باسم الطوارئ، وتُؤجَّل السياسة باسم الاستقرار، ويُطلب من الناس أن يكونوا شاكرين لأنهم ما زالوا أحياء.
الامتنان القسري للحق الطبيعي
أخطرُ نتائج منطق النجاة وخطاب الإغاثة أنه يُنتج امتناناً قسرياً؛ أن يُطلب من الإنسان أن يكون ممتناً لأنّه بكل بساطة لم يُقتل! هذا يعتبر إعادة تعريف الحياة بوصفها مكافأة على الصمت والامتثال لا بوصفها حقاً طبيعياً، الحياة هنا ليست بديهية بل مشروطة بسلوك مقبول لدى من يتحكم بالنجاة، سواء كانت سلطة سياسية أو شبكة إغاثة أو حتى البيئة الاجتماعية المحيطة. بهذا المعنى لا يصبح البقاء مجرد فعل فطري إنما أداة ضبط نفسي وأخلاقي!! امتنانك المعلن يثبت التبعية، وصمتك يرسّخ السلطة، والتزامك بما هو مسموح به يحميك من الخطر، ولو كان مؤقتاً.
في مخيمات النزوح مثل الركبان اعتمد ملايين السوريين على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وأشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 16.5 مليون شخص في سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية في 2025 نتيجة استمرار التأثيرات الاقتصادية والأمنية للصراع، بما في ذلك نقص الخدمات الأساسية وانعدام الأمن الغذائي.
هذا الاعتماد على المساعدات يتجاوز كونه مجرد مسألة بقاء جسدي؛ فهو يفرض قيوداً على حرية الناس في اتخاذ القرارات اليومية ويُعمّق إحساساً بأنّ الحياة نفسها مرتبطة بالموارد التي يتم توزيعها من خارج دوائر المجتمع، كما أنّ هذا الشعور بالامتنان المفروض يولد هشاشة مزمنة، إذ لا يخلق ولاء حقيقياً بل خوفاً داخلياً دائماً. الإنسان الذي يعيش تحت تهديد دائم بأنّ حياته أو بقاءه قابل للسحب لا يستطيع أن يبني علاقة صحية مع أي سلطة، ولا حتى مع مجتمعه. يصبح كل تفاعل اجتماعي أو سياسي صفقة مشروطة، حيث يتم تقييم كل كلمة وفعل وفق ما يرضي الحامي بدلاً من معيار العدالة أو الكرامة.
فلاسفة مثل حنة أرندت يرون أن هذا النوع من الحياة المشروطة يمثّل حياةً بلا حقوق حقيقية، حيث يتحوّل الإنسان إلى كائن حيّ عارٍ سياسياً موجود فقط لا مشارك أو صاحب صوت. في هذا السياق، الامتنان المفروض ليس مجرد شعور، بل أداة قمع. لا تحتاج السلطة إلى العنف المباشر يكفي أن تجعل الناس يشعرون أنهم يعيشون كخدم ممتنين لكل شيء يُقدّم لهم.
لكن الناجي السوري ما بعد الحرب يرفض هذا الابتزاز الأخلاقي، لا لأنه ينكر حجم المأساة أو القتل إنما لأنه يدرك أن الامتنان المفروض أداة ضبط اجتماعي ونفسي وأن القبول به يعني القبول بتحويل الحياة إلى امتياز مشروط، لا حق متأصل. وهذا الرفض وحده حتى لو لم يُترجم إلى فعل سياسي مباشر هو يمثل بالفعل تمرداً على منطق البقاء القسري.
قد يرى بعض المفكرين أنّ هذا الامتنان القسري يمكن تبريره كآلية للبقاء الجماعي أو كضرورة ظرفية في أزمات طويلة الأمد!! لكن النقد الحقيقي هنا يقول إن جعل الامتنان شرطًا أساسيًا للحياة لا يحمي الجماعة، بل يوسّع فجوة القوة والضعف ويزيد اعتماد الأفراد على الفاعل الأقوى، ويقوّض أي إمكانية لبناء مجتمع سياسي قادر على المطالبة بحقوقه.
لكن الواقع يكشف بأنّ منطق النجاة المشروط لا يقتصر على البالغين بل يمتد ليصل إلى الطفولة، إلى الأجيال التي لم تختبر قبلاً سوى البقاء. ليست واقعة احتجاز الأطفال في الرقة حديثاً، والسويداء سابقاً، مجرّد حادثة أمنية عابرة، بل هي مثالٌ مكثّف على الطريقة التي يُعاد فيها تعريف الحياة في سوريا بوصفها بقاءً مُراقَباً لا حقّاً مكتملًا. فالطفل، في هذا السياق، لا يُنظر إليه ككائن في طور التشكّل، بل كمشكلة محتملة يجب ضبطها أو جسد يجب تحييدهُ قبل أن يصبح خطراً. بهذا الطرح تتحوّل الزنزانة من إجراء استثنائي إلى أداة إدارة اجتماعية، ويُختزل التعليم والتنشئة إلى مسألة انضباط لا إلى مسألة نموّ، فحين تُبرَّر هذه الممارسة باعتبارات أمنية أو عشائرية أو ظرفية فإنها لا تكشف فقط عن قسوة إجراء بعينه، بل عن منطق أوسع يعمل تحتَ سلطات مختلفة؛ منطق يُقدّم الاستقرار بوصفه قيمة أعلى من الطفولة ويُقايض الحقوق بالحماية حّتى لو كان الثمن تعليق مستقبلٍ كامل باسم الضرورة فلا يُسأل عمّا يعني أن يُسجن طفل بل عمّا قد يفعله لو لم يُسجن؛ أيّ أنّ الخوف من الاحتمال يُقدَّم هنا على حقّ الواقع.
الأخطر من فعل الاحتجاز هو ذاك القبول الاجتماعي الذي يحيط به. حين يُنظر إلى سجن الأطفال بوصفه إجراءً مؤلماً لكنه مفهوم، تصبح الطفولة نفسها خاضعة لمعادلة النجاة المشروطة، المهم أن يبقى الطفل حياً لا أن يعيش طفولته. هنا تُعاد صياغة القيم على مستوى مبكّر جداً. يتعلَّم منذ الصغر أنّ الحياة تُمنح مقابل الانضباط وأنّ الحقوق مؤجَّلة إلى زمن آخر.
بهذا المعنى، لا تكون قضية الأطفال المحتجزين ملفاً إنسانياً منفصلاً، بل مرآة مصغّرة لوضع المجتمع كله بل حتى إنها تربية مبكرة على أيديولوجيا النجاة حيث يُقاس الإنسان بقدرته على التكيّف لا بقدرتهِ على أن يكون مواطناً.
وهكذا، يكشف احتجازُ الأطفال أن منطق النجاة لا يعمل فقط بوصفه ردّ فعل على العنف، بل بوصفه نظاماً يُعاد إنتاجه عبر الأجيال؟ فليس سؤالنا حول من يحتجز الأطفال؟ بل عن أيّ مجتمع يقبل أن تصبحَ الزنزانة بديلاً من المدرسة، والصمت بديلاً من الحماية، والبقاء بديلاً من الحق؟ عند هذه النقطة بشكلٍ واضح يتضح لنا بأنّ المعركة ليست ضد الموت وحده، بل ضد تحويل الحياة نفسها إلى امتياز مشروط.
السّوري الذي لم يعد يريد النجاة فقط لا يطرح برنامجاً سياسياً جاهزاً ولا حتى يقدّم وعداً بالخلاص، ما يفعله هو أبسط وأخطر في أن يرفض السقف المفروض، يرفض أن تكون السياسة مجرّد إدارة للخطر وأن تكون الحياة مجرّد تفادٍ للموت.
قد يبدو هذا الموقف مثالياً في بلد شبه مدمّر لكنه في جوهره موقف واقعي إلى حدّ القسوة. فالسياسة لا تبدأ حين تختفي المخاطر إنما تبدأ حين يُرفض تحويلها إلى قدر دائم. والحياة لا تُستعاد حين ينتهي العنف فقط بل حين يُستعاد الحق في السؤال.. في الاعتراض.. وفي تخيّل مستقبل لا يُختزل في البقاء.
الخطر الحقيقي في سوريا ليس المطالبة بل الاكتفاء. الخطر أيضاً ليس في أن يطالبوا بأكثر من ذلك بل في أن يقتنعوا بأنّ النجاة هي أقصى ما يمكن تخيّله فالسوري الذي لم يعد يريد النجاة فقط لا يطلب امتيازاً، لا يُنكر الواقع، ولا حتّى يستخفّ بالمخاطر!! هذا السوري فقط يرفض أن تكون الحياة مجرّد هامش بين كارثتين، وأن تُختزل الكرامة في القدرة على الاحتمال.
وما لم يُفتح أفق يتجاوز النجاة ستبقى الحياة في سوريا معلّقة، ستبقى السياسة مؤجَّلة وسيبقى المجتمع يدور في حلقة إدارة البقاء، لا كسرها. وحده الخروج من منطق الحمد لله أننا ما زلنا أحياء إلى منطق نستحق حياة تُعاش يمكن أن يشكّل بداية مختلفة.
بداية لا تعد بالخلاص لكنّها ترفض الاستسلام.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
