بين المناطقية والزبائنية… مَن المستفيد من أزمة

بين المناطقية والزبائنية… مَن المستفيد من أزمة "النقل العام" في لبنان؟

حياة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 19 يناير 202610 دقائق للقراءة

"مش قادرة أشتري سيارة، معاشي 250 دولار، مضطرة أتشمشط بفان وأتحمّل مزاجية السائق"، بهذه الكلمات تروي هدى، لرصيف22، معبّرةً عن ألم كثير من اللبنانيين الذين يعانون تبعات حرمان دولتهم لهم من وسائل النقل العام التي قد توفّر عليهم المال والتعب.

في لبنان، الصبر رفيق المواطنين على الطرقات، حيث يضطرون غالباً إلى مغادرة منازلهم أبكر، احتياطاً من زحمة السير في ظل طرقات خطرة وإشارات معطّلة. موظفون، وطلاب، وعمّال، وأمهات جميعهم يحملون همّ الوصول في الوقت المناسب، ويعيشون يومياً تقريباً تجربة السيارات المتراصة، وسط أصوات الأبواق الغاضبة، والوجوه المتعبة التي ألفت التأخير وكأنما بات قدراً يومياً محتوماً.

هذا الواقع، في غياب النقل العام، يدفعنا إلى التساؤل: ما هي أسباب عدم تفعيل النقل العام في لبنان، وهل يتعلق الأمر بإهمال حكومي، أو ضعف في الموارد بفعل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة؟ وهو ما نسعى في هذا التقرير إلى الإجابة عنه.

أزمة سياسية أو تقنية؟… بين تعدّد المرجعيات، وانتشار المحسوبية، وغياب المراقبة، وعجز الدولة عن تطبيق القوانين، يبقى قطاع النقل العام في لبنان رهن الموت السريري، فهل يكفي توفير التمويل لعلاج مشكلاته المزمنة؟

معاناة التنقل اليومي

في صيدا، مع كل صباح، يبدأ الـ"فان" جولته من وسط المدينة، ماراً بالمناطق المكتظة وصولاً إلى أطراف المدينة. ينادي سائق الـ"فان" الركاب بصوت معتاد: "الحي البحري، صيدا القديمة، على الخط"… والركّاب يهرعون لاغتنام أي مقعد.

يقول وليد، صاحب "فان" خاص في صيدا، يعمل على هذا الخط منذ 10 سنوات، رداً على سؤاله عن مدى وجود تنظيم في هذا القطاع: "تنظيم شو يا عمي؟ كلو بيعتمد على خبرة السائق وقديش بيعرف طرقات، وقادر يزورب بين السيارات". ويتابع: "لو كان هناك نقل عام منظّم، سيكون يوم الركاب أسهل… ويومي أنا أيضاً".

"غياب الرؤية والجدية"

بحسب المهندس زاهي أبو زيد، وهو معني بمشاريع البنى التحتية في لبنان، الخطط المتتالية التي وضعت من تسعينات القرن العشرين لليوم، لم تدخل حيز التنفيذ فبقيت أشبه بحبر على ورق، بحيث كل خطة توضع تتغيّر مع تغيّر الوزارات والحكومات. ويأسف لأن "كل وزارة تأتي لا تتطلّع على أرشيف سابقاتها، فتبدأ من الصفر، وإلى حين انتهاء مدّتها الوزارية لا تستطيع أصلاً البدء بتنفيذ الخطة".

وحول ما إذا كان تنفيذ مشروع النقل العام في البلاد، يواجه تحديات تقنية أو سياسية، يلفت أبو زيد إلى أن هناك كفاءات مشهود لها في لبنان، بإمكانها وضع تصاميم لخطط نقل عام تتناسب مع كل منطقة، وخطط لوصل المناطق بعضها ببعض بكل سهولة، مستخلصاً أنه "تقنياً الموضوع له حل. أما غياب الرؤية السياسية الواضحة، فهو ما يعرقل الموضوع".

في الوقت نفسه، يقرّ أبو زيد بأن نقص التمويل ربما يضطلع بدور في عرقلة تنفيذ خطة بحجم مشروع النقل العام. وفي تقديره، يرى أبو زيد أن ثلاث مشكلات رئيسية عطّلت ملف النقل العام في لبنان، وهي: تغليب المنفعة الخاصة، والاستهتار في التعامل مع هذا الملف وعدم أخذه على محمل الجد بالدرجة الكافية، ونقص التمويل جنباً إلى جنب مع عدم التنسيق بين الوزارات والحكومات المتعاقبة.

"الإشكالية تتمثّل في غياب التنفيذ"

من جهتها، تقول أستاذة السياسات العامة والإستراتيجيا في الجامعة اللبنانية، الدكتورة لور أبو خليل، لرصيف22: "الدولة تمتلك الإطار القانوني الواضح لتنظيم قطاع النقل العام حيث تمتلك القوانين اللازمة للشروع بالتنفيذ مثل قانون تنظيم السير رقم 243 لسنة 2012، علاوة على المراسيم التنظيمية التي تتعلّق بسيارات الأجرة والنقل المشترك".

كما تشير أبو خليل إلى ما تمتلكه الدولة من صلاحيات جمّة في هذا المجال، مثل صلاحية وزارة الأشغال العامة والنقل، وصلاحية البلديات للتنفيذ، وقوى الأمن الداخلي لمراقبة حسن سير عملية التنفيذ، والمراسيم التنظيمية للوحات وسيارات الأجرة والنقل المشترك، مستخلصةً "إذاً، الدولة تمتلك فعلياً جميع الأدوات القانونية لتنظيم قطاع النقل العام، لتبقى الإشكالية ليست في غياب الأدوات بل في غياب التنفيذ، مع الإشارة إلى أن التضارب بين صلاحيات الجهات الفاعلة، تعدّد المرجعيات، مثل وزارة الأشغال، والبلديات، وقوى الأمن، من بين ما يعيق التنفيذ.

وتردف الأستاذة الجامعية بأن عدم تطبيق القوانين الموجودة يرتبط بأسباب سياسية متعلقة بطبيعة القطاع إذ إن النقل العام تحوّل تدريجياً عبر السنوات إلى قطاع نقل خاص. وهنا ظهر مفهوم "الزبائنية"، فالمنطقة التي يهيمن عليها القطاع الخاص يعطّل عمل الدولة خوفاً على مصلحته.

في الوقت نفسه، أصبح إعطاء لوحات نقل عمومية يستغلها وزراء ومسؤولون في إطار المحسوبيات والانتماء المناطقي لا على حسب الحاجة أو التخطيط الحضري، مما يعني أن إعطاء هذه اللوحات بات مرتبطاً بمآرب شخصية لا المنفعة العامة، وفق أبي خليل التي توضح أن أموالاً طائلة تضيع على الدولة اللبنانية جراء مخالفات السير مثلاً بسبب إلغائها في فترات الانتخابات أو وفق الولاءات السياسية، وهذه الأموال كانت لتساعد في تمويل مشاريع مثل النقل العام.

وتنتقد أبو خليل وضع الدولة اللبنانية "حلول ترقيعية غير مستدامة" لقطاع النقل كما في قطاعات حيوية أخرى، دون أي دراسة مسبقة، مشددةً على أن الفساد والمحسوبية يعرقل تنفيذ القوانين في لبنان. وتلفت أيضاً إلى غياب الحماية للسائقين المنظمين (الذي يملكون نمر سيارات عمومية)، مما يعزّز فوضى هذا القطاع. وتختم أبو خليل بالإشارة إلى عدم مطالبة المواطن بحقوقه في النقل العام/ المشترك، مما شجّع الدولة بطريقة غير مباشرة على التغاضي عن تنفيذ هذا الواجب.

"الدولة عاجزة عن تطبيق قوانينها"

ويقرّ رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه، النائب سجيع عطية، في حديثه لرصيف22، بأنه "في لبنان هناك قوانين عديدة للنقل العام لكن بصراحة الدولة عاجزة عن تطبيقها. رغم الحاجة الكبيرة للنقل العام بسبب كثافة السيارات وكلفة النقل وغلاء النفط وأيضاً قلة المواقف والأزمنة الكبيرة". كما يشير إلى أن "مجموعات كبيرة من أصحاب الباصات والنمر هم ذوو نفوذ سياسي لا يمكن السيطرة عليها بسبب قلة هيبة الدولة".

ماذا حدث حين توافر التمويل؟

على مدى الثلاثين عاماً الماضية، أصبح لبنان يعتمد بشكل مفرط على السيارات الخاصة. ووفقاً لتقرير حول النقل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا صدر عام 2019، بلغ عدد السيارات الخاصة المسجَّلة في لبنان 1.2 مليون سيارة عام 2015. كما تشير تقديرات إلى أن نسبة استخدام وسائل النقل العام داخل العاصمة بيروت لا تتجاوز 20% من إجمالي الرحلات اليومية. وتتم معظم هذه الرحلات عبر سيارات الأجرة المشتركة، بينما لا تتجاوز نسبة استخدام الحافلات والشاحنات الصغيرة 2%.

وفي عام 2016، أطلق الاتحاد الأوروبي برنامج دعم إستراتيجيات قطاع البنية التحتية والتمويل البديل (سيسافSISSAF)، الذي يهدف بشكل أساسي إلى تحسين كفاءة وفاعلية تقديم الخدمات والاستدامة المالية في ثلاثة قطاعات من البنية التحتية اللبنانية، وهي الطاقة والمياه والنقل البري، إضافة إلى تحسين فاعلية المساعدات المقدمة لهذه القطاعات، بتمويل كامل من الاتحاد الأوروبي.

لاحقاً، في عام 2018، وافق البنك الدولي على حزمة تمويل بقيمة 295 مليون دولار للمساهمة في إصلاح قطاع النقل المتهالك في لبنان، وخلْق فرص عمل لآلاف العمال اللبنانيين والسوريين.

وفي عام 2019، أطلقت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى لبنان، ساندرا دو وال، مشروع "تشجيع النقل العام الصديق للبيئة" في عدة مناطق، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، بقيمة إجمالية تناهز 1.2 مليون يورو.

رغم هذه البرامج المتتابعة وهذا الدعم المادي الدولي لقطاع النقل في لبنان، بقي قطاع النقل العام في لبنان لا يعول عليه، وهنا تظهر أن المشكلة الأساسية في هذا القطاع ربما ليست مالية فقط.

والقطاع الخاص لا يبدو العائق الوحيد أمام خطة إصلاحات كادت أن تنقذ القطاع الحيوي، فغياب النقل العام يجدر اعتباره مسألة سياسية ذات بعد مناطقي أيضاً حيث إن ضعف الربط بين المناطق اللبنانية أدّى إلى بقاء المواطنين ضمن دوائر نفوذ محلية، مما ساهم بدوره في تكريس العزل الجغرافي والاجتماعي بين المناطق.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تستحوذ العاصمة، بيروت، رغم صغر مساحتها على الحصة الكبرى من خدمات النقل فيما تتقاسم بقية المحافظات النسبة المحدودة الباقية، والتي تُستخدم أحياناً لربط المدن الأخرى بالعاصمة.

وفي ما يخصّ دور النقابات، التي ينبغي أن تضطلع بالدور التفاوضي مع السلطات لأجل حقوق أعضائها السائقين، والضغط أحياناً على البلديات والأحزاب لتوجيه سياسات النقل بما يخدم المناطق المختلفة. وقبل أيام، دعت اتحادات ونقابات قطاع النقل البري في لبنان إلى "ضرورة توحيد الجهود وتنظيم الصفوف دفاعاً عن الحقوق المشروعة، وصوناً لكرامة العاملين" في قطاع النقل البري، لافتةً إلى ما يعانونه من "أزمات متراكمة نتيجة السياسات الخاطئة وغياب المعالجات الجدية".

غياب النقل العام لا يرتبط فقط بأزمات السير بل بتكريس الفقر والعزلة حيث تفصل المناطق الريفية عن المركز، ويدفع الطلاب والعمال فاتورة باهظة، ويلجأ كثيرون إلى بدائل اضطرارية غير آمنة كـ"التوك توك"

تبعات الأزمة اجتماعياً

في حديث لرصيف22، يؤكد الباحث في علم الاجتماع، الدكتور سعيد علي نجدي، أن ضعف شبكات النقل العام، يساهم في تكريس العشوائية الحضرية وتعميق اختلالات العمران، في المناطق التي تشهد غياب أو ضعف شبكات النقل.

ويضيف نجدي أن المناطق الداخلية والريفية - الأكثر تضرراً من أزمة غياب النقل العام مقارنةً ببيروت والمراكز الحضرية - تعاني من عزلة جغرافية واجتماعية واضحة، مما يقلّص من فرص العمل ويصعّب الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية للسكان، ويعمّق الفوارق بين المركز والأطراف.

أما عن الفئات الاجتماعية الأكثر تأثّراً بأزمة النقل في البلاد، يوضح الباحث أنهم دون شك الطبقات الفقيرة والشرائح الوسطى، التي غالباً ما تفتقر إلى امتلاك سيارات خاصة وتعتمد على وظائف يومية أو غير مستقرة. فمثلاً، الطلاب والعاملون بأجور منخفضة يجدون صعوبات متزايدة في الوصول إلى الجامعات وأماكن العمل بكلفة معقولة، الأمر الذي ينعكس سلباً على استمراريتهم التعليمية والمهنية ويحدّ من فرصهم الاجتماعية.

وهنا تظهر قدرة أزمة النقل على خلق أزمات اجتماعية متمثّلة بالحد المتكافئ من الحصول على الفرص التعليمية أو المهنية بسبب غياب وسائل النقل أو صعوبة الوصول إليها. لذلك، تلجأ الشرائح الأفقر إلى حلول اضطرارية مثل استخدام الدراجات النارية أو ظواهر مستجدة مثل "التوك توك"، رغم ما تحمله من مخاطر تتعلّق بالسلامة والتنظيم.

علاوةً على الأثر الاجتماعي لأزمة النقل، تدفع البيئة اللبنانية فاتورة باهظة الثمن متمثّلة في تلوّث الهواء بغازات الانبعاث الحراري الذي بدوره يساهم في تغيّر المناخ. تتأثّر التربة والمياه أيضاً، من خلال تسرّب الوقود ومواد التشحيم من المركبات وبقاء مواد سامة وثقيلة في التربة أو المياه.

وبعد عقود من الموت السريري، شهد قطاع النقل العام أخيراً تحسناً تمثّل في دمج شبكة الحافلات الوطنية، باصات لبنان، في خرائط غوغل، مما يجعل التنقل أكثر سهولة ووضوحاً للمواطنين. فيُمكن للركاب بهذه الطريقة فتح هذه الخرائط، وإدخال نقطة الانطلاق والوجهة، واختيار وسيلة النقل العام، والحصول على اقتراحات للمسارات ومواعيد الوصول المتوقعة. على أمل أن تكون هذه الحلول الرقمية خطوة أولى نحو إصلاح فعلي ومستدام في قطاع النقل في لبنان.

*أُنتج هذا التقرير بالتعاون مع فريدريش إيبرت - مكتب لبنان FES.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image