عادةً أكتر الناس اللي بتخاف من الحسد هيي أكتر ناس ما عندا شي تنحسد عليه. وعم قول هالكلام بأسف، مش بفوقية ولا بتعجرف. أنا من هالناس، وبعدني لليوم عم بشتغل إنّي بطّل منهم، ويبدو مشواري بعده طويل.
"علاقتنا بالفرح هشة"
الخوف المفرط من الحسد كل الوقت، غير إنه بيعكس سوء ظنّ بالناس (وبالنفس قبل الناس)، بيفرجي قدّيه علاقتنا بالفرح هشة، وقدّيه استحقاقنا لهيدا الفرح معدوم. إذا صار معنا شي لو بسيط فرّحنا، منخاف يروح، لأنه ما صدّقنا حصلنا عليه وأنه صار معنا.
"بابا معتبر إنه أنا اتطّلقت بسبب "عين"، وإنه أنا وزوجي انحسدنا. وهوّي لو أنا بعرف أيا عين بالزبط هيدي اللي صابتني، كنت ببوسها"
منسافر ومنخاف ننزّل صور كرمال ما تنتزع السفرة، وكأنه ما حدا ركب طيارة غيرنا. منَزّل الصور لما نرجع، لأنه أضمن. إذا حدا قلنا تيابنا حلوين وكبّينا شي بالغلط علين/ منكون "انصبنا بالعين". وإذا حدا قال كلمة حلوة عن ولادنا ومرضوا بعدها، منعرف السبب بكل وضوح: هني نفسهم اللي مدحوهم، لا فيروسات، لا تغيير طقس، وأكيد مش عدوى من شي مكان.
مثلاً بابا معتبر إنه أنا اتطّلقت بسبب "عين"، وإنه أنا وزوجي انحسدنا. وهوّي لو أنا بعرف أيا عين بالزبط هيدي اللي صابتني، كنت ببوسها، لأنه رغم إنه زوجي كان أحسن إنسان على وجه الكوكب (وبالفعل هيك كان وبعده)، أنا ما كنت مبسوطة بالزواج وما كنت حاسة حالي بالمكان الصحيح. فإذا إنتَ أو إنتِ اللي صبتيني بالعين: شكراً.
"الله يسترنا من هالضحكات"
كانوا لما ستّي وعماتي يجتمعوا، وحدا يقول نكتة أو شي بيضحّك ويضحكوا الحاضرين، كنت اسمع ستي تقول: "الله يسترنا من هالضحكات". ومن هون يمكن بلّشت فكرة إني خاف كل ما يصير معي شي منيح. كل ما يزبط شي معي، بوقف لحظة وبجرّب صدّق. للوهلة الأولى بخاف صدّق وبضلّ ناطرة الشي اللي رح ينزع الفرحة.
"الدين ما طلب منّا نعيش خايفين من بعض ولا نراقب ضحكتنا ولا نخفّي سعادتنا كأنها عيب"
في شب كنت عم بتعرّف عليه حديثاً. كانت ماشية الأمور وكنّا كل ما نقضي وقت حلو وكل ما حسّ بسلاسة بالعلاقة، كنت خاف. هوّي كان يفرح ويتفاءل.
اليوم حضرت بودكاست لبروني براون، وفهمت أكتر شو عم بيصير معي. بتفسّر براون كيف إنه أكتر شي بيخوّف الناس هوي الفرح وإنه فيه ناس بتفضّل تضلّ عايشة من دون سعادة، على إنها تختبر سعادة مؤقتة، وترجع تتّاخد هالسعادة منها، ويبدو إنّي كنت من هالناس.
"الله أقوى من الحسد"
الحسد والعين مذكورين بالقرآن، وهيدا شي ما فينا ننكره: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، وقول الرسول: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين" رواه مسلم. وحَدِيثِ "ثَلَاثٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الْحَسَدُ وَالظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ. وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إذَا حَسَدْت فَلَا تُبْغِضْ وَإِذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّقْ وَإِذَا تَطَيَّرْت فَامْضِ" رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
بس ذكر العين والحسد بالقرآن والسنّة ما بيعني إنه نعيش حياتنا أسرى إلهم، ولا إنه نصير نشوف الناس كلّهم كمصدر لزوال النعم علينا، ولا إنه نخاف من الفرحة كأنها تهمة.
الإسلام، إذا منرجع لأصوله ما بربّي إنسان هشّ ضعيف خايف من الفرح. بربّي إنسان عنده ثقة بالله، وحُسن ظن، وإنسان مرتاح مع نفسه أكتر، وعنده شوية سلام داخلي. ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
قال النبي: "العين حق"، وقال أيضاً: "إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث". وسوء الظن بالناس، خصوصاً لما يكون افتراضي ودائم، ما بيكون وعي ديني و"معرفة" بما ذُكر بالقرآن والسنّة… بيكون خوف.
بيقول ابن القيّم في " زاد المعاد في هدي خير العباد" إن العين حق، بس ضررها ما بيوقع إلا بإذن الله، وإنه أقوى وقاية مش الهلع، بل الطمأنينة، والذِكر، والثقة. لا الخوف، ولا التخفّي، ولا إنكار النعمة.
الغزالي من جهته في "إحياء علوم الدين" بيربط الخوف المبالغ فيه من زوال النعم بضعف اليقين لأنه المؤمن الحقيقي بيعرف إنه النعمة ما إجت من الناس، فبالتالي زوالها مش مرتبط بالناس. ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. يعني إذا إجا الفرح، بيكون إجا من الله. وإذا راح، بيكون راح بإذنه. عالأغلب السبب مش "عين" رفيقتك، ولا حماتك ولا بنت خالتك يا عزيزتي.
الدين ما طلب منّا نعيش خايفين من بعض ولا نراقب ضحكتنا ولا نخفّي سعادتنا كأنها عيب.
"كانوا لما ستّي وعماتي يجتمعوا، وحدا يقول نكتة أو شي بيضحّك ويضحكوا الحاضرين، كنت اسمع ستي تقول: "الله يسترنا من هالضحكات". ومن هون يمكن بلّشت فكرة إني خاف كل ما يصير معي شي منيح. كل ما يزبط شي معي، بوقف لحظة وبجرّب صدّق"
بتذكّر سمعت شي كتير حبّيته بيقول: "الصديق الحقيقي مش هوي الصديق اللي بتلجأله وقت الشدة، هوي الصديق اللي بيكون عبالك تخبره قبل كل الناس لمّا يصير معك شي منيح".
الخوف من العين والحسد مش ورع، غالباً هو علاقة مش متصالحة مع الفرح، ومع الاستحقاق، كأنه فيه جوّاتنا صوت عم يقلّنا كل الوقت: "انتبه، هالفرح مش إلك، أو ما رح يطوّل، أو إنت ما بتستاهله من الأساس"، بس الإيمان الحقيقي بيقول العكس: افرح، واتّكل على الله، وكمّل. مش لأنه الحسد مش موجود، بل لأنه الله أقوى من الحسد وأكبر.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
