كانت زيارتي إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، في دورته السابعة والخمسين، مختلفة عن سابقاتها. لم أذهب لاقتناء كتب جديدة لكتّابي المفضلين وضم أسماء أخرى إلى القائمة، ولم يكن بدافع حضور ندوات ثقافية تشتبك مع قضايا عامة أو نخبوية بدرجة ما، كما اعتدت أن أفعل سابقاً، بل ذهبت في محاولة لاستكشاف أسباب إقبال "جيل زد" على المعرض بشكل لافت هذا العام وأبرز المواضيع والفاعليات التي يهتمون بها.
رافقني أبناء "جيل زد"، المولودون في الفترة بين منتصف تسعينيات القرن العشرين وبدايات العقد الثاني من القرن الحالي، الكتاب منهم والقراء خلال هذه الزيارة. وبمجرد أن وطئت قدماي أرض معرض القاهرة للكتاب في القاهرة الجديدة، وجدت نفسي محاطاً بالعشرات منهم، بعضهم يقصد المعرض للتنزّه وآخرون لإثبات حضورهم المبكر في عرس ثقافي سنوي بهذا الثقل، وبين الفريقين هؤلاء الذين يجوبون الأجنحة للاقتناء والاطلاع على أحدث الإصدارات.

لذا، لم أستغرب تخصيص الهيئات الحكومية والمؤسسات الثقافية المشاركة الكثير من الفاعليات والندوات والمؤلفات لهذا الجيل بما يتناسب مع متطلباته واهتماماته حيث يأتي إقباله على المعرض على النقيض تماماً من الاتهامات المتكرّرة لهذا الجيل بأنه يستقي ثقافته من الإنترنت أكثر من الكتب والورق، ولا يكترث للتاريخ والمعرفة وتوسيع آفاقه، ويحبس نفسه داخل فقاعة الهواتف الذكية وعالمها.
"البعض يرانا الجيل الرقمي المدلل. لكننا نعيش أزمة حقيقية"... حضور لافت لـ "جيل زد" في معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ57، سواء كمؤلفين أو قراء، فما هي أبرز المضامين التي تركّز اهتمامهم عليها؟ وإلى أي مدى تؤثر التكنولوجيا في علاقتهم بالكتب الورقية؟
إقبال على الخيال وعلم النفس
في حديثها إلى رصيف22، تقول طالبة الفنون التطبيقية، دعاء محمد (24 عاماً) إن زيارة معرض الكتاب طقس سنوي لديها حيث تجدها فرصةً لاقتناء أحدث الإصدارات لكتابها المفضلين وتحدّد أبرزهم في حنان لاشين وعمرو عبد الحميد، واشتهر الثنائي خلال السنوات الأخيرة وحققت أعمالهما مبيعات ضخمة في أدب الفنتازيا.
أمام رف يعج بهذه الأعمال، في جناح دار "عصير الكتب"، أخبرتنا دعاء عن ما يجذبها في هذه العوالم، قائلةً: "أقرأ لكثير من الكتاب لكن أميل أكثر إلى الخيال والإثارة والكتابة التي تخاطب ضميري وتحلّل الشخصيات. أشعر بالحماسة كلما قرأت صفحة وأنتظر ما سيحدث للبطل".
وتردف الطالبة الجامعية بالإشارة إلى انسجامها مع العوالم الخيالية التي ينسجها عمرو عبد الحميد، مؤلف "أرض زيكولا"، وتعلّقها بالمؤلفات التي تدور حول النفس البشرية، وتؤكد أنها مولعة أيضاً بأدب الأديب الروسي فيودور ونظريات الطبيب النمساوي سيغموند فرويد التي حاول من خلالها تفكيك صراعات البشر ومدلولات غرائزهم.
بصمة قوية للتكنولوجيا
داخل جناح "روايات مصرية للجيب"، التي انطلقت في منتصف ثمانينيات القرن العشرين وشملت سلاسل روايات خيال علمي من أشهرها "رجل المستحيل" للراحل نبيل فاروق و"ما وراء الطبيعة" للراحل أحمد خالد توفيق، تكثر العناوين المرتبطة بالفنتازيا والعوالم الافتراضية.
وفيه، التقى رصيف22 أحمد مسعد أحد كتاب "جيل زد"، والذي التف حوله عدد من الصغار والمراهقين ومحبي الفنتازيا. يقول مسعد إنه أصدر تسعة أعمال متنوعة بين القصص القصيرة والروايات خلال نحو عقدٍ من الزمن. ويضيف صاحب الـ29 عاماً أن أعماله تستهدف "جيل زد" الذي ينتمي إليه.

في أحدث مؤلفاته، "بارادي... الروبوت الذي عثر على الجنة"، يسرد مسعد ملامح عالم رقمي بالكامل تتغيّر فيه حياة البشر الذين تحوّلوا إلى بيانات يلتقون خلال هذه الرحلة بالروبوت الذي يسعى إلى تغيير مفهومهم عن الحياة، وهي رحلة تمسّ حياة أجيال باتت التكنولوجيا سلاحها ولغتها. "المستقبل ترسمه علاقتنا بالتكنولوجيا وهي حقيقة يصعب تجاهلها أو الهروب منها"، يقول لرصيف22.
شق مسعد طريقه إلى عالم الأدب من بوابة الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق، فهو بالنسبة إليه الأب الروحي الذي من خلاله تعرّف إلى القراءة والأدب ولاحقاً نجيب محفوظ وخيري شلبي وطه حسين وغيرهم من الكتاب. ويلفت مسعد إلى حضوره الندوات والمشاركة في تصميم الرسومات قاده إلى إصدار كتابه الأول، "خطايا آدم"، معتبراً أن أدب الفنتازيا سيظل مطلوباً خصوصاً لمن هم أصغر سناً حتى تتشكّل هويتهم.
كما يرفض الكاتب الشاب اتهام "جيل زد" بالسطحية، موضحاً أنهم في طور التكوين مدلّلاً على ذلك بأنه بدأ بأدب الرعب والأدب الكلاسيكي، قبل أن يتحوّل إلى القراءة لكبار الأدباء القدماء.

الأزمات محرّك هذا الجيل
الطالب في كلية الذكاء الاصطناعي في جامعة المنوفية، علي البحيري، هو أيضاً أحد مؤلفي "جيل زد" في معرض الكتاب هذا العام. يقول لرصيف22 إن أبناء جيله "يتقاسمون المشاعر ذاتها وتحديداً الرغبة في الهروب من الواقع والخروج من الصندوق عبر كتابات الخيال العلمي". باكورة كتابات البحيري هو كتاب خواطر بعنوان "البعض نحبهم"، ولا يروي فيه قصة حب واحدة بل يفرغ فيه مشاعره على الورق للتدوين عن الحب بشكل عام.
تؤكد مصطفى أن "دار النشر عليها أن تلبّي احتياجات السوق ومن يمتلك الموهبة ندعمه ونقدمه للجمهور"، مشددةً على أن الجيل الصاعد في الكتابة أثبت أنه قادر على التعلم وتطوير أدواته ويستثمر الفرص التي تتاح إليه بالانخراط في ورش الكتابة الأدبية
ويلفت البحيري في نهاية حديثه إلى مسلسل "ميد تيرم" الذي عُرض حديثاً وهو يتناول حياة مجموعة من الطلاب الجامعيين في إحدى الجامعات الخاصة في مصر، ويسلط الضوء على الأزمات - لا سيّما النفسية - التي يواجهونها حيث يبوحون بأسرارهم ومشكلاتهم الأسرية في جلسات علاج جماعي بواسطة طبيب نفسي.
وسلط "ميد تيرم" الضوء على ما يعانيه بعض أبناء "جيل زد" من تفكّك أسري قد يدفعهم إلى الهروب من واقعهم إلى الفضاء الرقمي حتى قبل الاصطدام بما هو أصعب بعد انتهاء الدراسة والانطلاق في حياة العمل المسؤوليات المتعدّدة.
عن النجاة والمقاومة
خارج دائرة أدب الرعب أيضاً، ترسم الاضطرابات النفسية والبحث عن النجاة ومقاومة انكسارات الحياة عوالم كتاب آخرين من "جيل زد". تشارك الطالبة الجامعية سارة عماد (20 عاماً) في المعرض هذه السنة بثاني أعمالها، وهي مجموعة قصصية بعنوان "ما وراء الجدار".

تدور المجموعة القصصية في عالم نسائي صغير يعتصره الألم النفسي، فتيات خذلتهن الحياة وأنهكتهن الصراعات الداخلية، خلف الجدار الصامت تخوض البطلات معارك لترميم شقوقهن الداخلية والتخلّص من براثن الألم والبحث عن ضوء في آخر النفق، عالم نسجته عماد من قراءتها في علم النفس وتحليل السلوك البشري.
تقول عماد لرصيف22: "كتاباتي تركّز أكثر على الصحة النفسية باعتبار أنها بيت الداء. أحاول من خلال قصصي أن أرسم صورة للاضطرابات التي نمر بها، وأوصل بها صوت جيلي سواء لمن هم في نفس سني أو أكبر".
وعن النظرة النمطية لأبناء جيلها، تتابع: "البعض يرانا الجيل الرقمي المدلل. لكننا نعيش أزمة حقيقية تتمثّل في أن أسرنا لا تعرف ما تحتويه أفكارنا ومشاعرنا… التكنولوجيا قد تكون نعمة لمن يوظفها في خدمته وقد تكون نقمة إذا أسيء استخدامها، فهي مجرد وسيلة وأداة".
قدرة على التعلّم وتطوير الأدوات
وفرض حضور "جيل زد" معرض الكتاب نفسه على دور النشر التي سعت الكثير منها إلى استقطاب المواهب الشابة ودعم كتابات اليافعين بتنمية وصقل موهبتهم من خلال ورش أدبية، بحسب ما توضح مستشارة النشر الثقافي لـ"روايات مصرية للجيب"، نوال مصطفى، حيث تعمد دور النشر إلى اجتذاب جميع الأجيال بأعمال تخاطب جميع الشرائح العمرية.
"أدب الرعب لا يزال يجذب مريدين كثراً، لم يتوقّف هذا منذ جيل الرواد عبر سلسلة 'رجل المستحيل' لنبيل فاروق و'ما وراء الطبيعة' لأحمد خالد توفيق… استمر هذا مع أجيال الوسط وتنضم إليه أجيال جديدة الآن"، تقول مصطفى، مردفةً بأن "دار النشر عليها أن تلبّي احتياجات السوق ومن يمتلك الموهبة ندعمه ونقدمه للجمهور".
وهي تشير إلى أن الجيل الصاعد في الكتابة أثبت أنه قادر على التعلم وتطوير أدواته ويستثمر الفرص التي تتاح إليه بالانخراط في ورش الكتابة الأدبية، مستدركةً "هو جيل رقمي لكنه أيضاً مهتم بالقراءة والكتابة بدليل أنه يكتب ويشتري كتباً".
تقول ناجي إنها متفائلة للغاية لهذا الجيل، لا سيما لما لديه من "قدرة كبيرة على المواكبة، وأفكار خلّاقة، وكتابة عصرية فيها تجديد"، وهي ترفض وصم "جيل زد" بالضحالة، مبرزةً أن مشكلة هذا الجيل هي أنه لا يجد من يرشده إلام يقرأ
"جيل لم يجد من يرشده"
خلال مسؤوليتها عن تنسيق محور "جيل يكتب العالم بطريقته" في معرض القاهرة للكتاب، اقتربت الكاتبة والروائية المصرية نورا ناجي أكثر من "جيل زد"، تحديداً في الصالون الثقافي بالمعرض الذي خُصّص للاستماع إلى أصواتهم وبناء صورة عن التحديات التي تواجههم ومحاولة تفكيك الكثير من الإشكاليات.
تقول ناجي لرصيف22، إنها متفائلة للغاية لهذا الجيل، لا سيما لما لديه من "قدرة كبيرة على المواكبة، وأفكار خلّاقة، وكتابة عصرية فيها تجديد"، مشددةً على أن إقبال جيل زد على الكتابة بل والقراءة باللغة العربية لافت ويدحض النظرة النمطية لهم. وترفض ناجي وصم "جيل زد" بالضحالة، أو التماهي مع تيار ثقافي يحاول أن يحط من مواهبه وإقباله على القراءة أو يتهمه بالانعزال، مبرزةً أن مشكلة هذا الجيل هي أنه لا يجد من يرشده إلام يقرأ.
وتشرح ناجي أن هذا الجيل عادةً ما يبدأ بقراءة أدب الجريمة ومواد مسلية عن العنف أو الإثارة لكن سرعان ما يعدّل مساره ويتجه إلى الأدب الحقيقي حين تسنح له فرصة التعرّف إليه، منبهةً "يجب أن لا نسخر من هذا الجيل لمجرد أنهم يقرأون لكاتب فنتازيا أو غيره… هذا طبيعي، وهي بداية لا بأس بها لأنهم يبحثون عما يوفر لهم التسلية، وبعد سنوات يعدّلون خياراتهم ويذهبون لألوان أدبية أعمق وأكثر تنوعاً".
وتلفت ناجي إلى أن هذا الجيل قد يحدث فارقاً لكون أفراده ولدوا في زمن عاصر أحداثاً صعبة من حروب وأوبئة، ناهيك بالتطوّر التكنولوجي الكبير، وجميعها عوامل قد تفرز تجارب أدبية مختلفة بما في ذلك على سبيل المثال الرعب العلمي.
ووفق الهيئة العامة المصرية للاستعلامات، تجاوز عدد زوار المعرض في نسخته الحالية 6 ملايين زائر، ليصبح أكبر عدد من الزوار في نسخة واحدة في تاريخ المعرض والذي ناهز سابقاً 5 ملايين و500 ألف زائر. وانطلقت الدورة الـ57 في 21 كانون الثاني/ يناير 2026 واختتمت في 3 شباط/ فبراير، تحت شعار: "من يتوقّف عن القراءة ساعة يتأخّر قروناً".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
