شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
أحمد حلمي الذي خدع جيل زد

أحمد حلمي الذي خدع جيل زد

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الثلاثاء 2 يوليو 202412:08 م

خدعني أحمد حلمي، بل خدع جيلاً كاملاً، أو ربما المسألة شخصية وأنا من أحاول تعميمها، اسمع عزيزي القارئ القصة كاملة وأنت من سيحكم.

بدأت قصتي مع أحمد حلمي بطريقة مختلفة قليلاً، بشكل غير مباشر، ساهم حلمي في تكوين أجزاء من شخصيتي. كان دائماً يقدم دور الشاب هزيل الجسد، ليس بالسيء شكلاً، يتميز بخفّة دمه، وفي نفس الوقت غبي التصرّف، محب بصدق، حتى أنه يعمل في وظائف تقليدية في كل أعماله ما بين خدمة العملاء والمطاعم والبنوك، لم يكن يوماً  خارقاً للطبيعة بل يمكن قياس التقليدي عليه، ولهذا كان من الطبيعي أن أرى فيه المثل الأعلى، أو للدقّة "القدوة الممكنة".

تقع في حبّه أجمل الفتيات، بل أحياناً تحبّه بشدة وتترك من أجله الفتى شديد الوسامة، مفتول العضلات، الذي لا يتردّد لحظة في أخذ أي حوار لمنحنى جنسي، يهملها بشدة ولا يهتم لتفاصيلها، ولا يجد مانعاً في أن يخونها، يمكن تسميته بمصطلحات العصر الحالي بـ "الشخصية التوكسيك" أو الشخصية المليئة بالـ "red flags".

لم تحبني أجمل الفتيات يا حلمي، لتصرفاتي واهتماماتي الغريبة أو لاهتمامي بتفاصيلها. لم تشفع لي خفّة دمي، بل فاقمت من الوضع. أصبحت أنا الحب من طرف ثالث الذي سخرت من شخصياته في أعمالك. إننا نحن يا حلمي "الحب من الطرف الثالث"

وبعد أعوام من التأثر وحين حانت لحظة التطبيق، كانت الصدمة. لم ينتصر هذا الشاب الهزيل الأهوج، بل لم يكن طرفاً في المنافسة من الأساس. كان النصر محسوماً لهذا الشاب "التوكسيك". تعترف الفتاة أنه يضرها وأنه مؤذ لها، ولكنها لا تستطيع الابتعاد عنه أو التوقف عن حبه، وكل مرّة تتشجّع في التخلي عن تلك العلاقة تعود إليها، وكأن هناك رباطاً سحرياً يشدّها إليها كل مرة، تتحجّج بأنه وعدها بالتغير تلك المرة، وبأنه لن يكرّر أخطاءه، ولا تمر أيام إلا وتعود العلاقة إلى شكلها القديم أو حتى أسوأ.

وأنا هنا أقف في المنطقة المعروفة بالـ "الفريندزون"، ويتلخّص دوري في تلك العلاقة بأنني مستمع جيد، وشخصية شديدة التفهّم والاستيعاب، وناصح حكيم، لا تُؤخذ نصائحه على محمل الجد. ربما أكون على دكة الاحتياطي، ولكن حتى حين تنتهى تلك العلاقة بدموية شديدة، وأبتهج أنني أخيراً صرت "البديل المثالي"، تفاجئني بأنها غير مستعدة الآن للدخول في علاقة جديدة، وأنها تحتاج وقتها للتعافي، وأنها تعتقد أنها ستعيش وحيدة للأبد، أما أنا... إما أنا فأرضى بالجلوس على دكة الاحتياط، رغم علمي أنني لن ألعب أبداً، أو أقرّر الانسحاب المؤلم وخوض رحلة التعافي من علاقة لم أدخلها من الأساس.

لولا أننا تسلمنا منكم عالماً فاسداً لما أصبحنا "جيل بايظ" على حد قولكم. "من الآخر يا عمو، أنتم قتلتم القتيل وماشيين في جنازته"

لم تحبني أجمل الفتيات يا حلمي، لتصرفاتي واهتماماتي الغريبة أو لاهتمامي بتفاصيلها. لم تشفع لي خفّة دمي، بل فاقمت من الوضع. أصبحت أنا الحب من طرف ثالث الذي سخرت من شخصياته في أعمالك. إننا نحن يا حلمي "الحب من الطرف الثالث".

والأمر لا يتعلق بي شخصياً بل هي سمة جيل، جيل زد الذي أنا من طلائعه، فالسُمّية في العلاقات فيه مذمومة ومرغوبة، بل يصل الأمر إلى الحد التبجّح والقول إن العلاقات المريحة المستقرة مثيرة للاشمئزاز، وإن لم يتخلّل العلاقة جرعات من الأدرينالين الناتج عن التلاعب النفسي فهي علاقة مملة، ويُفسّر بعض الأطباء النفسيين مثل تلك التصرفات أنها نتيجة إساءات تربوية؛ نفسية وجسدية.

وحتى إن لم نكن نحن المتسبّب الرئيسي في مثل تلك المشاكل، فإدراكنا الواعي لكونها مشاكل بدون حل هو الخطر الحقيقي.

ومن إسهامات هذا الجيل في عالم العلاقات مصطلح الـ "situation ship"، ولا نجد له ترجمة حرفية في القواميس العربية، ولكن يمكننا شرحه للأجيال الأكبر بكونه اتفاقاً ضمنياً بين الطرفين على وجود علاقة عاطفية وجسدية غير رسمية، أهم شرط فيها، عدم التزام أي من الطرفين تجاه الآخر، ففي اللحظة التي سيشعر فيها أحد الطرفين أنه ملتزم تجاه تلك العلاقة، يبدأ القلق والاضطرابات التي يمكن، بمنتهى البساطة، الهروب من مواجهاتها بالتحول إلى شبح أو الـ "ghosting"، ومرّة أخرى، إن كنت من كبار السن فاطمئن، لا علاقة للأشباح والعوالم السفلية بالموضوع، بل الـ "ghosting" هو الاختفاء التام من حياة الطرف الآخر، بدون تقديم أي أسباب أو مبرّرات أو أعذار.

من المؤكد أنك أدركت ولو جزءاً من عالم العلاقات التي يعيشه جيلي. إن كنت رحيماً ستشفق عليه، وإن كنت قاسياً فسترى أنه جيل فاسد، لا يقل سُمّية عن العلاقات التي يعيشها، وكما يقول كبار السن دائما: "اسفوخس على ده جيل.. جيل بايظ مشافش تربية"، ولكن "يا عمو هو مين اللي بوظنا؟".

قد نكون جيلاً مليئاً بالعيوب، ولكننا أيضاً جيل واع بعيوبه، ويحاول الكثير منا إصلاحها، لكننا لسنا "جيل بايظ يا عمو"، بل عليك أن تعيد سؤال نفسك من هم حقاً "الجيل البايظ"، أما أنت يا حلمي، فلا سامحك الله أبداً

يشير الخبراء أن انتشار ما هو معروف بالـ "situation ships" يعود إلى حالة القلق المادي الذي يعيشه جيل زد على الدوام، نظراً لما مرّ به العالم من اهتزازات اقتصادية في السنوات الأخيرة، ما يضطر جيل زد إلى وضع نفسهم في المقام الأول دائماً لضمان الاستقرار المادي في زمن سريع التقلب، ولهذا وجود علاقة، ذات التزامات قد تعوق الدراسة أو العمل، هي غير مُفضّلة، فلولا أننا تسلمنا منكم عالماً فاسداً لما أصبحنا "جيل بايظ" على حد قولكم، "من الآخر يا عمو، أنتم قتلتم القتيل وماشيين في جنازته".

و"لا يفوتك يا عمو أن جيل زد البايظ" الذي لا يعجبك، هو الجيل الذي سينقذك من ساعات العمل الإضافية بلا أجر، وهو الذي سينقذك من التقدّم إلى فرص عمل بدون العلم بالمرتب المطروح، هو أيضاً الجيل الذي يرفض التقدم إلى طلب وظيفة بدون وجود مسمى وظيفي واضح، بمهام ومسؤوليات واضحة، لا يُسأل عن غيرها، جيل زد هو منقذك من رحى الرأسمالية التي طحنتك لعشرات الأعوام.

ولا تنس يا عمو بأن الوعي بقضايا المناخ التي أهملتها أنت، حتى تحول الأمر لما هو أكبر من مخاوف بحثية تُناقش بل أصبح واقعاً تعيش أنت تبعياته، لم يبدأ نضج الوعي المناخي إلا على يد هذا الجيل "البايظ"، فادعُ له "يا عمو" أن ينجح في إنقاذك قبل أن "تسيح" من الحرارة.

هذا الجيل "البايظ" هو الجيل الذي رفع في أنحاء العالم كله راية فلسطين حرة، هو الجيل الذي اعتصم في حرم الجامعات وتغنى بـ "من النهر إلى البحر ستصبح فلسطين حرة"، هو الجيل الذي سُجن وشُوّه مستقبله لدفاعه عن القضية، فجيل زد هو "زياد البسيوني" و"مازن دراز" اللذان سُجنا لتدشينهما حركة "طلاب من أجل فلسطين".

قد نكون جيلاً مليئاً بالعيوب، ولكننا أيضاً جيل واع بعيوبه، ويحاول الكثير منا إصلاحها، لكننا لسنا "جيل بايظ يا عمو"، بل عليك أن تعيد سؤال نفسك من هم حقاً "الجيل البايظ"، أما أنت يا حلمي، فلا سامحك الله أبداً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard