للمرة الأولى في التاريخ، يشارك 48 منتخباً في نهائيات كأس العالم القادمة والمقرّرة في صيف 2026، بعدما جرت العادة منذ نسخة عام 1998 أن يتواجد 32 منتخباً فقط في البطولة. علماً أن عدد المنتخبات المشاركة في النسخ الـ13 الأولى تراوح بين 13 و16 منتخباً.
للمرة الأولى أيضاً، ستنظم ثلاث دول البطولة الأشهر والأكثر متابعة في كرة القدم بالتزامن، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. وقد أجريت جميع نسخ البطولة السابقة في دولة واحدة فقط، باستثناء نسخة كأس العالم 2002، التي كانت أول نسخة تلعب خارج قارتيّ أوروبا وأمريكا، ونظمتها كوريا الجنوبية واليابان بالمشاركة.
هذه الزيادة في أعداد الفرق، وبالتبعية في أعداد المباريات، الهدف الأساسي منها هو إطالة أمد البطولة، المقررة بين 11 حزيران/ يونيو حتى 19 تموز/ يوليو، والاستفادة المادية من زيادة عدد المباريات. هذا الأمر الذي سيعود على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالكثير من الأرباح، وستحظى المنتخبات بجانب من الأرباح، خصوصاً تلك التي ستذهب إلى أبعد مدى في البطولة. وربما يفوز الجمهور أيضاً بمشاهدة أطول ومباريات أكثر تنافسية وإثارة.
لكن هل تزيد "المتعة" و"المتابعة"؟ هذا هو السؤال الذي يبحث عن إجابة في هذا التقرير، لا سيما بالنظر إلى المخاوف التي يثيرها فاعلون ومتابعون لكرة القدم حول إرهاق اللاعبين واستنزافهم في كثرة المنافسات (مع الأندية والمنتخبات) على مدار العام وما قد يترتب على ذلك من لحظات مؤلمة لإصابات قلبية وإرهاق وخسارة مواهب لافتة، وأحياناً إصابات جسدية خطيرة، تبقى عالقة في أذهان الجمهور، ويلقى بأصابع الاتهام فيها على تحوّل هذه الرياضة الأكثر شعبية إلى وحش لا يرى سوى الأرباح ولا يبحث سوى عن الأموال.
يواصل القائمون على كرة القدم في العالم البحث عن الأرباح من دون اعتبار لـ"المتعة" ولمبدأ "الكرة للجماهير"، فهل تتحوّل الرياضة الأكثر شعبية إلى وحش لا يرى سوى الأرباح وإن ابتلع في سبيل ذلك رأس ماله الأساسي، اللاعبين؟
تبرير غير مقنع من الفيفا
برّر رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، قرار زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم بأن وجود 16 منتخباً إضافياً يعطي الفرصة لتمثيل المزيد من البلدان والمناطق من حول العالم في "أهم منافسة في العالم". ورفض إنفانتينو الانتقادات التي طالت هذا التغيّر الكبير في نظام البطولة، والتي أتت بالدرجة الأولى من مدربين ولاعبين ومحللين واتحادات كروية.
من بين هذه الانتقادات أن تقدمت رابطة نقابات والدوريات الأوروبية، في خريف العام 2024، بشكوى ضد الفيفا أمام المفوضية الأوروبية، بسبب فرض الفيفا لمباريات دولية جديدة، وقد ركّزت الشكوى بشكل خاص على مونديال 2026، الذي سيشهد 104 مباريات بدلاً من 64 مباراة، كما في النسخ السابقة. فضلاً عن كأس العالم للأندية.
وحذّرت الرابطة الأوروبية من أنه "يُشكّل جدول مباريات كرة القدم الدولية المزدحم خطراً على سلامة اللاعبين ورفاههم، ويهدّد الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية للمسابقات الوطنية الهامة التي استمتع بها المشجعون في أوروبا والعالم لأجيال". وكان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) قد رفض فكرة "دوري السوبر الأوروبي" لهذه الاعتبارات.
وفي وقت يصرّ فيه الفيفا على أن زيادة عدد المنتخبات هدفها إعطاء الفرصة لعدد أكبر من الفرق بالمشاركة، ومنح المشاهدين قدراً أكبر من "المتعة"، فإن الأصوات المنتقدة ترى أن الفيفا "استغل سلطته التنظيمية لتعزيز مصالحه التجارية على حساب الشركاء الاجتماعيين (اللاعبين والاتحادات)"، أي أن الفوائد تعود عليه وعلى الشركات الكبرى التي تتعامل مع كرة القدم كاستثمار أو أداة رأسمالية تدرّ الأموال.
الفيفا والشركات الرأسمالية أكبر المستفيدين
يشهد كأس العالم 2026 زيادة عدد المباريات بنسبة 63% مقارنةً بالنسخ السبع الأخيرة، علاوة على أن إقامة المباريات في 16 مدينة في 3 دول، سيؤدي حتماً إلى إرهاق اللاعبين والجمهور على السواء حيث سيقطعان أحياناً آلاف الكيلومترات لأداء المباريات أو متابعتها.
في مقابل ذلك، وبينما سيستنزف اللاعبون نفسياً وجسدياً ومادياً فإن الأرباح ستعود على الفيفا وشركات الطيران والفنادق وشركات السياحة والاتصالات وسلاسل المطاعم وشركات الإعلانات وغيرها.
الجمهور ليس أفضل وضعاً، فسيتحمل مشقة وكلفة التنقل والسفر بين الدول والمدن، وكلفة الإقامة لفترات أطول.
هل تصبح المدرّجات حكراً على الأغنياء؟
فضلاً عن كلفة السفر والتنقلات وحجوزات الفنادق، أثارت أسعار تذاكر حضور مباريات كأس العالم 2026 غضباً واسعاً حيث ارتفعت خمسة أضعاف مقارنةً بأسعار التذاكر لكأس العالم قطر 2022، وهو ما يزيد الانتقادات للفيفا بتحويل البطولة الأكثر "شعبية" حول العالم إلى بطولة لـ"الأغنياء فقط".
بعد زيادة عدد الفرق المشاركة في المونديال إلى 48، ومناقشة رفعها إلى 64، يبدو أن شره الفيفا للأرباح، عبر زيادة البطولات وعدد المباريات الدولية، ومواصلة رفع أسعار التذاكر والنقل الحصري الباهظ الكلفة، وتوزيع البطولات بين الدول، يسير على نهج ترامب. كيف؟
يعزّز هذا التخوّف أن الفيفا يعتمد في مونديال 2026 نظام التسعير الديناميكي، أي أن سعر البطاقات لن يكون ثابتاً، ويمكن أن يزداد بحسب أهمية المباراة والإقبال على شراء التذاكر أو توقيت شرائها، أي أن تُطرح البطاقة بسعر معين، ثم يرتفع سعرها قبيل المباراة، في ما هو أقرب إلى المضاربة ونظام السوق الموازية. ومبدئياً، ستتراوح أسعار التذاكر بين 60 دولاراً لتذكرة المباراة في دور المجموعات، مقابل نحو 6700 دولار للتذكرة في المباراة النهائية.
وعندما سئل رئيس الفيفا عن الموضوع، قال إنه لم يكن يعلم ما هو التسعير الديناميكي، لكنه يعرف أن الأسعار ترتفع وتنخفض، مبرزاً أن "المهم بالنسبة إلى الفيفا هو أن تمتلئ الملاعب وتسنح الفرصة لأكبر عدد ممكن من الناس لحضور المباريات".
واعتبر منتقدون لنظام التسعير الديناميكي في مباريات المونديال المقبل أنه يمسّ بروح كرة القدم وعدالتها، ويجعل المشاهد غير قادر على معرفة سعر التذكرة في حال قرّر الانتظار حتى معرفة طرفيّ المباراة (في الأدوار الإقصائية أو النهائية) قبل الشراء.
كما يؤدّي التسعير الديناميكي إلى إقصاء طبقي لفئة محدودي الدخل وحتى أبناء الطبقة الوسطى عن حضور المباريات المهمة، بخاصة مباريات نصف النهائي والنهائي حيث يصبح الأمر أشبه بالمزاد العلني.
ويخلق هذا النظام ضغطاً على المشجع حيث سيحتار: هل يشتري التذكرة قبل ارتفاع سعرها، أو ينتظر معرفة هوية الفريقين المتنافسين؟ فيدخل المشاهد في لعبة مضاربة تتناقض مع روحية كرة القدم ومبادئها، بدلاً من أن يكون مشاركاً فاعلاً في العرس الكروي، وجزءاً من الحضور الذي يملأ المدرجات.
تكلفة عالية للمشاهدة عن بعد أيضاً
المشاهدة عن بعد ليست خياراً يسيراً للفئات المحدودة والمتوسطة الدخل أيضاً. فزيادة عدد المباريات ستعني بالضرورة ارتفاع أسعار باقات المشاهدة، وتالياً كلفة إضافية على المشاهد الذي تقول الفيفا إنها تزيد المباريات لتعطيه متعة أكبر. كما أن مشاركة منتخبات إضافية تعني أن بعض هذه الدول سيكون المتابع فيها مضطراً لشراء حقوق البث بأسعار عالية جداً لا تتناسب أحياناً مع الوضع المادي لهذه البلاد. الفُرجة عبر المقاهي والكافيهات ستكون مكلفة كذلك بالنظر إلى زيادة عدد المباريات.
غالباً ما نُظر إلى كرة القدم على أنها لعبة الفقراء، وكان الناس يشاهدون المونديال مجاناً في السابق قبل أن تدخل الشركات الناقلة و"النقل الحصري"، ومن خلفهما الفيفا، على خط المسابقة وحوّلا كرة القدم إلى سلعة تتطلب الدفع، والكثير من الدفع، لمشاهدتها، بعدما لم تعد عوائد الإعلانات الضخمة كافية للمستفيدين من هذه اللعبة الشعبية.
فرق أكثر جودة أقل؟
الانتقادات لزيادة عدد المنتخبات في المونديال انقسمت في اتجاهين رئيسيين. الأول فني إذ إن محللي وخبراء الكرة يرون أن هذه الزيادة ستضعف المنافسة والمستوى العام للبطولة. أما الثاني، فكان في انتقاد التبعات والمخاطر المترتبة على المجهود البدني والعضلي المضاعف على اللاعبين الذين يسافرون إلى منافسات كأس العالم بعد موسم طويل وشاق مع أنديتهم ومنتخباتهم، ورغم ذلك سيضطرون إلى خوض مباريات كثيرة في فترة قصيرة، موزعة على ثلاث دول، وبعده عليهم الالتحاق بأنديتهم للتحضير للموسم التالي.
وسبق أن انتقدت أسماء بارزة، بينها بيب غوارديولا ويورغن كلوب، جدول المباريات المزدحم في كرة القدم الإنكليزية والتوقفات الدولية التي تزيد الطين بلّة، إذ يخوض بعض لاعبي كرة القدم أكثر من 70 مباراة في العام الواحد، بمعدل مباراة كل خمسة أيام تقريباً، بالإضافة إلى التدريبات شبه اليومية وحصص الدروس التكتيكية، في مقابل معدل أربعين مباراة تقريباً في تسعينيات القرن العشرين، وهذا بسبب زيادة عدد المسابقات وعدد الفرق المشاركة في كل مسابقة.
شيئاً فشيئاً، تتحوّل كرة القدم من اللعبة "الشعبية" الأولى في العالم إلى صناعة أو تجارة مكلفة للغاية ومتاحة لـ"الأثرياء فقط"، كيف تكشف التطورات الأخيرة المتصلة بكأس العالم للأندية 2025 وكأس العالم 2026 عن هذا الاتجاه؟
ومن الناحية الفنية، انتقد مدرب منتخب ألمانيا السابق الذي قاده للفوز بمونديال البرازيل 2014، يواخيم لوف، زيادة عدد المنتخبات في كأس العالم والبطولات القارية الدولية، قائلاً إن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض في جودة هذه المسابقات، وإن أظهر تقديره للفرق الصغيرة التي تتاح لها فرصة المشاركة بفضل هذه الزيادة.
على نهج ترامب
في ظل هذه الانتقادات، لا يبدو أن شره الفيفا لزيادة عدد البطولات، وعدد المباريات في البطولات العالمية، وإطالة مدّة البطولات له حدود، إذ نوقش اقتراح زيادة عدد المنتخبات في مونديال 2030 إلى 64 منتخباً، الأمر الذي تعرّض بدوره لرفض وانتقادات لاذعة. لكن لا يبدو أن محاولات القائمين على كرة القدم في العالم ستتوقف، لا سيّما وأن عقلياتهم الاستثمارية لا تختلف كثيراً عن العقلية التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي فرض خلال كأس العالم للأندية الأخيرة ضرائب على أرباح الفرق المشاركة. لم يكتف ترامب بتقاسم أرباح الفرق المشاركة، بل وعلى غير العادة، لم يغادر المنصة عقب تنصيب فريق تشيلسي بالبطولة ووقف يتقاسم الاحتفالات مع لاعبيه. وهكذا يفعل مسؤولو الفيفا، يتسلقون أكتاف اللاعبين لنيل الأرباح ويقاسمونهم فرحة الانتصار التي لم يتكبّدوا أي مشقة فيها.
تتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين كرة القدم التي أحبها الناس، وكرة القدم المعاصرة التي تتحوّل أكثر فأكثر إلى صناعة أو تجارة من كونها لعبة "شعبية" تقوم على المهارة والإبداع. وهذا ما يدفع للتساؤل: هل تنتصر "متعة" كرة القدم على العقلية التجارية للقائمين عليها وتبقى "الكرة للجماهير" أم تتحوّل إلى امتياز لمن لديه القدرة على دفع المال؟ هذا ما سيتكشّف خلال السنوات القليلة المقبلة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
