تتجه الأنظار منذ أيام نحو العراق، بحيث لا تخلو نشرة أخبار من ذكر لرئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، ولا من تعليق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو لأي شخصية أمريكية ممن يحيطون بهذا الأخير عن المالكي وإصراره على الترشّح لرئاسة الحكومة القادمة في العراق. ويمكن اختصار هذه الأخبار والتعليقات بجملتين إخباريتين لا أكثر؛ المالكي يريد أن يعود إلى رئاسة الحكومة وأمريكا ترفض ذلك.
لكن خلف هاتين الجملتين، يختبئ تاريخ طويل من التحالفات والصداقات، ومن المصالح التي يتم الضغط لتحقيقها بوسائل عض الأصابع وليّ الأيدي. كما وتختبئ حركة نشطة للأدوات السياسية الأمريكية والإيرانية في المنطقة، وحركة نشطة أيضاً للاعبين الإقليميين، بما يشبه "الغمّيضة"، والتي يخسر فيها دائماً الطرف المكشوف.
من الطبيعي أن يرفض ترامب مرشحاً عراقياً لرئاسة الحكومة يقف في الصف المناوئ لسياسات الولايات المتحدة. لكن عالم السياسة لا يؤمن بالمستحيلات، وهو أقرب لفهم الابتزاز كأداة سياسية منه لفهم الرفض المطلق
بمعنى آخر، يستطيع أي مراقب أن يفسّر الرفض الأمريكي لترشّح نوري المالكي بأنه رجل إيران في العراق، لكن هل هذا وحده يفسّر تغيّر العلاقة الأمريكية مع الرجل، لا سيما وأنه كان يتمتّع برضا الإدارات الأمريكية السابقة، وتحديداً الإدارة الجمهورية لبوش الابن، والتي في عهدها حدث الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وفي عهدها تم وصول المالكي لرئاسة الحكومة.
وإذا كانت الحرب على إيران وأذرعها تفسّر جزئياً هذا التحوّل الأمريكي حيال المالكي، فكيف يمكن تفسير التحوّل حيال الكرد في سوريا، أو حيال قسد تحديداً، وعدم تدخّل أمريكا لحمايتهم، أو على الأقل لمنع مهاجمتهم من حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع؟ ولماذا لا يهبّ كرد العراق لنجدة إخوانهم في سوريا. أي لماذا هذا التخلّي الأمريكي، على الأقل الظاهري، عن قسد، وهي التي لم تكن يوماً حليفاً لإيران ولا جزءاً من مليشياتها في المنطقة؟
ثم هل يمكننا فهم ما يجري انطلاقاً من العلاقة الأمريكية - الإيرانية، أم أن التركيز على أمريكا في عهد ترامب، وبغض النظر عن أي دولة أخرى على الطرف الآخر من المعادلة، يفي بالغرض؟ أي هل يكفي القول إن ترامب كرئيس خارج عن قواعد العلاقات الدولية والأسس التي تحكمها، وبما يفعله تجاه أوكرانيا وغرينلاند والمكسيك وغيرها، يمكنه أن يفسر هذا التدخل في الشأن العراقي، وتحديداً تجاه عملية ديمقراطية عادية، وتالياً فإن العراق مثله مثل غيره من وجهة نظر هذا الرجل الذي يضرب يميناً وشمالاً دون ضوابط؟
لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، وتقريب فهمنا لما يجري لا بد من استعراض بعض الأحداث السابقة، والمعطيات التي يمكنها أن تنير لنا الطريق نحو هذا الفهم، أو الخروج باستخلاصات تؤشر لما سيجري لاحقاً، ولو أن ذلك لا يبدو بهذه السهولة.
أولاً، جاء المالكي إلى الحكم نتيجة توافق سياسي داخلي بعد فترة إشكالية من حكم إبراهيم الجعفري، والفشل الذي اتسمت به حكومته في بناء علاقة متوازنة مع المكوّنين السني والكردي. وبموافقة من إدارة بوش كرجل يمكن التفاهم معه حول الوجود العسكري الأمريكي في العراق. ورغم أنه كان عضواً في حزب الدعوة الموالي لإيران، إلا أنه لم يكن يتمتع بقوّة الزعماء السياسيين التقليديين، مما جعله مرشح الخروج من الأزمة لا أكثر.
لأسباب لا يتسع لها هذا المقال، ازدادت قوة الرجل، وتحوّل من زعيم للكل، إلى رجل إيران في العراق، ورجل يستطيع القول لبوش في وجهه، حين طلب منه التطبيع مع إسرائيل: أنا صديقكم ولست رجلكم.
ثانياً، إيران دولة قوية بأذرعها وبالميليشيات التي تعمل لمصلحتها، وهذه الأذرع تحتاج إلى إيران في ما يخصّ الدعم بالمال والسلاح والتدريب، وينسحب هذا على الدول الحليفة على قلّتها. فلبنان "حزب الله" كان يحتاج إلى إيران، اليمن الحوثي يحتاج إلى إيران، سوريا الأسد كانت تحتاج إلى إيران، لكن العراق حالة خاصة، فإيران هي التي تحتاج إليه وليس العكس؛ تحتاج إليه مالياً، وكبوابة إستراتيجية على العالم، وكحل لعقدة الاستيراد والتصدير، وكحدود آمنة، والأهم كممر نحو الحلفاء.
وهنا لا بد من ذكر ما يبدو لافتاً في مذكرات وزير الخارجية الإيراني الأسبق، حسين عبد اللهيان، والذي لقي حتفه في حادث طائرة الرئيس إبراهيم رئيسي، حيث يقول صراحة إن إيران تعرف أصدقاءها في كل دول المنطقة، إلا في العراق.
ثالثاً، معطى يفيدنا لاحقاً وهو أن الولايات المتحدة حاربت داعش في سوريا بالاستعانة بقسد، بينما إيران حاربت داعش في العراق بالاستعانة بالحشد الشعبي. صحيح أن العدو المشترك لا يعني وفاق الطرفين، لكن ما يعنينا هنا هو أن الحشد الشعبي قام باستقبال دواعش مخيم الهول قبل أسابيع قليلة، أي بعد الصدام بين حكومة الشرع وقسد، وأمّن نقلهم إلى العراق بطلب أمريكي وبموافقة الحكومة العراقية الحالية.
هل نستطيع القول إن المكوّن الكردي في العراق وسوريا كان يُستخدم كأداة توازن في مقابل المكون الشيعي، في وقت يتشتّّت فيه المكون السنّي بين الولاءات المختلفة، بينما الآن، وبعد حسم الجغرافيا السورية لمصلحة الشرع وامتداداته الإقليمية، لم يعد ثمة مبرّر للمراهنة على التوازنات السابقة؟ أي أن المكوّن السني يتم الاشتغال عليه أخيراً ليضطلع بهذه المهمة؟ ربما.
رابعاً، كيف جاء محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية؟ جميعنا يذكر أن العراق بعد انتخابات عام 2021، وما أفرزته من تقارب في قوة الكتل البرلمانية، قد عاش ثمانية أشهر دون حكومة. لا حزب الدعوة والإطار التنسيقي يستطيع حسم معركة الترشّح، ولا الزعيم الشيعي القوي مقتدى الصدر، كقوّة معتبرَة ويريد حكومة وطنية غير تابعة لإيران كما يدّعي، كان يستطيع ذلك.
فجأة، حصل ما هو غير متوقّع، انسحب الصدر مع كل أعضاء كتلته، البالغ عددهم 73 عضواً، من البرلمان، وبهذه الحالة كان لا بد من تعويضهم بأعضاء جدد ممن لم يحالفهم الحظ بالفوز، أي ممن حصلوا على أصوات اقتربت من الفوز ولم يفوزوا. وللمصادفة البحتة، كانت غالبية هؤلاء الأعضاء من الإطار التنسيقي، أي من حلفاء المالكي وداعميه (تصديقاً لقول عبد اللهيان: تعرف إيران أصدقاءها إلا في العراق).
لكن المالكي كان يعرف أن تاريخه القريب لن يسمح له بإدارة البلاد حتى لو استطاع الفوز، والذي كان مضموناً على أية حال. فدفع بأحد وزرائه في حكوماته السابقة وزميله في حزب الدعوة للترشّح، فكان السوداني. هذا الوزير السابق لم يكن من الزعامات الشيعية التقليدية، ولا رجلاً يدير أحلافاً ولا مليشيات. أي أن فيه شبهاً من المالكي حين أتى إلى الحكومة أول مرة؛ رجل إدارة، ورقة إنهاء أزمة يمكن التحكّم بها، أداة تسوية وإرضاء للداخل والخارج.
نجح السوداني في إدارة الملفات الصعبة، استطاع أن يحارب الفساد، وأن يلتفت إلى بناء الدولة بعقلية إدارية لا حزبية، تملّص بذكاء من السطوة الإيرانية ولم يذهب تماماً إلى حضن الأمريكان، أي أنه أمسك العصا من المنتصف، حاز على دعم دول الخليج ورضاها، واستطاع أن يدير الحشد الشعبي وأن يضبط سلاحه، وجنّب بلاده تبعات الحرب الأخيرة في المنطقة، حتى حين انخرطت فيها إيران بشكل مباشر.
خامساً، ترامب وما أدراك ما ترامب، هذا الذي وصفه توماس فريدمان، في مقاله الأخير في "نيويورك تايمز"، بالرئيس غير الأمريكي لأمريكا. صحيح أن توماس فريدمان ليس ديمقراطياً تماماً، لكن الصحيفة تعبّر عن توجهات الحزب الديمقراطي، وعن احتجاجات الديمقراطيين على سياسات ترامب "المضرّة" بالمصالح الأمريكية وبالقيم الأمريكية وبمستقبل أمريكا.
أعني أن هذا الوصف ربما يدخل في إطار الصراع الحزبي على السلطة لا غير، وربما لا، فالزمن كفيل بتوضيح ذلك. لكن ترامب عيّن مبعوثاً إلى العراق من أصول عراقية كلدانية، هو مارك سافايا، وهذا المبعوث لا يملك أي خبرات دبلوماسية سابقة، بل إن كل أعماله تنحصر في قطاع الماريغوانا الطبية في ميشيغان، ويقال إنه يساعد ترامب أيضاً في إدارة استثماراته في بعض دول الخليج.
في قمة السلام في شرم الشيخ المصرية، صافح ترامب السوداني بطريقة لا تخلو من ود وتقدير، ووصفه بالزعيم القوي، كعادته في وصف أصدقائه. لكن في كلمته أمام الوفود قال إن العراق لديه نفط كثير ولا يعرف ماذا يفعل به، أيضاً كعادته في التعبير عن رغبته في الاستحواذ.
في سياسة الولايات المتحدة، وهنا لا فرق كبير بين الديمقراطيين والجمهوريين، ولا بين ترامب وتوماس فريدمان، لا يوجد حلفاء دائمون بقدر ما يوجد من يضطلع بالمهمة، ويحقّق الهدف، ويحافظ على المصلحة. حصل ذلك مع قسد حين جرى تأهيل الجولاني، وقد يحصل مع السوداني إن تم تطويع المالكي
أما مارك سافايا، ومنذ توليه منصبه، لا ينفك يصرّح، سواء للإعلام الرسمي أو عبر حساباته في مواقع التواصل، عن عراق قوي وديمقراطي وخالٍ من الفساد، وعن ضرورة وجود السلاح في أيدي الدولة، وأن لا مكان للجماعات المسلحة أو للمليشيات. واحتفل أخيراً بعيد ميلاده الأربعين داخل مكتب رئيس الوزراء السوداني، وفي لفتة لطيفة هنأه السوداني بقوله: "قلبك صافٍ… بارك الله في والدك على هالتربية". قصد السوداني تربية الأب البيولوجي العراقي، لا تربية ترامب.
على أية حال، وبأخذ المعطيات السابقة بعين الاعتبار، مضافاً إليها الحرب المؤجلة أو وشيكة الحدوث أو الكلامية بين الولايات المتحدة وإيران، فإنه من الطبيعي أن يرفض ترامب مرشحاً عراقياً لرئاسة الحكومة يقف في الصف المناوئ لسياسات الولايات المتحدة. لكن عالم السياسة لا يؤمن بالمستحيلات، وهو أقرب لفهم الابتزاز كأداة سياسية منه لفهم الرفض المطلق، فلا عجب إن تفاجأنا بأن احترام الحياة الديمقراطية الذي ينادي به سافايا كمبدأ عام، يمكن أن يتحقّق إن تم تطويع المالكي وذلك لتجريد إيران من أدواتها تماماً في بلد تحتاجه هي ولا يحتاجها.
ففي سياسة الولايات المتحدة، وهنا لا فرق كبير بين الديمقراطيين والجمهوريين، ولا بين ترامب وتوماس فريدمان، لا يوجد حلفاء دائمون بقدر ما يوجد من يضطلع بالمهمة، ويحقّق الهدف، ويحافظ على المصلحة. حصل ذلك مع قسد حين جرى تأهيل الجولاني، وقد يحصل مع السوداني إن تم تطويع المالكي.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
