"هو يگدر واحد ياخذها حتى ننطيها (نعطيها أو نتنازل عنها) بعد؟"، جملة لم ينسَها العراقيون حتى بعد مرور نحو 13 عاماً على إطلاق زعيم ائتلاف "دولة القانون" ورئيس الوزراء العراقي لدورتين متتاليتين سابقاً، نوري المالكي، الذي وُصف أحياناً بأنَّه "مؤسس الدولة العميقة" في العراق، وصاحب التوقيع الشهير على حكم إعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
كعادته، يتصدّر اسم نوري المالكي عناوين الأخبار في العراق. هذه المرة بوصفه المرشّح الأقرب إلى منصب رئاسة الحكومة المقبلة، وسط الأنباء عن تنازل نظيره محمد شياع السوداني عن الترشّح لمصلحته، والدعم الذي يتلقّاه من الإعلام التابع لـ"الإطار التنسيقي"، صاحب الأغلبية البرلمانية، الذي يعدّ المالكي ركناً أساسياً فيه.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه التطوّرات كافية ليحظى المالكي بولاية ثالثة لرئاسة الحكومة العراقية؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتأثّر منصب رئاسة الوزراء في العراق بالمعطيات الداخلية والخارجية الراهنة؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.
في ظل الأنباء والتصريحات عن عودته للحكم، تتباين ردود الفعل المجتمعية بشدة حيالها، فالبعض يرى فيه "رجل المرحلة"، فيما يعتبر آخرون ترشيحه "تكراراً للفشل وإعادةً للطائفية والتشنّج"... فهل يحظى نوري المالكي بولاية ثالثة في رئاسة الحكومة العراقية كما يطمح؟
تكرار الفشل vs ترجيح الخبرة؟
بعد سقوط نظام صدام حسين، في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، برز اسم نوري المالكي بقوة ليتولّى رئاسة الوزراء لدورتين متتاليتين (2006 – 2010) و(2010 - 2014). لكن وضع البلاد ساء مع نهاية دورته الثانية بما في ذلك انهيار الميزانية المالية، وتوغّل تنظيم "داعش" الإرهابي وسيطرته على محافظات عراقية عدة وارتكابه أبشع الجرائم منها "مجزرة سبايكر" التي حمّل كثيرون بينهم زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، حكومة المالكي المسؤولية عنها.
واشتعل الخلاف آنذاك بين المالكي والصدر حيث رفض الأخير التجديد لولاية ثالثة للمالكي، ودعم بدلاً منه حيدر العبادي الذي حظي بالمنصب بالفعل.
بالعودة إلى الأنباء المتواترة أخيراً عن عودة المالكي للحكم، تتباين ردود الفعل المجتمعية بشدة حيالها. فالبعض يرى في المالكي "رجل المرحلة"، فيما يعتبر آخرون ترشيحه "تكراراً للفشل وإعادةً للطائفية والتشنّج"، نتيجة للأحداث التي رافقت مسيرته في الدورتين السالفتي الذكر، فضلاً عن مواقفه المثيرة للجدل، خصوصاً بعد أزمة التسريبات الصوتية التي هاجم فيها مقتدى الصدر وأحدثت ضجّة كبيرة في البلاد.
يقول المؤسّس المشارك لمنظمة "إنهاء الإفلات من العقاب" في العراق، علي الخفاجي، لرصيف22، إنَّ "المثير للقلق هو محاولة تسويق حكم المالكي السابق كخبرة لأن فصل الخبرة عن النتائج يجعل القدرة على البقاء في السلطة أهم من القدرة على إدارة الدولة"، مستدركاً بأن سيناريو العودة يعكس أن "التحالفات تُبنى في الغرف المغلقة، والتفسير الانتقائي للدستور، وفرض أمر واقع تحت شعار الاستقرار، مع تهميش صوت الناخب وتحويل العملية الديمقراطية إلى إجراء شكلي".
ويضيف الخفاجي: "طرح المالكي اليوم لا يعكس قوة مشروع سياسي، بل عجزاً بنيوياً في النظام عن إنتاج قيادة جديدة، وميلاً خطيراً إلى إعادة تدوير الأزمات بدلاً من مواجهتها"، مشدّداً على أن "المسألة هنا ليست شخصية، ولا تصفية حساب".
ويطرح الخفاجي تساؤلات مهمة عدّة في هذا السياق: "أي منطق سياسي يقبل أن يُكافأ من أخفق في حماية الدولة بإعادة تسليمه مفاتيحها؟ هل يُعقل بناء مستقبل مختلف بالأدوات ذاتها التي أسست للانهيار؟ وهل يُطلب من العراقيين مجدداً القبول بأن المشكلة يمكن أن تكون هي الحل؟".
ويستدعي حديث الخفاجي بيان مرجعية النجف المتمثّلة في المرجع الديني علي السيستاني عام 2014، الذي دعا إلى "تشكيل حكومة جديدة تحظى بقبول وطني واسع لتضع الحلول الجذرية لمشاكل البلد وأزماته المتراكمة". ولم تدعم المرجعية التجديد للمالكي آنذاك، بل عارضت استمراره في السلطة. وهو الموقف الذي تبنّته أيضاً قبل انتخابات 2018، حين دعت إلى اختيار "غير المجرّبين".
أي دور للصدر والسيستاني؟
استمرت الخلافات بين الزعيم الصدري والمالكي، وامتدت إلى انتخابات عام 2021، والتي حصدت فيها كتلة الصدر قرابة 74 مقعداً نيابياً، وبذلك كانت الكتلة الأكثر عدداً. لكن الصدر قرّر تشكيل "حكومة أغلبية وطنية" بالتحالف مع البيتين السياسيين السنّي والكُردي، من دون إشراك قوى "الإطار التنسيقي الشيعي"، وخصوصاً حزب المالكي، الأمر الذي رفضته قوى الإطار بشدّة ووصل إلى مرحلة اقتتال شيعي - شيعي استمر ساعات قبل أن ينهيه الصدر.
وظهر المالكي آنذاك حاملاً السلاح دفاعاً عن وجوده وحضور الإطار التنسيقي ضمن النظام السياسي. وبعد انسداد سياسي حاد، انسحب الصدر ونوابه من البرلمان، مما فتح المجال أمام الإطار لتشكيل حكومة محمد شياع السوداني، رفيق المالكي في حزب الدعوة، قبل أن ينشق بتيار "الفراتين" ويطرح نفسه ندّاً له لاحقاً.
وعن هذا، يقول المحلل السياسي، محمد نعناع، لرصيف22، إنَّ "الوضع العام ليس في صالح المالكي. مبدئياً هناك انقسام داخل العملية السياسية، بل حتى داخل الإطار حول تولّيه ولاية ثالثة. أمّا موقف الصدر، فأعتقد بأنَّه سيكون متفهّماً ولربما يقبل حتى بالمالكي، أو مرشح يرشحه المالكي ليكون ظلّاً له".
لا يستبعد نعناع أن يكون الصدر "متفهماً" لترشيح المالكي، مستدركاً "الوضع متوتّر جداً، لذلك من الممكن أن تقبل القوى السياسية بأنصاف الحلول أو يمررون بعض الاستحقاقات كي يعبروا الأزمة والوضع الداخلي المتشنّج… لكن ليس بدون بعض القيود والاشتراطات"
ويشرح نعناع: "سيكون الصدر متفهّماً لأن لا أعتقد يريد أن يتحمّل أعباء أن يكون المعارض الوحيد لترشّح المالكي، أو اختيار مرشّح يرشّحه المالكي، لأنَّ المعارضة الوحيدة للتيار الصدري أضرّت به كثيراً خلال المرحلة السابقة منذ انسحابه من العملية السياسية والبرلمان. وعليه، فسيتفهّم وضعه الخاص وتوازنات العملية السياسية ومعادلة السلطة ومتغيّرات المنطقة".
"قبول بأنصاف الحلول"
بعد أن حصل السوداني على أعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية الماضية، تمسّك بكونه جديراً بنيل ولاية ثانية، وهو ما رفضه المالكي بشدة، وأطراف سياسيون آخرون. فاستؤنف صراع السلطة بينهما.
لكن بعد إعلان تنازل السوداني عن الترشّح لمصلحة المالكي، تباينت ردود الفعل وسط صمت مقتدى الصدر، ورفض مرجعية السيستاني التدخّل في هذا الشأن، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية.
وقال النائب بهاء الأعرجي، رئيس كتلة ائتلاف الإعمار والتنمية (الذي يترأسه السوداني) البرلمانية، عبر إكس: "ترشيح السيّد السوداني للسيّد المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، جاء نقضاً لمشاريع الخلاف والنزاع، ومصداقاً على حقيقة مبدأ التداول السلمي، وتغليب المصالح العليا، وإنكاراً للذات، ورسالة لجميع القوى بأن مصالح البلاد تُدرك بالمشاريع لا بالأشخاص، ولتكن سُنة، ومن سن سُنة حسنة فله أجرها".
في غضون ذلك، قالت القيادية في ائتلاف "الإعمار والتنمية"، حنان الفتلاوي، إنَّ الإطار التنسيقي متّفق على ترشيح المالكي بانتظار الإعلان الرسمي، وحسم قرار تيار الحكمة، و"صادقون"، الجناح السياسي لميليشيا عصائب أهل الحق.
ويؤكّد الباحث السياسي نزار حيدر، مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن، لرصيف22، أنَّه "لحد الآن هناك خلاف جاد وحاد في داخل الإطار التنسيقي، لذلك فهو يتريث جداً في الإعلان عن مرشحه لتشكيل الحكومة الجديدة". وأسباب التريث في رأيه هي: المرجعية في النجف، وموقف الصدر، وموقف واشنطن.
أما نعناع، فيعيد التأكيد على أنَّ المرجعية لن يكون لها "فيتو" حاد أو عالٍ كما في عام 2014، لأنَّ الظروف تغيّرت "وما طرحته من فيتو على شخص المالكي كان لصالح المصلحة العامة ولم يكن فتوى. الفتوى تُثبت، بينما الرأي والاقتراح والطلب من حزب الدعوة في وقته كان بسبب التوازنات الوطنية، ولما كان يشكّله المالكي من عبء على الحكومة العملية السياسية".
وفي إشارة إلى المالكي، قال القيادي في "تيار الحكمة"، فهد الجبوري، عبر إكس، إنَّه "بعد فشل الرجل في إقناع الإطار التنسيقي بقبوله رئيساً للوزراء، وفي ظل الرفض السياسي الداخلي وغياب الغطاء المرجعي وتحوّلات المزاج الشعبي فضلاً عن اعتبارات التوازن الإقليمي والدولي بات تمرير هذا الخيار غير ممكن في المرحلة الراهنة".
وربما يكشف هذا الحديث عن موقف زعيم التيار عمار الحكيم، الذي يعدّ ركناً اساسياً في الإطار التنسيقي، على الرغم من عدم وجود إعلان رسمي عن موقفه الشخصي. مع العلم أن القيادي في "الحكمة"، حسن فدعم، صرّح أخيراً بأن المالكي رفض مقترحاً بالانسحاب من الترشيح، مما يعبّر عن تمسّك المالكي بالمضي قدماً في مشروع الولاية الثالثة.
ويقول المحلل السياسي، نعناع، أمرين مهمّين حول إمكان المالكي الظفر بولاية ثالثة، هما إجماع الإطار التنسيقي والمتغيرات الإقليمية والدولية، وكلاهما سيشكل "الخلطة" المقبلة لإدارة معادلة السلطة في العراق.
ويرى نعناع أنَّ "الوضع متوتّر جداً، لذلك من الممكن أن تقبل القوى السياسية بأنصاف الحلول أو يمررون بعض الاستحقاقات كي يعبروا الأزمة والوضع الداخلي المتشنّج، بما يتعلق بكيفية إدارة الدولة والإصلاحات. لكن ليس بدون بعض القيود والاشتراطات، خصوصاً بعد سنوات حكومة السوداني التي أوصلتنا إلى أزمات اقتصادية وسياسية".
ويضيف نعناع أنَّ "المناخ الإقليمي والدولي في المجمل يبدو رافضاً لتولي المالكي ولاية ثالثة. لكن أيضاً، هناك استدراك مهم جداً، وهو أنَّ المناخ الدولي والإقليمي سوف يعتمد على ما يقدّمه المالكي إذا استمر في ترشيح نفسه أو رشّح بديلاً منه، من ضمانات لكيفية إدارة المرحلة المقبلة".
كيف ترى واشنطن ترشيح المالكي؟
فضلاً عما سبق، موقف الولايات المتحدة الأمريكية عامل هامّ أيضاً في مسألة اختيار رئيس الوزراء، خصوصاً مع تزايد دعوات السفارة الأمريكية في بغداد إلى حصر السلاح بيد الدولة، ومنع الجهات السياسية التي تمتلك سلاحاً متفلتاً من المشاركة في الحكومة التنفيذية الجديدة. علاوةً على تحرّكات المبعوث الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، الذي أكدّ أخيراً بعد اجتماعه في البيت الأبيض مع وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، ومدير مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، عزمه زيارة العراق قريباً و"التواصل مع صناع القرار لمواجهة الوضع على أرض الواقع لصالح الشعب العراقي".
من واشنطن، يقول الباحث نزار حيدر إنَّه "حتى هذه اللحظة، واشنطن ترفض كل المرشحين الذين تم تداول أسمائهم في الفضاء العراقي، وهي ترى فيهم أدوات بيد الجارة الشرقية، إيران، وتعتقد أن تشكيل أي منهم الحكومة القادمة يبقي على العراق رهينةً في أيدي طهران، وهذا ما ترفضه واشنطن جملة وتفصيلاً".
يرى حيدر أنَّ "الإطار يأخذ بالاعتبار كل المقاربات السياسية والأمنية والواقعية قبل اتخاذ القرار النهائي في اختيار مرشّحه لتشكيل الحكومة الجديدة، والأزمة الخطيرة الحالية التي تعصف بالمنطقة لا يمكن للإطار أن يتجاهلها أبداً"
ويضيف حيدر: "لا تزال واشنطن تحذّر وتهدّد من مغبّة تشكيل حكومة موالية إلى طهران، أو ستعود وتضع العراق 'على الرفّ' كما يقال، وتستمر في التعامل معه من النافذة الإيرانية، أي فرض العقوبات وعدم التفاعل بشكل إيجابي نشط مع بغداد، وتجميد العمل باتفاقية الإطار الإستراتيجي وغير ذلك من الخطوات التي ستؤثر بالسلب في الوضع بالعراق".
ماذا عن إيران؟
طهران هي الأخرى اعتادت أن تكون لها كلمة - وأحياناً كثيرة التأثير الكبير - في العملية السياسية في العراق. كما يوضع رأيها في الحسبان عند تشكيل أي حكومة أو اتخاذ قرار إستراتيجي، وذلك لأسباب عديدة منها الموقع الجغرافي والامتداد المذهبي الشيعي والعلاقة الأمنية من جانب أذرعها المسلّحة في بغداد.
لكن الأمر قد يختلف هذه المرّة لأسباب من أبرزها موجة الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها بعض المحافظات الإيرانية منذ كانون الأول/ ديسمبر 2025، فضلاً عن معادلة "الشرق الأوسط الجديد"، وتضرّر "المحور" الذي تقوده في المنطقة خلال السنوات الأخيرة بفعل الضربات الإسرائيلية والأمريكية.
ويرى نزار حيدر أنَّه "لا يختلف اثنان على أنَّ الإطار يأخذ بالاعتبار كل المقاربات السياسية والأمنية والواقعية عند اتخاذ القرار النهائي في اختيار مرشّحه لتشكيل الحكومة الجديدة، والأزمة الخطيرة الحالية التي تعصف بالمنطقة لا يمكن للإطار أن يتجاهلها أبداً، خصوصاً أن تأثيرها مباشر على الوضع في العراق بحكم النفوذ الإيراني والحضور الأمريكي في العملية السياسية بشكل عام وبكل مفاصل الدولة".
وما بين إرادة الشعب العراقي، وذكريات التجارب السابقة التي لم تختلف كثيراً عمّا لحقها، يترقّب الشعب العراقي الحكومة الجديدة مع مخاوف عميقة من استمرار الطبقة السياسية بالنهج عينه. فهل يحظى أخيراً بحكومة تلبي طموحاته وتتماشى مع متطلبات المرحلة في العراق والمنطقة؟ أم يستمر تدوير "قادة الفشل"؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



