كيف يستخدم المالكي "عدوّه الصدر" للبقاء على قيد الحياة السياسية؟

الاثنين 21 فبراير 202205:23 م

يعيش زعيم ائتلاف دولة القانون، رئيس الوزراء العراقي الأسبق (2006-2014)، نوري المالكي، في حالة من الحيرة بعد نتائج الانتخابات الأخيرة التي وضعته في موقع المنافس، إذ فاز بـ34 مقعداً بعد انتخابات 2018 التي كانت أقل من هذا الرقم بتسع مقاعد.

مع ذلك لا تصل هذه الأرقام إلى نصف ما حصل عليه في انتخابات 2014، عندما حصد 93 مقعداً من أصل 329، واتُّهم آنذاك بالسيطرة على مفوضية الانتخابات والقيام بعمليات تزوير خلال فترة ولايته الثانية.

الآن، المالكي هو الفائز الثالث في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بعد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الفائز الأول بـ73 مقعداً، وزعيم تحالف تقدّم، محمد الحلبوسي، المنتشي بـ37 مقعداً وصلت إلى نحو 43 بعد انضمام مستقلين إليه.

على الرغم من أن المالكي هو أحد الفائزين الثلاثة الأوائل، إلا أنه يعيش شعور الخاسر

وعلى الرغم من أن المالكي هو أحد الفائزين الثلاثة الأوائل، إلا أنه يعيش شعور الخاسر، خاصةً وأنه حالياً من دون حليف شيعي قوي واضح. انضم المالكي إلى تكتل يعترض على نتائج الانتخابات، ويمثل القِوى الشيعية التي تراجعت حظوظها في هذه الانتخابات، وسُمي "الإطار التنسيقي".

شُكِّل هذا التكتل ليكون في مواجهة الصدر، ويضم نحو 88 نائباً، جميعهم شيعة، تُضاف إليهم 15 مقعداً لتحالف "عزم" بزعامة النائب السُني مثنى السامرائي، وثلاثة مقاعد لتحالف "تصميم" بزعامة محافظ البصرة أسعد العيداني، ويتحدث أعضاء في الإطار عن تجاوزهم حاجز الـ110 مقاعد.

حاول "الإطار" في بداية تكتله، أن يقدّم المالكي زعيماً له، كونه الضد النوعي لمقتدى الصدر بناءً على أرشيف العلاقات المتوترة بينهما، بالإضافة إلى أن المالكي صاحب أكبر عدد من المقاعد في الإطار، لكن ذلك لم ينجح. ووجود المالكي في الإطار يُغضب الصدر الذي عندما زار قادة الإطار في العاصمة بغداد، في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تجاهل إلقاء التحية على المالكي، وهذا ما ظهر في مقطع الفيديو الذي وثّق دخوله.

عداءٌ كبير بين الصدر والمالكي يعود تاريخه إلى عام 2008، عندما قاد المالكي وكان رئيس الحكومة آنذاك، حملةً عسكريةً ضد "جيش المهدي"، وهو التشكيل المسلح التابع للصدر، قتل واعتقل خلالها المئات من أتباع الصدر، وكان المالكي يسميها آنذاك "حملة لسيادة القانون"، لكن الصدريين عدّوها استهدافاً لهم.

يُعدّ الصدر والوقوف في وجهه، من محفزات جماهير المالكي للذهاب إلى صناديق الاقتراع، وكذلك الحال مع أتباع الصدر الذين يعادون المالكي.

يُعدّ الصدر والوقوف في وجهه، من محفزات جماهير المالكي للذهاب إلى صناديق الاقتراع، وكذلك الحال مع أتباع الصدر الذين يعادون المالكي.

سعى الصدر عام 2011، إلى ردّ ما فعله المالكي عام 2008، وحاول سحب الثقة من حكومته بتحالف مع زعيم ائتلاف "العراقية" وزعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، إلا أنه لم ينجح.

اليوم، ومع اتساع نفوذ الصدر سياسياً واقتصادياً وعلى مستوى السلاح أيضاً، وقدرته الكبيرة على تحريك مساحة واسعة من الجغرافيا السياسية العراقية لصالحه، يحاول أن يُقصي المالكي من الحكومة المقبلة، ويمنعه من الوجود فيها.

في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي، قال الصدر في خطابٍ متلفز: "دعوت هادي العامري وقيس الخزعلي وفالح الفياض (قادة في الإطار التنسيقي)، للمشاركة في حكومة الأغلبية، شرط عدم مشاركة المالكي، لكنهم رفضوا ذلك".

بعد يومين، رد المالكي بشكل غير مباشر في تغريدة قال فيها: "من موقع القوة والاقتدار، والشعور بالمسؤولية، أقول لكل من يبحث عن خلافات وتنفيس أحقاد وكراهية، إن يدي ممدودة لأفضل العلاقات، إذا كانت فيها مصلحة العراق وشعبه، ومن دونها لا أحب ولا أرحب بأي علاقة وشراكة مع أي طرف يضرّ بمصلحة العراق وكرامة الناس".

لا مشكلة لدى الصدر مع "الإطار التنسيقي" الذي يضم زعيم تيار الحكمة الوطني، عمار الحكيم، وزعيم تحالف الفتح، هادي العامري، ورئيس ائتلاف النصر، حيدر العبادي، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، وآخرين، لكن مشكلته الأساسية مع المالكي بالإضافة إلى زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، وهو أحد قادة التيار والمتحدث باسمه خلال معارك النجف عام 2004 مع القوات الأمريكية قبل أن ينشق عنه قبل نحو 20 عاماً.

الواقع السياسي في العراق اليوم، يضع المالكي في مكان لا يُحسد عليه، فلطالما كان يُمجَّد من قبل الفصائل المسلحة وبعض الموجودين معه في "الإطار التنسيقي"، لكنه الآن بمثابة الثقل الذي يريدون التخلص منه للتحالف مع الصدر.

الواقع السياسي في العراق اليوم، يضع المالكي في مكان لا يُحسد عليه، فلطالما كان يُمجَّد من قبل الفصائل المسلحة وبعض الموجودين معه في "الإطار التنسيقي"، لكنه الآن بمثابة الثقل الذي يريدون التخلص منه للتحالف مع الصدر.

لكن المالكي الآن بمثابة العامود الفقري للإطار، فعدد مقاعد ائتلافه تشكل نحو ثلث مقاعد التكتل المعترض على نتائج الانتخابات. من دون مقاعد رئيس الوزراء الأسبق، مقاعد حلفائه ستكون مشتتةً وغير قادرة على التفاوض والوقوف في وجه الصدر وكتلته التي تفرض قوتها الآن بشكل كبير.

كانت مهمة الإطار في بداية تجمعه رفض نتائج الانتخابات التي أظهرت خسارة حلفاء إيران في العراق، وبعض الذين يوصفون بـ"المعتدلين الشيعة" مثل الحكيم والعبادي، لكنها الآن تحولت إلى رفض السماح للصدر بالذهاب وحيداً مع حلفائه السُنة والكرد، وأبرزهما مسعود بارزاني ومحمد الحلبوسي.

الرجل الذي حكم العراق لثماني سنوات، لا يُريد أن يتقاعد سياسياً مثل زعماء آخرين، فهو يعتقد أنه وعائلته يجب أن يستمروا في الوجود السياسي لسنوات طويلة

ساعدت هذه الانتخابات المالكي على البقاء أربع سنوات جديدة في العملية السياسية، وربما ثماني سنوات، فالرجل الذي حكم العراق لثماني سنوات، لا يُريد أن يتقاعد سياسياً مثل زعماء آخرين، فهو يعتقد أنه وعائلته يجب أن يستمروا في الوجود السياسي لسنوات طويلة أخرى.

قبل نحو عقد، دفع المالكي بصهريه ياسر صخيل وحسين المالكي، لدخول العمل السياسي وتأسيس تشكيلات حزبية مساندة له، بالإضافة إلى وصولهما ليكونا عضوين في مجلس النواب العراقي.

لا يشبه المالكي في مسيرته السياسية بقية "الدعاة" (أعضاء حزب الدعوة)، الذين غابوا عن المشهد السياسي، ولم يقدّموا عوائلهم أو مقربين منهم للمشهد السياسي. ومع أنه استفاد من فترة حكمه للعراق، لكن ذلك لا يمنع من وجود فكرة راسخة في ذهنه تتعلق بالتوريث السياسي، وهذا ما فعله مع صهريه، وربما يفعلها مع آخرين.

حصول المالكي على 34 مقعداً في الانتخابات الحالية، يُعدّ نصراً له، فالرجل حصل على هذا العدد من المقاعد لأنه المالكي فحسب، ولأنه الند الشيعي للصدر. تشكل أرقام زعيم ائتلاف دولة القانون، نحو نصف أرقام الصدر، لكن مقارنةً بتاريخهما، فإن ما حصل عليه المالكي يُعدّ أكبر.

الصدر، بتاريخه العائلي الكبير ونفوذه المجتمعي، حصل على 73 مقعداً، بينما المالكي الذي لا يمتلك هذا الإرث العائلي والديني، جاء بنصف الرقم تقريباً. يؤشر ذلك على أن مجموعةً من الشيعة ليست قليلةً، تبحث عن حائط صد شيعي في وجه زعيم التيار الصدري.

يستفيد المالكي من صراعه هذا لتحشيد جماهيره والمتخوفين من الصدر حوله أكثر، فيما يُشكك بصدق أطراف الإطار التنسيقي الذي يفتح خطوطه مع الصدر ويحاول استغلال المالكي، والعكس. 

ويضع "الإطار التنسيقي" المالكي في مواجهة الصدر حالياً، فهو القوة الشيعية الوحيدة القادرة على أن تكون نداً مُعلناً للصدر الذي يتسع نفوذه سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

عندما تحدّث الصدر في الثامن عشر من الشهر الحالي، عن تعرضه لتهديدات (لم يحدد الجهة)، ردّ عليه المالكي بعد يومين بشكل غير مباشر وقال: "نستغرب من كثرة الحديث عن التهديد من دون تقديم أدلة. أما إذا كان التهديد صحيحاً، فنطالب هذه الشخصيات بتقديم أدلّتها أمام القضاء، وسنكون متضامنين معها، واذا لم يثبت التهديد بأدلة قاطعة، فإننا نطالب القضاء بمحاسبتهم، منعاً لإرباك الأمن والاستقرار والسلام في البلاد".

يستفيد المالكي من صراعه هذا لتحشيد جماهيره والمتخوفين من الصدر حوله أكثر، خاصةً وأنه الوحيد من القادة السياسيين الذين شككوا في التهديدات التي تحدّث عنها زعيم التيار الصدري، وإن كان تشكيكه ليس مباشراً.

في المحصلة، فإن "الإطار" الذي يعتمد على المالكي بشكل كبير، لا يريد الاستغناء عنه، ولا يريد البقاء معه في آنٍ واحد. التمسك بالمالكي وعدم تركه سيحرمانه من الوجود في الحكومة المقبلة، وتركه سيُضعفه ويثير غضب إيران كونها الحليف الدولي لمجموعة أطراف داخل الإطار، وهذا ما يضع المالكي في حيرة من أمره، وشكٍ في الذين حوله، في معركة يخوضها من أجل أن يبقى على الساحة السياسية، لسنوات مقبلة.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard